Top
Image Alt

تأثير الزكاة على العمل

  /  تأثير الزكاة على العمل

تأثير الزكاة على العمل

قد يظن البعض خطأً أنّ الزكاة قد تشجِّع على البطالة؛ وهذا ظن خطأ بالتأكيد، لأسباب عديدة، نذكر بعضها فيما يلي:

أولًا: موقف الإسلام من العمل:

وهو موقف واضح مؤيّد بالنصوص الصحيحة الصريحة في وجوب أو حتمية أن يكون لكل إنسان عمل يؤدِّيه في الحياة، في حدود ما يملكه من طاقات وإمكانات.

ويكفيني أن أقرّر هنا بعض ما سبق أن كتبتُه بخصوص العمل والإنتاج في الإسلام تحت عنوان: “الإسلام والعمل” في كتابنا: (دراسات في المعاملات الإسلامية).

لقد خُلِق الإنسان لعبادة الله سبحانه وتعالى كما ورد في القرآن الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ومن ثَمّ؛ فإنّ ما يكلف به من الإسلام هو: عبادة، ولو من بعض الوجوه.

ومعلوم أيضًا أنّ الله تعالى جعل الإنسان خليفة عنه على الأرض، يقول تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]؛ فأعباء الخلافة والقيام بها إذًا هي العبادة، وهي تتمثل في عمارة الأرض، يقول تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، أي: أنشأكم من الأرض وطلب عمارتكم إياها، كل على قدر استطاعته، قيامًا بواجب الخلافة، وطبقًا لشروط المستخلِف وهو ما يمثّل العبادة له سبحانه وتعالى من هذه الزاوية. فكأن ما يدخل في إطار تعمير الأرض، وتنمية الحياة فوْقها، وجعْلها أيسر سبيلًا وأقوم طريقًا هو: عبادة.

ولقد جاءت السُّنّة المطهّرة لتقرِّر هذا المفهوم، حيث ورد: ((أنّ أخويْن ذَكرا للنبي صلى الله عليه وسلم أمْر ثالثِهما، وأنه لا ينتهي من صلاة إلاّ إلى صلاة، ولا يفرغ من صوم إلاّ إلى صوم. فسألهما النبي صلى الله عليه وسلم عمّن يرعى إبلَه، ويسعى على ولده؟ فقالا: نحن يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتما أعْبَد منه)). كما روى الشيخان من طريق أبيّ رضي الله عنه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر))، ولفظه في البخاري: ((كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار)). وحسبنا من هذا الحديث أنه يجعل مثوبة العمل والسعي في طلب الرزق مساوية أعلى مثوبة للفرائض الإسلامية الأخرى، ألا وهي: الجهاد في سبيل الله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدّقت به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك؛ أعظمها أجرًا: الذي أنفقتَه على أهلك)). ويروى عن أنس رضي الله عنه قال: ((كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فمنّا الصائم والمفطر. قال: فنزلنا منزلًا حارًّا، أكثرنا ظلًّا صاحب الكساء. فمنّا من يتّقي الشمس بيده. قال: فسقط الصّوّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الرِّكاب. فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر كلِّه)). فهذا صيام لا يُنكر أحد أنه عبادة، بل ركن جوهري من أركان الإسلام وأحد فرائضه الخمسة، وهنا أيضا عمل عادي -ضرب الخيام وسقي الركاب- فمن فاز بالأجر؟ ثم إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصورة المطبِّقة لتعاليم الإسلام والمقتدَى به، كان دائمًا وهو في بيته هو في مهنة أهله: يخصف نعْله، أو يخيط ثوبه أو ثوبًا لمسكين، أو يحلب شاة، أو نحو هذا… كما كان صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يقوم أحد عنه بعمله، وليس ذلك بغريب بعد أن قال الله فيه: {وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وقال له: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَىَ رَبّكَ فَارْغَبْ} [الشَّرح: 7، 8]، أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب للعبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلِصْ لربِّك النّية والرغبة.

وهكذا يمكن القول: إن الإنسان في الإسلام خُلِق ليعمل ويعمر الدنيا، ومن ثَمّ يكون الجزاء يوم القيامة على أساس العمل، ويجب أن يكون كذلك في الدنيا. وأيضًا فإن الإسلام لا يعرف سنًّا تبيح للشخص التقاعد عن العمل متى بلَغها؛ بل يربّى المسلم على أن يكون وحدة منتجة طالما هو على قيد الحياة، وما دام يملك القدرة على العمل؛ فهو مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وأين أنفقه. ولا يستطيع الاعتذار أو التعلل بأنه تجاوز الستين مثلًا؛ فإنّ قيام الساعة لا ينبغي أن يحول بينه وبين أداء عمل منتج مفيد له وللمجتمع، يقولصلى الله عليه وسلم: ((إذا أقيمت الساعة وفي يد أحدِكم فسيلة -أي: نخلة صغيرة- فإن استطاع ألاّ تقوم حتى يغرسَها فليغْرسها)). وفي الأثر: “اعمل لدُنياك كأنك تعيش أبدًا، واعملْ لآخرتك كأنك تموت غدًا”.

فعلى الإنسان المسلم: أن يعمل في كل وقت على قدر طاقته، وناتج عمله أو كسبه في الدنيا يدفع عنه ذلّ المسألة. و((اليد العليا خير من اليد السفلى)). ثم إذا مات آلت تركته إلى ورثته، وهذا خير ومطلب إسلامي أيضًا: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيْر من أن تذَرَهم عالة يتكفّفون الناس)). كان النبي – يقول لابنته فاطمة رضي الله عنها: ((يا فاطمة بنت محمد، اعملي! فإني لا أغني عنك من الله شيئًا!))، كما قال لبني هاشم: ((يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بنسبكم إلى رسول الله يوم القيامة!))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وروي أن عمر بن الخطاب إذا رأى فتىً أعجبه حاله سأل عنه: هل له من حرفة؟ فإن قيل: لا؛ سقط من عينيه. كلما مر برجل جالس في الشارع أمام بيته، أخذه وساقه إلى العمل وهو يقول له: “إن الله يكره الرجل الفارغ، لا عمل في الدنيا، ولا عمل في الآخرة”.

ومن جهة ثالثة؛ فإن المنهج الإسلامي لا يحلّ للمسلم أن يكسل عن طلب الرزق بدعوى التفرغ للعبادة، أو التّوكّل على الله؛ فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. كما لا يحلّ له أن يعتمد على صدقة يُمنحها أو يأخذها من الغير، وهو يملك من أسباب القوّة ما يسعى به على نفسه ويُغني به أهله ومن يعول. وفي ذلك يقولصلى الله عليه وسلم: ((لا تحلّ الصدقة لغنيّ، ولا لذي مِرّة -أي: قوّة- سويّ)).

ومِن أشدّ ما قاومه النبي صلى الله عليه وسلم وحرّمه على المسلم: أن يلجأ إلى سؤال الناس، فيُريق ماءَ وجهه، ويخدش مروءته وكرامته، من غير ضرورة تلجئه إلى السؤال، فيقول: ((لا تزال المسألة بأحدِكم، حتى يلْقى الله وليس في وجْهه مزعة لحْم)). ويقول أيضًا: ((من سأل الناس أموالَهم تكثُّرًا، فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقلّ أو ليستكثرْ)).

ثم هو صلى الله عليه وسلم ينفي فكرة احتقار بعض المهن والأعمال، ويعلِّم أصحابه والمؤمنين برسالته: أنّ الكرامة في ممارسة أي عمل مشروع، وأنّ الهوان والضّعة في الاعتماد على معونة الناس، يقول: ((لأنْ يأخذَ أحدُكم حبْله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكفّ الله بها وجهَه، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوْه أو منعُوه)).

فللمسلم أن يكتسب عن طريق الزراعة، أو التجارة، أو الصناعة، أو الرعي، أو الصيد، أو حرفة من الحرف، أو وظيفة ما من الوظائف، ما دامت لا تقوم على حرام أو تُعين على حرام أو تقترن بحرام، أي: أنّ كل كسب حلال هو عمل شريف عظيم، وإن نظر إليه بعض الناس نظرة استهانة أو انتقاص. وحسبنا هذا الحديث الأخير الذي يُبيِّن أنّ مهنة الاحتطاب -على ما فيها من مشقة، وما يحوطها من نظرات الازدراء، وما يُرجى فيها من ربح ضئيل- هي خير من البطالة وتكفّف الناس.

ولا عجب -بعد ما تقرّر- أن تضع الشريعة الإسلامية قواعد عامّة لحماية حق العامل، أو لتنظيم العلاقة بينه وبين صاحب العمل؛ حيث ينبغي أن يكون العمل في مقدور العامل واستطاعته، وأن يأخذ عليه الأجر المكافئ له، لا وكس ولا شطط، وأن يعطى أجره دون أن يعاني في طلبه. وينبغي على العامل في مقابل ذلك: أن يتقن عمله، ويبذل فيه أقصى جهده، وينصح فيه لصاحب العمل، من قبيل أداء الأمانات إلى أهلها، إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات التي تحكم ميدان العمل ومجالاته…

والمهم: أن يكون ذلك كلّه في نطاق قواعد الإسلام العامة في العمل.

وخلاصة ما نقوله في معرض الرد على خطأ الظن بأن الزكاة قد تشجِّع على البطالة:

  1. أن نؤكّد على حقيقة واضحة كالشمس، مضمونها: أن الإسلام جعل العمل هو أساس الكسب، وأحَدَ وسائل الملكية؛ ففي المجتمع الإسلامي الصحيح، يعمل أفراده ويتقنون العمل، ويمشون في مناكب الأرض يلتمسون الرزق في خباياها، وينتشرون في أرجائها زرّاعًا أو صنّاعًا أو تجّارًا أو عاملين في شتى الميادين، ومحترفين بشتى الحِرف، مستغلّين لكل الطرقات، منتفعين بكل ما استطاعوا أو بكل ما أوتوا ممّا سخّر الله لهم في السماوات والأرض جميعًا منه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حثِّه الناس على العمل حتى يكفيهم السؤال قوله صلى الله عليه وسلم: ((لأنْ يأخذَ أحدُكم حبْلَه على ظهره، فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها، فيكفّ الله بها وجهَه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوْه أو منعوه))، ونحوه كثير…

  • بعد أن رأينا قبل قليل موقف الإسلام من العمل واحترامه له في كثير من نصوص القرآن الكريم والسّنة المطهرة، نستدل بدليل آخَر على خطأ هذا القول: من أنّ الزكاة لا تعطَى إلاّ للعاجزين عن الكسب، فلا تُعطى للقويّ القادر على العمل.

ومن الواضح: أن على محتاج الزكاة والمستوفي شروطها ألاّ يأخذ منها إلاّ الضروري، ويعفّ عما يزيد عن ذلك، وشتان بين ذلك وبين ما نحن فيه من المطالبة المستمرّة من الحكومة بضغط النّفقات، وبين أن نقوم بضغط الإنفاق وتقليل المستحقّ منه، وذلك بعدم أخْذ المحتاج إلاّ قدْر الحاجة الضرورية طبقًا لاستحقاقه، جاعلًا رقابة ضميره هي الأقوى من استحقاقه القانوني، أو من رقابة الآخّرين. فإن الله سائله عن مالِه من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وإذا تكثّر -أي: من غير حاجة- فإنما هو جمر جهنم، فإن شاء قلّل، وإن شاء كثّر، وسوف يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم -أي: قطعة لحم- كما نوّهنا . وكل هذه نصوص ثابتة في كتب السّنّة، في (البخاري) و(مسلم) وغيرهما…

  • إنّ مصارف الزكاة تشجّع على العمل ولا تشجِّع على البطالة، بل وتقلِّل من فُرصها، وذلك للاعتبارات الآتية:
    • من المعلوم اقتصاديًّا: أن عملية إعادة توزيع الدخل من شأنها أن تقلل من حدّة التفاوت في الدخول؛ وهذا أمر له تأثيره الكبير في علاج البطالة.
    • الزكاة تقوم بعملية نقل وحدات من دخول أغنياء إلى فقراء. ومن المعلوم: أن الأغنياء يقلّ عندهم الميل الحدي للاستهلاك، ويزيد عندهم الميل الحدي للادّخار. أما الفقراء فعلى العكس، يزيد عندهم الميل الحدّي للاستهلاك، وينقص عندهم الميل الحدي للادخار، وإلاّ فماذا يدّخرون؟ ويترتّب على ذلك بطبيعة الحال نتيجة هامّة وهي: أنّ حصيلة الزكاة سوف توجّه إلى طائفة من المجتمع يزيد عندها الميل الحدي للاستهلاك، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة الطلب الفعّال، الأمر الذي يترتّب عليه زيادة في طلب سلَع الاستهلاك، فتروج الصناعات الاستهلاكية، ويؤدِّي ذلك إلى رواج السلع الإنتاجية المستخدمة في صناعة السلع الاستهلاكية، ممّا يزيد الإنتاج ويزيد تبعًا لذلك فرص العمل الجديدة.
    • إنّ إحدى مصارف الزكاة توجّه النظر إلى تقرير حقيقة إيجابية تدعو إليها، وهي: عدم استغلال المجتمع لأي عامل فيه؛ فلم يجعل الإسلام جمع الزكاة سخرة بدون أجر رغم ما في ذلك من فضل، وربما قربة أو طاعة، ولكن الإسلام يقرّر صراحة: أن لا يؤدي أي إنسان عملًا إلاّ ويحصل على أجْره، كما أنها أوّل دعوة إلى إطلاق الحوافز المادية لتقريرها سهمًا من الزكاة للعاملين عليها، وحتى ولو كانوا من الأغنياء.

وبديهي أنه كلّما اجتهد العامل في جمع الزكاة وأحسن الأداء، زاد الدخل من الزكاة، وارتفع سهم العاملين عليها ليفي بأجورهم كاملة منها.

error: النص محمي !!