• العربية
Top
Image Alt

تابع الشبهات التي أثيرت حول العمل بأحاديث الآحاد أو خبر الآحاد

  /  تابع الشبهات التي أثيرت حول العمل بأحاديث الآحاد أو خبر الآحاد

تابع الشبهات التي أثيرت حول العمل بأحاديث الآحاد أو خبر الآحاد

الشبهة الثالثة: قالوا: قد روي عن عدد من الصحابة أنهم لم يعملوا بخبر الآحاد، فقد رد أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، ورد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد، وكان علي لا يقبل خبر أحد حتى يحلِّفه سوى أبي بكر، وردت عائشة خبر عمر رضي الله عنه وابنه عبد الله في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه… إلى غير ذلك.

وقبل الجواب عن كل شبهة من هذه الشبه التي نسبت إلى كل صحابي على حدة، نذكر المنهج العام الذي اتَّبعه الصحابة في رواية الحديث الشريف.

تثبت الصحابة في الحديث:

إذا كان الصحابة رضي الله عنهم قد حرصوا حرصًا منقطع النظير واهتموا اهتماما عظيما بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تحملًا وأداء، ومع أنهم كانوا في غاية الأمانة في تبليغ ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم وما كانوا يكذبون، وكيف يكون الظن بمن عدَّلهم الله تعالى، وزكاهم وأثنى عليهم في كتابه العزيز؟! وهو العليم بحقيقة أمرهم، وما انطوت عليه صدورهم، وماذا سيكون منهم في مستقبل أمرهم إلى أن يلقوا ربهم تبارك وتعالى.

وكذلك عدَّل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام، وعرف لهم قدرهم، وأخبر أنهم خير الناس على الإطلاق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا ما صدَّقه واقعهم العملي }.

غير أن الإنسان بحكم بشريته معرض للخطأ والنسيان، ولا يكاد يسلم من الخطأ كبير أحد على الإطلاق، فهذه أمور من لوازم البشرية؛ لذلك رأينا الخلفاء الراشدين } يضعون منهجًا للتثبت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلقد اتجه الخلفاء الراشدون } إلى نقض متون السنة وتمحيصها؛ لحرصهم على سلامة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يدخل فيه ما ليس منه أو يحرف، وكان ذلك في فترة مبكرة جدًّا.

فوضع الخلفاء الراشدون } منهجًا لقبول الرواية، وكان الغاية من ذلك إنما هو التثبت والاحتياط؛ خوفًا من الخطأ أو النسيان، وحتى لا يجترئ غير الصحابة، فيتقوَّلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقفوا في قبول الحديث إذا عارض القطعي أو ما هو أثبت منه لاستحالة أن يعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، فالقرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ووكل الله إليه بيانه لا معارضته.

ولأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعارض بعضه بعضًا ومصدرهما واحد، فإذا وجد تعارض بين الحديث والقرآن الكريم أو بين حديث وحديث آخر، ولم يتمكن الأئمة من دفع هذا التعارض فإن ذلك يرجع إلى أمر خارجي، غير أنه كلام الله تعالى أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يكون بسبب خطأ الراوي أو نسيانه أو أن الراوي اقتصر على رواية جزء من الحديث.

وما اقتصر على روايته له تعلق بما تركه أو أنه روى بالمعنى فأخطأ، أو أنه غفل عن سبب ورود الحديث أو المناسبة التي قيل فيها الحديث، ومعرفة سبب ورود الحديث أو المناسبة التي قيل فيها الحديث يعين على فهم الحديث فهمًا صحيحًا، كما أن الوقوف على سبب نزول الآية يعين على فهمها فهمًا صحيحًا.

فطلب الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة البينة ممن يحدث بما لا يعرفوه، واحتكموا إلى صاحب الواقعة أو من يخصه الأمر، ورجعوا إليه ونزلوا على قوله؛ لأنه أعلم بالأمر من غيره، وراجع بعضهم بعضًا واستثبتوا من صحة الأحاديث، فما اتفق على روايته الأكثر قدموه، وكانوا متجردين لله رب العالمين، وللحق الذي أرادوه فلم ينتصر أحد لنفسه، والله أعلم.

وسنرى -إن شاء الله تعالى- في هذا العرض السريع كيف حافظ المسلمون على سنة نبيهم، وكما أنهم اهتموا بدراسة الأسانيد ونقدها، فلقد اهتموا بدراسة المتون وتمحيصها ونقدوها كما ينبغي، وذلك في فترة مبكرة جدًّا.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتثبت في الحديث:

لقد وضع الخليفة الراشد، والإمام العادل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجًا لقبول الحديث، فإن حدَّثه أحد بما لا يعرف طلب منه البينة على ما يقول، وليس ذلك للشك في الصحابي الذي يحدِّثه بل من أجل التثبت والاحتياط خوفًا من النسيان أو الخطأ الملازم للبشرية. قال الحافظ الذهبي: “كان أبو بكر الصديق أول من احتاط في قبول الأخبار”.

قال المشككون في العمل بخبر الآحاد: “توقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى انضم إليه محمد بن مسلمة، فشهد أنه سمع ما أخبر به المغيرة بن شعبة من الرسول صلى الله عليه وسلم فأمضاه أبو بكر الصديق”.

نص الحديث: عن قبيصة بن ذؤيب قال: “جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها قال لها: ما لك في كتاب الله شيء، وما لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها”. الحديث أخرجه الإمام الترمذي.

ولم يكن توقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خبر المغيرة بن شعبة شكًّا في المغيرة أو ردًّا لخبره، بل توقف إلى أن يأتي ما يؤيده ويزيده يقينا بوجود هذا التشريع في الإسلام، وهو إعطاء الجدة السدس، ولما كان هذا تشريعًا لم ينص عليه في القرآن الكريم كان لا بد للعمل به وإقراره من زيادة في التثبت والاحتياط، فلما شهد محمد بن مسلمة أنه سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم لم يتردد أبو بكر في العمل بخبر المغيرة بن شعبة.

وهل شهادة محمد بن مسلمة بأنه سمع حديث المغيرة بن شعبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجت الخبر عن كونه آحادًا؟ إن الخبر وإن جاء عن محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة فهو آحاد، ومع ذلك عمل به أبو بكر الصديق رضي الله عنه فدل ذلك على أن أبا بكر يعمل وعمل بخبر الآحاد، ولم يرده، غاية الأمر أنه أراد التثبت والاحتياط من الخبر لأنه لا يعرفه.

أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطلب البينة ممن يحدثه بما لا يعرف:

جاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسلك مسلك سلفه الصالح أبي بكر الصديق رضي الله عنه فطلب ممن يحدث بما لا يعرف أن يأتي بالبينة على ما يقول، وإلا عوقب زيادة في الاحتياط والتثبت، وحتى لا يجترئ غير الصحابة فيتقوَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس منه.

قال معاوية رضي الله عنه: “إياكم وأحاديث إلا حديثًا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل”. الحديث أخرجه الإمام مسلم.

قال الحافظ الذهبي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “هو الذي سَنَّ للمحدِّثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب”.

استدل المشككون في حجية خبر الواحد بما حدث من عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين توقف في خبر أبي موسى الأشعري.

توقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خبر أبي موسى الأشعري، وطلب منه البيِّنة على ما يقول، ولم يكن ذلك شكًّا في أبي موسى الأشعري، ولكن من أجل الاحتياط، حتى لا يجترئ أحد على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتقول عليه، كما صرح بذلك عمر رضي الله عنه في رواية الإمام مالك.

عن أبي سعيد الخدري قال: “كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: “استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع)) فقال عمر: والله لتقيمن عليه ببيِّنة أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك”. هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما.

وهذا الحديث مما استدل به المشككون في العمل بخبر الآحاد، وقد جاء في رواية عند الإمام مسلم، فقال عمر: “خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق بالأسواق”، وفي رواية عند مسلم أن أبي بن كعب قال لعمر: “يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت”. الحديث أخرجه الإمام مسلم، وفي رواية عند الإمام مالك في (الموطأ): “فقال عمر بن الخطاب لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقَوَّل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وقد اتضح من الروايات السابقة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين السبب الذي حمله على طلب البيِّنة من أبي موسى، وهو إرادة التثبت من الخبر حتى لا يجترئ الناس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتقوّلوا عليه؛ ليدفعوا عن أنفسهم الأذى، أو ليحققوا لأنفسهم مصلحة، وليس هذا لريبة في أبي موسى كما قال عمر له: “أما إني لم أتَّهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

قال ابن بطال: “فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره، وقد قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها، وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك، لكنه يستثبت إذا وقع ما يقتضي ذلك”.

قال الآمدي: “وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط لا عدم الاحتجاج بها في جنسها، مع أنهم متفقون على العمل بها، ولهذا أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها لأمور خارجة عنها”.

أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يتثبت في رواية الحديث أيضًا:

لقد سلك أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مسلك سلفه الصالح، فاستحلف من يحدِّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يعرف. قال الحافظ الذهبي عن علي رضي الله عنه: “كان إمامًا عالمًا متحريًّا في الأخذ بحيث أنه يستحلف من يحدثه بالحديث”.

عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: “سمعت عليًّا رضي الله عنه يقول: كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدَّقته. قال: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه أنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)) ثم قرأ هذه الآية: {وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135]” الحديث أخرجه أبو داود والترمذي.

الصحابة يقتدون بالخلفاء الراشدين في التثبت من المرويات:

لقد اقتدى الصحابة رضي الله عنهم بالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، فنقدوا المتون ومحصوا المرويات، وأصبح ذلك منهجًا متبعًا عند الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم من التابعين، لا يقبلون من كل أحد ما يُحدِّث به بل لا بد من أن يكون الراوي عدلًا في دينه ضابطًا لحفظه، وأن يتثبتوا من سلامة المتن من الخطأ والنسيان، وكان الهدف في هذه الفترة المباركة من نقد المتون، وتمحيص المرويات الخوف من الخطأ والنسيان، أو أن يجترئ غير الصحابة فيتقولوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فالرواة عدول يأخذ الصحابة الحديث عن بعضهم، ويأخذ التابعون عن الصحابة، وكانت الثقة متبادلة بين الصحابة رضي الله عنهم وكذلك لم يكن التابعون يتوقفون في قبول أي خبر يسمعونه من الصحابة.

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتثبت في الحديث وتنتقد المرويات:

ردت عائشة رضي الله عنها خبر عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وهذا مما احتج به المخالفون لأهل الحق الذين يردون أخبار الآحاد.

لماذا ردت عائشة خبر عمر وابنه عبد الله؟ لأنها علمت سبب ورود الحديث، والمناسبة التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الحديث، ومعرفة سبب ورود الحديث والظروف التي قيل فيها الحديث له دخل كبير في فهم الحديث فهمًا صحيحًا، كمعرفة سبب نزول الآية القرآنية، ولمَّا لم يتذكر عمر وابنه رضي الله عنهما سبب ورود الحديث، والمناسبة التي قيل فيها الحديث، واقتصرا على رواية جزء من الحديث ظنا أن الحديث على إطلاقه، وقد ردت عائشة رضي الله عنها ذلك إلى النسيان أو الخطأ في السماع، ولأن هذا الحديث يعارض القرآن الكريم.

نص الحديث: عن أبي موسى قال: “لما أصيب عمر رضي الله عنه أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر فقام بحياله يبكي، فقال عمر: علام تبكي أعَلَيَّ تبكي؟ قال: أي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين قال: والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يُبكى عليه يعذب)) قال: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة، فقال: كانت عائشة تقول: إنما كان أولئك اليهود”. الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الميت يعذب ببكاء الحي عليه)).

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: “ذكر عند عائشة قول ابن عمر: ((الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي، وهم يبكون عليه فقال: ((أنتم تبكون وإنه ليعذب))” وفي رواية عند الإمام مسلم لما بلغ عائشة قول عمر وابنه عبد الله بن عمر، قالت: “إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ”.

وفي رواية أن عائشة قالت لما بلغها قول عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه: “يرحم الله عمر لا والله ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد)) ولكن قال: ((إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه))” قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الأنعام: 164] قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكى. قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء”.

عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة رضي الله عنها وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: “إن الميت ليعذب ببكاء الحي”، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يُبكى عليها، فقال: ((إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها))”. الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما.

قال الإمام النووي: “قوله: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) وفي رواية: ((ببعض بكاء أهله عليه)) وفي رواية: ((ببكاء الحي)) وفي رواية: ((يعذب في قبره بما نيح عليه)) وفي رواية: ((من يبكى عليه يعذب)) وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله رضي الله عنهما وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، واحتجت بقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الأنعام: 164] قالت: “وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهودية أنها تعذب، وهم يبكون عليها” يعني: تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها عليها لا بسبب البكاء، فهذا وصف للواقع كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من هذه الروايات يتضح لنا أن عائشة رضي الله عنها لم ترد خبر عمر وابنه عبد الله؛ لأنه خبر آحاد، وإنما ردَّته لمعارضته القطعي من القرآن الكريم، ثم إنها ذكرت سبب ورود الحديث والمناسبة التي قاله فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة سبب ورود الحديث, والظروف التي قيل فيها الحديث يعين على فهم الحديث فهمًا صحيحًا، كمعرفة سبب نزول الآية القرآنية، ولمَّا لم يتذكر عمر وابنه سبب ورود الحديث، والمناسبة التي قيل فيها كما ذكرت عائشة ظنًا أن الحديث على إطلاقه.

وقد حاول العلماء الجمع والتوفيق بين الآية الكريمة، وهي قول الله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الأنعام: 164] وبين حديث عمر وابنه عبد الله -رحمهما الله تعالى- ومن المعلوم أن التوفيق بين النصوص إن أمكن بلا تكلف يكون المصير إليه، وسنذكر بحول الله تعالى موجزًا لما قاله العلماء في الجمع والتوفيق بين الآية الكريمة والحديث.

اختلف العلماء في فهم هذه الأحاديث، فتأولها الجمهور على من أوصى بأن يبكى عليه، ويناح عليه بعد موته فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه. قالوا: فأما من بكى عليه أهله، وناحوا عليه من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الأنعام: 164] قالوا: وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد:

فإن مت فانعيني بما أنا أهله

*وشقي علي الجيب يا بنت معبد

قالوا: فخرج الحديث مطلقا حملًا على ما كان معتادًا لهم. وقالت طائفة: “هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما، فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما، ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ومن أهملهما عذب بهما”.

وقالت طائفة: “معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت وبتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما يقولون: يا مخرب العمران ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعةً وفخرًا وهو حرام شرعًا وقيل غير ذلك والله أعلى وأعلم”.

قال الجبائي من المعتزلة: “لا يجب العمل إلا بما رواه اثنان عن اثنين”، وهذا قول باطل؛ لأن العمل بخبر الواحد من المعلوم بالدين بالضرورة، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عمل بخبر الواحد في وقائع لا تكاد تحصى، كما تواتر أيضا عن الصحابة والتابعين أنهم عملوا بخبر الواحد في وقائع لا تكاد تحصى.

وقال بعضهم: “لا يجب العمل إلا بما رواه أربعة عن أربعة” وهذا القول أبطل من القول السابق عليه، وقال بعضهم: “ما كان زائدًا على القرآن الكريم من أخبار الآحاد يرد ولا يعمل به” وهذا قول باطل أيضًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث بالقرآن الكريم فقط، بل جاء بالقرآن الكريم والسنة المطهرة معًا، والمسلمون مطالبون بالعمل بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.

error: النص محمي !!