• العربية
Top
Image Alt

تابع الطريق الرابع: المناولة

  /  تابع الطريق الرابع: المناولة

تابع الطريق الرابع: المناولة

أقسام المناولة: تنقسم المناولة إلى قسمين: القسم الأول: مناولة مقرونة بالإجازة. القسم الثاني: مناولة مجردة عن الإجازة. القسم الأول: المناولة المقرونة بالإجازة: وهي أعلى أنواع المناولة مطلقًا، ونقل القاضي عياض الاتفاق على صحتها، وهذه المناولة المقرونة بالإجازة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه، أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فأروه عنه، أو أجزت لك روايته عني، ثم يبقيه الشيخ مع الطالب تمليكًا، أو لينسخه ويقابل به ويردُّه، فيقول الشيخ للطالب: خذه وانسخه وقابل به، ثم رده إلي، أو نحو هذا. الصورة الثانية: من صور المناولة المقرونة بالإجازة: أن يدفع الطالب إلى الشيخ سماعه منه فيتأمله الشيخ، وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه مناولة، ويقول له: وقفت عليه وهو حديثي أو روايتي عن فلان، فأروه عنه، أو أجزت لك روايته. قال ابن الصلاح: “ومنها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه، فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه ويقول له: وقفت على ما فيه، وهو حديثي عن فلان، أو روايتي عن شيوخي فيه فأروه عني، أو أجزت لك روايته عني”، وهذا قد سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضًا، وقد سبقت حكايتنا في القراءة على الشيخ أنها تسمى عرضًا، فلنسمي ذلك عرض القراءة، وهذا عرض المناولة، والله أعلم. حكم المناولة في الصورة الأولى والثانية: اختلف العلماء في حكم المناولة في الصورة الأولى والثانية، وهذه أقوالهم: القول الأول: ذهب قوم إلى أن المناولة بهذه الطريقة كالسماع في القوة والرتبة، من هؤلاء الإمام الزهري، وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وغيرهم من المدنيين، ومجاهد وابن عيينة في جماعة من المكيين، وعلقمة وإبراهيم النخعي، والشعبي في جماعة من الكوفيين، وقتادة وأبو العالية في طائفة من البصريين، وابن وهب وابن القاسم وأشهب في طائفة من المصريين، وآخرون من الشاميين. القول الثاني: ذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن المناولة بهذه الطريقة أرفع من السماع؛ لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه، وأثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمُسمع. القول الثالث: ذهب قوم من العلماء إلى أن المناولة بهذه الطريقة أقل من السماع والقراءة، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأئمة. وهو قول الثوري والأوزاعي وابن المبارك وأبي حنيفة والشافعي، والبويطي وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. الصورة الثالثة: من صور المناولة المقرونة بالإجازة: أن يناول الشيخ الطالب سماعه، ويجيز له روايته عنه، ثم يمسكه الشيخ عنده ولا يبقه عند الطالب. حكم هذه الصورة: هذه الصورة دون الصورتين السابقتين، وذلك للآتي: عدم احتواء الطالب على ما تحمله، وغيبته عنه، وتجوز روايته عن الشيخ إذا وجد الطالب ذلك الكتاب المناول له مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو وجد فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته ما تناولته الإجازة على ما هو معتبر في الإجازة المجردة عن المناولة، ولا يظهر في هذه المناولة كبير فرق على الإجازة المجردة عن المناولة في معين من الكتب. الصورة الرابعة: من صور المناولة المقرونة بالإجازة: قال ابن الصلاح: “ومنها -أي: من صور المناولة المقرونة بالإجازة- أن يأتي الطالب الشيخ بكتاب أو جزء فيقول: هذا روايتك فناولنيه، وأجز لي روايته، فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه، ويتحقق روايته لجميعه، فهذا لا يجوز ولا يصح، فإن كان الطالب موثوقًا بخبره، ومعرفته؛ جاز الاعتماد عليه في ذلك، وكان ذلك إجازة جائزة كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتماد على الطالب، حتى يكون هو القارئ من الأصل إذا كان موثوقًا به، معرفة ودينًا”. قال الخطيب أبو بكر -رحمه الله تعالى-: “ولو قال حدث بما في هذا الكتاب عني، إن كان من حديثي مع براءتي من الغلط والوهم؛ كان ذلك جائزًا حسنًا، والله أعلم”. القسم الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة: مثال ذلك أن يناول الشيخ الطالب الكتاب مقتصرًا على قوله هذا سماعي، أو من حديثي، ولا يقول له: أجزت لك روايته عني. حكم الرواية بهذه الطريقة: اختلف العلماء في حكم الرواية بهذه الطريقة، قال الإمام النووي: “الضرب الثاني المناولة المجردة عن الإجازة، بأن يناول الشيخ الطالب الكتاب مقتصرًا على قوله هذا سماعي، أو من حديثي، فلا تجوز الرواية بهذه الطريقة على الصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، وعابوا المحدِّثين المجوزِّين لها”. وقال قوم: “إن الرواية بهذه الطريقة صحيحة”. حكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها وأجازوا الرواية بها، قال ابن الصلاح: “إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ بما فيه من المناولة، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية”. قال الحافظ السيوطي: “إن الحديث والأثر السابقان -أي: في الاستدلال على جواز المناولة والرواية بها، وقد سبقا في أول هذا الموضوع- يدلان على ذلك أي: على الجواز؛ لأنه ليس فيهما تصريح بالإذن”. قال الزركشي: “إن ناول الشيخ الطالب الكتاب ولم يخبره أنه من سماعه؛ لا يجوز له أن يرويه عنه بالاتفاق”. صيغ الأداء لمن تحمل بطريق المناولة: الصحيح الذي عليه الجمهور تخصيصها بعبارة مُشعرة بها كحدثنا إجازة، أو مناولة، أو إجازة، أو أخبرنا إجازة، أو مناولة وإجازة، أو إذنًا، أو في إذنه، أو في ما أُذن لي فيه، أو فيما أُطلق لي روايته، أو أجازني، أو ناولني، أو سوَّغ لي أن أروي عنه، وأباح لي، وما أشبه ذلك من العبارات. وجوَّز الزهري ومالك وغيرهما كالحسن البصري إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، قال الحافظ السيوطي: “وهو مقتضى قول من جعلها سماعًا، وحُكي عن أبي نعيم الأصبهاني وغيره جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الإجازة المجردة”. وقد عيب بذلك، لكن حكاه القاضي عياض عن ابن جريج، وحكاه الوليد بن بكر عن مالك وأهل المدينة، وصححه إمام الحرمين، ولا مانع منه، ومن اصطلاح أبي نعيم أن يقول: أخبرنا عبد الله ابن جعفر فيما قُرئ عليه، ويريد بذلك أنه أخبره إجازة، وأن ذلك قُرئ عليه؛ لأنه لم يقل وأنا أسمع، بدليل أنه قد صرح بأنه سمعه بواسطة عنه، وتارة يضم إليه وأذن لي فيه، وهذا اصطلاح له موهم. قال ابن الصلاح: “وخصص قوم الإجازة بعبارات لم يسلموا فيها من التدليس، أو طرف منه، كعبارة من يقول في الإجازة: أخبرنا مشافهة إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظًا، كعبارة من يقول: أخبرنا فلان كتابة، أو في ما كتب إليَّ، أو في كتابه إذا كان قد أجازه بخطِّه”. فهذا وإن تعارفه في ذلك طائفة من المحدِّثين المتأخرين؛ فلا يخلو عن طرف من التدليس لما فيه من الاشتراك والاشتباه، بما إذا كتب إليه ذلك الحديث بعينه. وورد عن الأوزاعي أنه خصص الإجازة بقوله: “خبَّرنا” بالتشديد، والقراءة عليه بقوله: “أخبرنا” واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق “أنبأنا” في الإجازة، وهو الوليد بن بكر صاحب كتاب (الوجازة في الإجازة)، وقد كان أنبأنا عند القوم فيما تقدم بمنزلة أخبرنا، وإلى هذا نحى الحافظ المتقن أبو بكر البيهقي؛ إذ كان يقول: أنبأني فلان إجازة، وفيه أيضًا رعاية لاصطلاح المتأخرين، والله أعلم. قال ابن الصلاح: “وروينا عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ -رحمه الله تعالى- أنه قال: الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري أن يقول فيما عرض على المحدث، فأجاز له روايته شفاهًا: أنبأني فلان. وفيما كتب إليه المحدث ولم يشافهه بالإجازة: كتب إليَّ فلان”. قال: “وروينا عن أبي عمرو بن أبي جعفر بن حمدان النيسابوري قال: سمعت أبي يقول: كل ما قال البخاري: قال لي فلان؛ فهو عرض ومناولة”. قال ابن الصلاح: “وورد عن قوم من الرواة التعبير عن الإجازة بقول: أخبرنا فلان أن فلانًا حدَّثه، أو أخبره، وبلغنا ذلك عن الإمام أبي سليمان الخطابي أنه اختاره أو حكاه، وهذا اصطلاح بعيد عن الإشعار بالإجازة”. وهو فيما إذا سمع منه الإسناد فحسب، وأجاز له ما رواه قريب، فإن كلمة “أنَّ” في قوله أخبرني فلان أن فلانًا أخبره، فيها إشعار بوجود أصل الإخبار، وإن أجمل المخبر به، ولم يذكره تفصيلًا. قال ابن الصلاح: “وكثيرًا ما يعبر الرواة المتأخرون عن الإجازة الواقعة في رواية من فَوْقَ الشيخ المسمع بكلمة “عن”، فيقول أحدهم إذا سمع على شيخ بإجازته عن شيخه: قرأت على فلان عن فلان، وذلك قريب فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخه إن لم يكن سماعًا، فإنه شكَّ، وحرف “عن” مشترك بين السماع والإجازة، صادق عليهما، والله أعلم”. ثم اعلم أن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا في الإجازة لا يزول بإباحة المجيز بذلك، كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم في إجازاتهم لمن يُجيزون له إن شاء قال: حدثنا، وإن شاء قال: أخبرنا، فليعلم ذلك، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

error: النص محمي !!