Top
Image Alt

تابع تاريخ اليهود

  /  تابع تاريخ اليهود

تابع تاريخ اليهود

نتناول في هذا الدَّرْسِ جانبًا من أخلاق اليهود وتاريخهم؛ إنه تاريخ أسود، وأخلاق اليهود مرتبطة بالإفساد في الأرض، وقد عَمَّ هذا الإفساد كلَّ الأجيال؛ لأن اليهود حين قَسَتْ قلوبُهم ووجدوا أحبارًا يمدونهم في الغي، ويبررون لهم كل منكر، أفسدوا في كل مكان نزلوا فيه، وفي كلِّ جيلٍ عاصروه وعايشوه، وفي كلِّ موقفٍ من مواقف الحياة كانوا أداةَ إفسادٍ وتدميرٍ لا تعرف خُلُقًا ولا رحمةً ولا عهدًا ولا ذِمَّةً، حتى وُجِدَ واحد منهم وكبير من كبرائهم يُدعى “أسكار ليفي” اليهودي، قال هذه الكلمة التي تقطر حِقْدًا، وتظهر الحقيقة واضحة، قال: “نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه ومحركي الفتن فيه وجلاديه”.

والقرآن العظيم يقرر عنهم هذه الحقيقة الإجرامية بشتى الأساليب، فيقول سبحانه آمرًا نبيه والمؤمنين مناقشة اليهود بحساب، وكاشفًا لهم مخازيهم وجرائمهم: {قُلْ يَـَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنّآ إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59].

فَسِرُّ النقمةِ اليهوديةِ هو الإيمان بالله ورِسَالاتِهِ، وتستمر الآيات فَتُذَكِّرُنَا بمواقف هي شرٌّ من ذلك، أي: شرٌّ من بغض اليهود لأهل الإيمان {قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُوْلَـَئِكَ شَرّ مّكَاناً وَأَضَلّ عَن سَوَآءِ السّبِيلِ} [المائدة: 60].

ثم تبرز إحدى الخصائص التدميرية التي يستعملها اليهود في إفساد العقائد وتدمير الأخلاق؛ ألا وهي صفة النفاق {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنّا وَقَدْ دّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} [المائدة: 61].

ثم تأتي الآية الكريمة بعدها فَتُسَجل عليهم تهافتهم في التخريب والاعتداء وأكل الحرام في أبشع صوره {وَتَرَىَ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62].

ولقد كان الصالحون منهم قلة يضيع صوتهم في جنبة المنكر {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرّبّانِيّونَ وَالأحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63].

ثم تأتي ختام الآيات الكريمة تذكر أشنع شنعاتهم في العقائد وتردها عليهم، وتسجل عليهم جملة من خصال السوء الجديرة بالتأمل الواعي لمن أراد فهم هذه النفسية الحاقدة، ورغب في إتقان التعامل معهم بما هم له أهل على ضوء حقائق الوحي الأعلى.

وأول هذه الخصال: أن الحقَّ لا يُزيدهم إلا طغيانًا وكفرًا فهم أعداء الحق دائمًا.

وثانيها: أن قلوبهم تفور بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.

وثالثها: أنهم وُقَّاْدُ الفتنِ والحروبِ بين الناسِ.

ورابعها: أنهم يَجِدُّوْنَ ويُجَدِّدُوْنَ دائمًا في إفساد الأرض كلها.

وخامسها: أن اللهَ تعالى لهم بالمرصاد؛ لأنه لا يُحب المفسدين ولا الفساد لذلك قال هنا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مّنْهُم مّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].

وفي القرآن العظيم آياتٌ كثيرة يسرد فيها سلسلة مآسيهم المفزعة على عصورهم المختلفة مرتبطة بوقائع تاريخية محددة تكشف ألوانًا وضروبًا من الإفساد الرهيب الذي عليه اليهود؛ ومن ذلك قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مّنَ السّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَاْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمّ اتّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىَ سُلْطَاناً مّبِيناً (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 153، 154].

فماذا صنع اليهود بعد العفو من الله والآيات والمواثيق، يُتابع القرآنُ سَرْدَ فواجعهم {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىَ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} [النساء: 155- 157]، ثم تختم الآيات {فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 160، 161].

أي أمة في التاريخ كله تبلغ في النكارة والإفك مبلغ هؤلاء اليهود؟! وقد سجل القرآن الكريم خمس عشرة نقيصة من أخبث كبائر الإثم والفواحش، سجلها عليهم في موضع واحد، وتلك الخسائس التي لا تزال من أبرز سمات اليهود المعاصرين تخطيطًا وسلوكًا وتعاملًا بين الناس؛ هكذا أخلاق اليهود، فقد جبلوا على الاستهانة بالأخلاق والحرمات والشرائع، وأوغلوا في ذلك إيغالًا رهيبًا حتى صاروا أئمته بلا منازع متفردين بين الناس قديمًا وحديثًا على السواء بغير مدافع؛ لذلك يعبر القرآن الكريم عن خطايا بني إسرائيل بصيغ المبالغة؛ قال تعالى مثلًا: {سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسّحْتِ} [المائدة: 42].

ومع هذه المبالغة المظلمة تجدهم خفاف إلى الإثم طيارين إليه، كلما لاحت لهم بَوَارِقُهُ وكأنهم لا يشبعون ولا يَمِلُّوْن {وَتَرَىَ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ} [المائدة: 62].

إننا نستطيع القول بلا أدنى مغالاة ولا تعصب: إنه ما من موبقة من الكبائر والفواحش إلا وقد شاعت في بني إسرائيل، بل كانوا يسارعون في ذلك ويتهافتون عليه كما سجل القرآن ذلك عليهم بأسلوب المبالغة، هذا فضلًا عن تحايلهم على استحلال محارم الله عز وجل كما أشار القرآن إلى هذا بقوله سبحانه: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163].

اليهود أمة لا أمانة لها ولا خلق؛ ولذلك ندد القرآن الكريم بأضاليلهم التي جعلوها دينا وسطروها في تلمودهم الحقود وقاموا بتنفيذها: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاّ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ إِلاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمّيّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75].

فالقرآن هنا ينصف كعادته ويقرر أن اليهود منهم الأمين على القول بأن هذه الآية نزلت في اليهود فقط؛ ولكن قيل إن قوله تعالى: {يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} جاءت في النصارى، وإن قوله تعالى: {لاّ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ إِلاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} جاءت في اليهود.

والناظر في التلمود عند اليهود يدرك أسرار هذا الأمر واضحًا وتلك الجرائم، ذلك أن منهم الخائن الذي يجحد أمانته؛ إلا إذا قام صاحبها على رأس اليهودي مُلِحًّا ومُطالبًا، هذا الصنف موجود في كل الأمم فلماذا خصص اليهود به؟ ما سر تخصيص اليهود هنا؟

يكشف القرآن العظيم هذا السر الذي يمثل أفظع جنايات اليهود، والذي انفردوا به من دون الناس أنهم جعلوا الجرائم قربات والمفاسد عبادات، وإن لم يكن من ضروب التقوى فهي على أقل الأحوال حلال؛ لذلك ذكر القرآن الحكمة فيما يفعلونه مع غيرهم بهذه القاعدة اليهودية {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمّيّينَ سَبِيلٌ}، ويتبعها بما يُبرئ ساحة الوحي من هذا الدنس {وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ}، والإصرار على استخدام الإيمان كذبًا مع الآخرين هو من صُلب تعاليم التلمود الحقود.

لذلك بالغت الآية الثالثة بعد هذه في استنكار الأمرين وتوعدت عليهما بأقصى العقوبات من الله تعالى: {أُوْلَـَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77].

وتأتي الرابعة فتطرق على رأس الأفعى من أحبار السوء الذين اختلقوا هذه التعاليم ونسبوها زيفًا لرب العالمين: {وَإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].

وقد ذكر الله عز وجل كل شنائع اليهود، إصرارهم على الكفر، ولم يَكْتَفي اليهود بهذا، بل دعوا الناس إلى الكفر، فقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىَ عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النّصَارَىَ حَتّىَ تَتّبِعَ مِلّتَهُمْ} [البقرة: 120]، ويستبين الحق واضحًا ناصعًا لهم، ولكنهم لا يتبعونه، فقال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلّ آيَةٍ مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ (145) الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 145- 147].

بل هم لا يكتفون بهذا، ولكنهم يجاهدون باطلًا لردة الناس عن دينهم {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217] نعم وبكل ما أتوا كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلّواْ السّبِيلَ} [النساء: 44].

وعداء اليهود لغيرهم عامة وللمسلمين خاصة واضحًا وضوح الشمس في جلاء النهار؛ لا سيما الشماتة والإيذاء والنفاق والإجرام، يقول الله عز وجل في هذا المعنى حول الشماتة والأذى: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلّواْ وّهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50]، وقال تعالى: {وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لّكُمْ} [التوبة: 61].

ويقول الحق عز وجل في نفاق اليهود: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67].

إن اليهود لم يتركوا سبيلًا لإضلال المؤمنين إلا سلكوه حتى ولو كان بناء مسجد {وَالّذِينَ اتّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَىَ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107]. نعم، ويتبجحون بالكذب ويقسمون على ذلك {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتّخَذُوَاْ أَيْمَانَهُمْ جُنّةً فَصَدّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1، 2]، وقد وصفهم الله في كتابه العزيز بالسفهاء: {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، بل وصفهم بأنهم شياطين {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14].

ووصف أحبارهم أحبار السوء بأنهم حيوانات، وصفهم بوصف الدواب: {إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِندَ اللّهِ الّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55]، ومن هذه الدواب: {مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} [الجمعة: 5].

ويقول الحقعز وجل عن زعم اليهود الخطير {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18].

وهذا برهان ساطع يبطل كل قول بالبنوة أو المحبة الخاصة، فإن أحدًا لم يذق عذابًا كعذابهم؛ لأن أحدًا لم يذنب كذنوبهم، ويرد القرآن عليهم: {قُلْ يَأَيّهَا الّذِينَ هَادُوَاْ إِن زَعمْتُمْ أَنّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلاَ يَتَمَنّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدّمَتْ أَيْديهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ} [الجمعة: 6، 7].

فالقرآن يرد على هذا الزعم، وصار اليهود شعبًا ملعونًا، وسقطت راية الشعب المختار، صحيح أنْ اختارهم الله عز وجل شعبًا في وقت من الأوقات، وقت أن حملوا الرسالة وفضلهم بذلك على العالمين في زمانهم، ولم يكن هذا الاختيار بسبب عنصر أو عرق أو نوع أو لون أو سلالة خاصة من هذه الدعوى الجاهلية والأباطيل البشرية؛ إنما بسبب أنهم كلفوا واختبروا فنجحوا بعض الوقت فلما نجحوا كانوا شعبًا مختارًا، ولما كفروا صاروا ملعونين، والله عز وجل ذكر الحكمة من اختيارهم، وذلك في اختبارهم في قوله تعالى: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىَ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُم مّنَ الاَيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مّبِينٌ} [الدخان:32، 33].

اختبروا فسقطوا سقوطًا شنيعًا ذريعًا تفردوا به بين العالمين أجمعين حين حَرَّفُوا دِينَ الله وَزَيَّفُوا معالم الوحي، وعَصَوا الله ورسله واعتدوا فسلبوا شرف حمل الرسالة، وغضب الله عز وجل عليهم غضبا أبديًّا ولعنهم لعنًا عارمًا، باعترافٍ من كُتبهم الدينية ذاتها في عهودهم المتتابعة، وعلى ألسنة كبار أنبيائهم وصالحيهم قرر القرآن الكريم هذه حقيقة واضحة وأكدها وكررها حين تحدث عن بني إسرائيل، ومن ذلك: {لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79]، ولم تكن اللعنة فحسب بل {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61].

وأكد القرآن هذا المعنى وأضاف إليه حقائق جديدة حين قال: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوَاْ إِلاّ بِحَبْلٍ مّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مّنَ النّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112].

والقرآن الكريم حين يحدثك عن اليهود، فهو يحدثك عن وحدة نفسية وتماثل النقائص؛ فاليهود بما ذكر عنهم لم تكن هذه الصفات منحصرة في زمان ولا مخصوصة بقوم، إنما هي عامة في الأجيال من الأصول إلى الفروع؛ ولذلك كان القرآن الكريم يعاتب الخلف بما فعله السلف منهم، يعاتب أخلاف اليهود بأسلافهم {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91].

إن المتأمل في حديث القرآن الكريم عن بني إسرائيل يجد فيه ظاهرة عجيبة غير معهودة في الخطاب، ولا مألوفة في العتاب أو الحساب أو العقاب لغير هؤلاء اليهود حين يخاطب الأخلاف منهم بذنوب الأسلاف، ويحاسب الحاضرين عن سفهات الغابرين، ويحكم على أجيالهم حتى المقبلة منهم بأدوات الحصر والعموم، ويدمغهم جميعًا باللعنة والغضب، ويؤذنهم من قديم بأن الله سيبعث عليهم سوء العذاب إلى يوم القيامة إلا القلة الصالحة؛ وفي ذلك يقول القرآن الكريم: {الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مّن قَبْلِي بِالْبَيّنَاتِ وَبِالّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183].

فالآية تحكي مقالة يهود المدينة وتسند مجيء الرسل السابقين وقتلهم إلى هؤلاء اليهود، على الرغم مما بينهم من مئات السنين ومئات الأميال، فيقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91]، إن ها هنا نفسية واحدة متماثلة الخصائص والنقائص يتوجه إليها الخطاب والحساب على درجة واحدة، بل يأتي الحكم عليها عامًّا مطردًا دون النظر إلى الزمان والمكان والأجيال؛ وفي هذا يقول الكبير المتعال: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].

وربما تفاوتت أجيالهم في درجة السوء على قاعدة “بعض الشر أهون من بعض”، لكنهم جميعًا يطردون على الأصل، ويدورون حول محور واحد من الضلالة والبهتان على نحو ما قرره القرآن {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مّنَ السّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَاْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153]، فالسائلون هنا هم يهود المدينة، والقرآن يخاطبهم حين يطردون على داء قومهم القديم من عهد موسى حين سأله أجدادهم رؤية الله تعالى جهرًا، ولهذا التماثل النفسي في أصل الداء تسند الآية سؤال موسى عليه السلام للضمير العائد إلى أهل الكتاب الذين سألوا محمدًا صلى الله عليه  وسلم رغم الفجوة الزمانية الهائلة بين العهدين، والسبب في تعميم الحكم على اليهود أنهم يشكلون أمة واحدة متماثلة النقائص النفسية والخلقية تفيض لؤمًا وغدرًا، وتدفع كيدًا وحقدًا، وتتمادى طغيانًا وكفرًا، إنه طابع واحد ولون ثابت من فساد العقيدة وضلال التربية وانحراف السلوك وتحريف الوحي الإلهي، ونسبة الشعائر والشرائع إليه افتراء.

لقد جاء يهودي من يهود المدينة يُدْعَى رافع بن حريملة، مولود في يثرب بعد جيل موسى عليه السلام بنحو ألفي سنة؛ ليقول للنبي صلى الله عليه  وسلم: “يا محمد إن كنت رسول من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه”، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيّنّا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118].

فهذا كلام شنيع يتكرر منهم في أجيالهم المختلفة كما يقول القرآن العظيم، والسر في هذا تحمله الجملة القرآنية البالغة غاية الإعجاز والإيجاز {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}، وفي هذا أصل الجواب وفصل الخطاب في تشخيص داء بني إسرائيل الرهيب، إنهم أمة واحدة في العوج والالتواء وهم الضلالة على كلمة سواء تشابهت قلوبهم كفرًا بالله رب العالمين، وتكذيبًا لعباده المرسلين وتحريفًا للوحي والدين، ويأسًا من الآخرة، ورضًا بالحياة الدنيا وعبادة للملذات والنزوات، واستعارًا بالشهوات والشبهات وامتلاء بالغل والأحقاد، واحترافًا للتزييف والإفساد ونشر الظلم والاستبداد.

ولا تُعرف على مدى التاريخ قديمه وحديثه أمةٌ فيها كل هذه الرذائل التي صَوَّرَهَا القرآن الكريم حين سجل عليهم الكثير من الأخلاق السيئة والعقائد الفاسدة والطباع القبيحة والمسالك الخبيثة، فلقد وصفهم القرآن بالكفر، والجحود، ونقض العهود، والأنانية، والغرور، والجبن، والكذب، واللجاج، والمخادعة، والعصيان، والتعدي، وقسوة القلب، وانحراف الطبع، والمسارعة في الإثم والعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل، وسوء أدبهم مع الله، وعداوتهم لملائكته، وقتلهم لأنبيائه، وجحودهم الحق، وكراهيتهم الخير بدافع الأنانية والحسد مع تحايلهم على استحلال محارم الله، ونبذهم لكتاب الله واتباعهم للسحر والأوهام الشيطانية، وتحريفهم للكلمة عن مواضعه، ونسيانهم حظ مما ذُكِّرُوا به مع حرصهم على الحياة، وجبنهم عن الجهاد في سبيل الله، وطلبهم من نبيهم أن يجعل لهم إلهًا كما لغيرهم آلهة مع عكوفهم على عبادة العجل، وتنطعهم في الدين وإلحافهم في المسائلة ومجادلتهم في الحق؛ إلى غير ذلك من هذه الرذائل التي دمغهم القرآن الكريم بها وسجلها عليهم.

كل هذه الرزائل سطرها القرآن ليحذر المؤمنين من شرور اليهود وقبائحهم مهما ادعوا أنهم ليس عليهم في الأميين من سبيل، ومهما زعموا أنهم سيغفر لهم.

إن اليهود لهم دعاوى باطلة كثيرة حكاها القرآن عنهم وَرَدَّ عليهم بما يخرص ألسنتهم، ويبطل حُجَّتَهم ويقطع دابر إفكهم؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

إن القرآن الكريم أشار إلى هذه الدعاءات وإلى هذه المزاعم وهي ثابتة في تاريخهم يشير إليها بإشارات مختصرة؛ ليكون ذلك عبرة لأولي الأبصار.

إن الله سبحانه أنعم على اليهود بنعم عظيمة في كثير من الأحيان وفي سالف الزمان؛ حتى فضلهم على العالمين في زمانهم وآتاهم من الآيات البينات، وأنجاهم من آل فرعون، وفرق بهم البحر، وآتى موسى الكتاب والفرقان، وأنزل على بني إسرائيل المَنَّ والسلوى، وأحياهم بعد أن أماتهم، وسقاهم من الحَجَرِ ورزقهم ما طلبوا من الطعام؛ ومع كل هذه النعم وهذا طرف منها قابلها اليهود بالجحود والعناد، وأعلمهم الله عز وجل: {وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]. 

ومع ذلك آثر اليهود الكفرَ على الشُّكْرِ والجُحُوْدَ على الرضا، والأدنى عن الذي هو خير، فجحدوا النعمة وكفروا بالمنعم سبحانه وتعالى واتصفوا بسوء الأدب، وحمق التفكير، وهوان النفس، وبلادة الطبع، وبطر الحق، والبغي على أنفسهم وغيرهم؛ فعاقبهم الله عز وجل على جحودهم بما يستحقون جزاء وفاقًا، فانتقم منهم وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون؛ فحين بَدَّلَ الذين ظلموا قولًا غير الذي قِيل لهم أنزل الله عليهم الرجز من السماء بما كانوا يفسقون، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، وزادهم غضب على غضب {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىَ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مّهِينٌ} [البقرة: 90]، وقال لهم: كونوا قردة خاسئين، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ولعنهم على لسان أنبيائهم ورسلهم؛ خاصة على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وَحَرَّمَ عليهم الكثير من الطيبات كما قال: {فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 160، 161].

كما قال تعالى: {وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا كُلّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146].

وقد حكم الله عز وجل بعذابهم، وسَلَّطَ عليهم مَنْ يسومهم سوء العذاب ويمزقهم شر ممزق، لماذا؟ {فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) فَلَماّ عَتَوْاْ عَن مّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكَ لَيَبْعَثَنّ عَلَيْهِمْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ إِنّ رَبّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنّهُ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ (167) وَقَطّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَماً مّنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 165- 168].

هكذا كان تعاملهم مع نعم الله وعقاب الله عز وجل لهم، هذا هو الحق الذي أخبر به القرآن عن أخلاق اليهود على مدى تاريخهم، هذا الإخبار كما قال ربنا سبحانه: {إِنّ هَـَذَا الْقُرْآنَ يَقُصّ عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76]، وإذا كان اليهود قد دأبوا على اتهام غيرهم والتعصب معهم؛ لأنهم قوم بهت، فإن ذلك لا يصح بالنسبة لنا نحن المسلمين بعدما شَرَّفَنَا اللهُ تعالى بالقرآنِ، وجعله لنا نورًا نمشي به في الناس وتبيانًا لكل شيء، خاصة في حديثه عن اليهود وإخباره عنهم؛ فقد جاء القرآن العظيم بتلك الحقائق والتفصيلات الشاملة في هذا الباب حول أخلاق اليهود ومكنونات النفسية اليهودية حتى بلغ أغوارها الفكرية، وعرى أخلاقهم الرهيبة ومسائلهم الدنيئة ونوعيتهم المفرطة في التعقيد والالتواء المتشابهة في السوء عبر الأجيال، وقد رسم القرآن الكريم السبلَ الناهضة لعلاجهم، وإبطال دسائسهم، وحدد الدواء الناجع لدائهم الوبيل.

ومن هنا نجد القرآن الكريم وهو يذكر هذه الأخلاق عن بني إسرائيل لا يغفل أهل الحق منهم، فيثني عليهم ثناءً عظيمًا يبلغ بهم الذروة الشاهقة من الرضا والتقدير حين تقرأ قوله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]، وحين تقرأ قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، لكن في معظم الأحيان يتحدث عن غالبيتهم ويحمل عليهم حملة رهيبة مليئة بالتقريع والتنديد والذم والتوبيخ، فينصبهم القرآن أُمْثُوْلَةً للدهر والتاريخ كله في الشقاق، والنفاق، والالتواء، والمراء، والغدر، والكفر.

error: النص محمي !!