Top
Image Alt

تابع ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى وحكمها

  /  تابع ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى وحكمها

تابع ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى وحكمها

1. الحكم على هذه الترجمة بالاستحالة الشرعية:

بعد أن تقرر أن ترجمة القرآن الكريم بهذا المعنى العرفي من قبيل المستحيل العادي لا نتردد هنا في أن نقرر أيضًا أنها من قبيل المستحيل الشرعي، أي: المحظور الذي حرمه الله، وذلك من وجوه ثمانية:

الوجه الأول:

أن طلب المستحيل العادي حرَّمه الإسلام أي كان هذا الطلب ولو بطريق الدعاء وأيًّا كان هذا المستحيل ترجمة أو غير ترجمة؛ لأنه ضرب من العبث وتضييع للوقت والمجهود في غير طائل والله تبارك وتعالى يقول: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا ضرر ولا ضرار)).

يضاف إلى ذلك أن طلب المستحيل العادي غفلةٌ أو جهلٌ بسنن الله الكونية وبحكمته في ربط الأسباب بمسبباتها العادية، وهذا من رحمة الله -تبارك وتعالى- بعباده، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مّا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ} [الحج: 65] ولقد يُعْذَرُ بعضُ الجهلة، إذا ظنوا أن بعض المحاولات أمورٌ ممكنة فطلبوها، ولكنَّ الذي يحاول ترجمة القرآن بهذا المعنى لا يعذر بحال؛ لأن القرآنَ الكريم نفسه أعذر حين أنذر لا يمكن أن يأتي الجن والأنس بمثله وإنْ اجتمعوا له، وكان بعضهم لبعض ظهيرًا.

الوجه الثاني:

إن محاولة هذه الترجمة فيها ادِّعَاء عمل لإمكان وجود مثل أو أمثال للقرآن، وذلك تكذيب شنيع لصريح الآية السابقة، ولقول الحق -تبارك وتعالى-: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـَذَآ أَوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لّوْ شَآءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 15، 16] فإن المتأمل في هاتين الآيتين يجد فيهما وجوهًا دالةً على التحريم، حيث عنون الله عن طلاب التبديل بأنهم لا يرجون لقاءه، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينفي نفيًا عامًّا إن كان تبديله من تلقاء نفسه، كما أمره أن يعلن أن اتباعه مقصور على ما يوحى إليه نسخًا أو إحكامًا.

ومعنى هذا: أن التبديل هوًى من الأهواء الباطلة، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتبع أهواءهم ولا هوى نفسه ولا هوى أحد، قال الله -تبارك وتعالى- عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 3، 4] وفي ختام الآية الأولى إشارة إلى أن هذه المحاولة التي يحاولونها عصيان، وأنه يُخَاف منها عذاب يوم عظيم، وهي: {إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

وفي الآية الثانية: إعلام بأن القرآن الكريم من محضِ فضلِ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى الذي تفضل به على النبي صلى الله عليه وسلم وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يستطيع تلاوته عليهم، ولَا كان الله يعلمهم به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لولا مشيئة الله وإيحاؤه به، ثم حاكمهم إلى الواقع، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم نشأ بينهم وعاش عمر طويلًا فيهم حتى عرفوا حديثه وأسلوبه، وأنه مهما حَلَّقَ في سماء البلاغة فبينه وبين حديث القرآن وأسلوبه بُعْدَ ما بين مكانة الخالق وأفضل الخلق، وأنه ما كان ينبغي أن يفتري الكذب على الله، ويدَّعِي أنه أوحي إليه ولم يوحَ إليه، على حين أنه معروفٌ بينهم بأنه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم فما كان ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله.

ثم أعلن القرآن أخيرًا: أن هذا الطلب إهمالٌ منهم لمقتضى العقل والنظر وانحطاط إلى دركة الحيوان والحجر؛ إذ قال لهم في ختام الآية الثانية: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، وإذا كان هذا مبلغ نعي القرآن على طلابِ بدلٍ للقرآنِ أو مثيلٍ له من الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو أفصحُ الناس لسانًا وبيانًا، وأعلمهم بمعاني القرآن ومقاصده، وأعرفهم بأسرار الإسلام وروح تشريعه، فما بالك بطلاب هذه الترجمة والساعين إليها ممن هم أقل شأنًا من الرسول صلى الله عليه وسلم مهما قيل في علمهم وفضلهم وجلالة قدرِهِم.

الوجه الثالث:

أن محاولة هذه الترجمة تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب ربهم، مكتفين ببدلٍ أو إبدالٍ يزعمون ترجمات له، وإذا امتد الزمان بهذه الترجمات فسيذهب عنها اسم الترجمة، ويبقى اسم القرآن وحده عَلَمًا عليها، ويقولون: هذا قرآن بالإنجليزية، وذاك قرآن بالفرنسية وهكذا، ثم يحذفون هذا المتعلق بعد، ويجتزئون بإطلاق لفظ القرآن على الترجمة، ومن كان في شكٍّ من ذلك فليسأل متعارف الأمم فيما بين أيديهم من ترجمات، وما لنا نذهب بعيدًا فلنسائل أنفسنا نحن: ما بالنا نقول بملء فَمِنَا: هذه رواية “ماجدولين” لترجمتها العربية، والأصل فرنسي، وهذا إنجيل برنابا أو يوحنا لترجمتهما العربية والأصل عبري… إلى غير ذلك من إطلاقاتنا الكثيرة على ترجمات شتى في الدين والعلم والأدب والقوانين والوثائق ونحوها.

وهاك شاهدًا أبلغ من ذلك كله، جاء في ملحق لمجلة الأزهر: أن أهالي “جاوه” المسلمين يقرءون الترجمة الإفرنجية، وَيُقْرِئُوهَا أولادهم، ويعتقدون أن ما يقرءون هو القرآن الصحيح، انتهى ما ذكروه، فقل لي بربك: ما الذي يمنع كل قطر من الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية إذًا أن يكون لها قرآن من هذا الطراز، لو ذهبنا إلى القول بجواز لهذه الترجمة، وهل تشك بعد ذلك في حُرْمَةِ كلِّ ما يؤدي إلى صرف الناس عن كتاب الله، وإلى تفرقهم عنه وضلالهم في مسماه.

الوجه الرابع:

أننا لو جوزنا هذه الترجمة، ووصل الأمر إلى حدِّ أَنْ يستغنيَ الناسُ عن القرآن بترجماتِهِ؛ لتَعَرَّضَ الأصل العربي للضياع، كما ضاع الأصل العبري للتوراة والإنجيل، وضياع الأصل العربي نكبة كبرى تغري النفوس على التلاعب بدين الله تبديلًا وتغييرًا، ما دام شاهدُ الحقِّ قد ضاع، ونور الله قد انطفأ، والمهيمن على هذه الترجمات قد زال، لا قدر الله، ولا ريب أن كل ما يعرض الدين للتغير والتبديل وكل ما يعرض القرآن للإهمال والضياع حرامٌ بإجماع المسلمين.

الوجه الخامس:

أننا إذا فتحنا باب الترجمات الضالة، تزاحَمَ الناس عليها بالمناكب، وعملت كل أمة وكل طائفة على أن تترجم القرآن في زعمها بلغتها الرسمية والعامية، ونجم عن ذلك ترجمات كثيرات لا عِدَادَ لها، وهي بلا شك مختلفة فيما بينها؛ فينشأ عن ذلك الاختلاف في الترجمات خلاف حتمي بين المسلمين أشبه باختلاف اليهود والنصارى في التوراةِ والإنجيلِ، وهذا الخلاف بلا شك يُصَدِّعُ بناء المسلمين، ويفرق شملهم، ويهيئ لأعدائهم فرصة للنيل منهم، ويوقظ بينهم فتنة عمياء كقطع الليل المظلم، فيقول هؤلاء لأولئك: قرآننا خير من قرآنكم، ويرد أولئك على هؤلاء تارة بسب اللسان وأخرى بحد الحسام، ويخرون ضحايا هذه الترجمات بعد أن كانوا بالأمس إخوانًا، يوحد بينهم القرآن، ويُؤلِّفُ بينهم الإسلام، وهذه الفتنة لا أذن بها الله أشبه، بل هي أشد من الفتنة التي أوجس خيفةً منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأمر بسببها أن تحرق جميع المصاحف الفردية، وأن يجتمع المسلمون على تلك المصاحف العثمانية الاجتماعية.

الوجه السادس:

أن قيام هذه الترجمات الآثمة يُذْهِبُ بمقومٍ كبير من مقومات وجود المسلمين الاجتماعي كأمةٍ عزيزة الجناب قوية الإسناد؛ ذلك أنهم سيقنعون غدًا بهذه الترجمات، ومتى قنعوا بها فيستغنون لا محالة عن لغة الأصل وعلومها وآدابها، وأنت تعلم والتاريخ يشهد أنها رباط من أقوى الروابط فيما بينها، وكان لهذا الرابط أثره الفعال العظيم في تدعيم وحدة الأمة وبنائها حين كانوا يقرءون القرآن نفسه، ويدرسون من أجله علوم لغته العربية وآدابها؛ تذرعًا إلى حسن أدائه وفهمه حتى خدموا هذه العلوم، ونبغوا فيها، ولمع في سمائها رجال من الأعاجم بزُّوا كثيرًا من أعلام العرب في خدمتها وخدمة كتاب الله وعلومه بها، وبهذا قامت اللغة العربية لسانًا عامًّا للمسلمين، ورابطًا مشتركًا بينهم على اختلاف أجناسهم ولغاتهم الإقليمية، بل ذابت كثير من اللغات الإقليمية، في هذه اللغة الجديدة لغة القرآن الكريم.

وإن كنت في ريب من ذلك، فسائل التاريخ عن وحدة المسلمين وعزتهم يوم كانت اللغة العربية صاحبة الدولة والسلطان في الأقطار الإسلامية شرقية وغربية، عربية وأعجمية يوم كانت لغة التخاطب بينهم، ولغة المراسلات، ولغة الآذان والإقامة والصلوات، ولغة الخطابة في الجُمَعِ والأعيادِ، والجيوش والحفلات، ولغة المكاتبات الرسمية بين خلفاء المسلمين وأمرائهم، وقوادهم وجنودهم، ولغة مدارسهم ومساجدهم وكتبهم ودواوينهم، عندما كانت اللغة كذلك كانت عزة المسلمين ووحدةُ المسلمين أقوى سبيلًا. وأشد من اليوم الحاضر بكثير.

ونحن في هذا العصر الذي زاحمتنا فيه اللغات الأجنبية، وصارت حربًا على لغتنا العربية حتى تبلبلت ألسنتا وألسنة أبنائنا وخاصتنا وعامتنا يتأكد علينا اليوم أمام هذا الغزو اللغوي الجائح أن نحشد قوانا لحماية لغتنا، والدفاع عن وسائل بقائها وانتشارها، وفي مقدمة هذه الوسائل إبقاء القرآن على عربيته، والضرب على أيدي العاملين على ترجمته. وما أشبه هؤلاء بالمفتونين أمة موسى حين جاوز الله بهم البحر، وأتوا على قوم يعكفون على أصنامًا لهم: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيَ إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىَ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىَ أَصْنَامٍ لّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَىَ اجْعَلْ لّنَآ إِلَـَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنّ هَـَؤُلآءِ مُتَبّرٌ مّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138، 139].

جاء في كتاب (الرسالة) للشافعي ما خلاصته: إنه يجب على العرب أن يكونوا تابعين للسان العرب، وهو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجب أن يكونوا تابعين له دينًا، وأن الله تعالى قضى أن يُنْذَرُوا بلسان العرب خاصة، ثم قال: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأُمِرَ به من التسبيح والتشهد، وغير ذلك، وأمر به من التكبير والتسبيح والتشهد وغير ذلك، وكلما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسانًا من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه كان خيرًا له.

وجاء في كتاب (الرسالة) أيضًا: أن المسور بن مخرمة رأى رجلًا أعجميَّ اللسان أراد أن يتقدم للصلاة، فمنعه المسور بن مخرمة وقدَّمَ غيره، فلما سأله عمر في ذلك، قال له: إن الرجل كان أعجميَّ اللسان، وكان في الحج فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته، فقال له عمر: أصبت. وقال الشافعي: لقد أحببت ذلك، قال في (الكشاف): الأعجمي من لا يُفْهَمُ كلامه للكنته أو لغرابة لغته، فجاز أن يكون لسانه ألكن، أو أن تكون لغته غريبة.

الوجه السابع:

أن الأمة أجمعت، على عدم جواز رواية القرآن بالمعنى، وأنت خبير بترجمة القرآن بهذا المعنى العرفي تساوي روايته بالمعنى، فكلتاهما صيغة مستقلة وافية بجميع معاني الأصل ومقاصده لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية، فروايته بالمعنى لغتها لغة الأصل، وهذه الترجمة لغتها غير لغة الأصل، وعلى هذا يقال: إذا كانت رواية القرآن بالمعنى في كلامٍ عربيٍّ ممنوعة إجماعًا فهذه الترجمة ممنوعة كذلك؛ قياسًا على هذا المجمع عليه، بل هي أَحْرَى بالمنع للاختلاف بين لغتِهَا ولغة الأصل.

الوجه الثامن:

أن الناس جميعًا مسلمين وغير مسلمين تواضعوا على أن الأعلام لا يمكن ترجمتها سواء أكانت موضوعةً لأشخاصٍ من بني الإنسان أم لأفراد من الحيوان أم لبلاد وأقاليم أم لكتب ومؤلفات، حتى إذا وقع عَلَمٌ من هذه الأعلام أثناء ترجمة ما ألفيته هو هو ثابتًا لا يتغير، عزيزًا لا ينال متمتعًا بحصانته العلمية، لا تجزئه الترجمة شيئًا، ولا تنال منه منالًا، وما ذاك إلا لأن واضعي هذه الأعلام قصدوا ألفاظها بذاتها، واختاروها دون سواها، الدالة على مسمياتها، فكذلك القرآن الكريم علم رباني قصد الله سبحانه ألفاظه دون غيرها وأساليبه دون سواها؛ لتدل على هداياتها، ليؤيد بها رسوله صلى الله عليه وسلم وليتعبد الله -تبارك وتعالى- بتلاوتها عباده، وكان سبحانه حكيمًا في هذا التخصيص والاختيار لمكان الفضل والامتياز في هذه الأساليب والألفاظ المختارة.

ومن تفقَّه في أساليبِ اللغة العربية، وعرف أن لخفة الألفاظ على الأسماع مدخلًا في فصاحة الكلام وبلاغته؛ أيقن أن القرآن فَذُّ الأفذاذِ في بابه وعَلَمُ الأعلامِ في بيانه؛ لأن ما فيه من الأساليب البلاغية أمر فاق كل فوق وخرج عن كل طوق قال تعالى: {وَلَوْ أَنّ قُرْآناً سُيّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ الْمَوْتَىَ بَل للّهِ الأمْرُ جَمِيعاً} [الرعد:31] فَأَنَّا لمخلوقٍ بعد هذا أن يحاكيه بترجمة مساوية أو مماثلة، سبحانك هذا بهتان عظيم.  

فهذه أوجه ثمانية بينت بها أن ترجمة القرآن الكريم بمعنى نقل ألفاظه إلى لغة أخرى مستحيل أيضًا من الناحية الشرعية.

2. دفع الشبهات الواردة على منع هذه الترجمة: 

ذكر بعض الناس بعض الشبهات حول منع هذه الترجمة، سأذكر بعضًا من هذه الشبهات ثم أجيب عليها وأدفعها، إن شاء الله تبارك وتعالى.

الشبهة الأولى:

قالوا فيها: إن تبليغ هداية القرآن إلى الأمم الأجنبية واجبٌ لما هو معروف من أن الدعوة إلى الإسلام عامة لا تختص بجيل ولا بقبيل، وهذا التبليغ الواجب يتوقف على ترجمة القرآن لغير العرب بلغتهم؛ لأنهم لا يحذقون لغة العرب بينما القرآن عربي، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.

دفع هذه الشبهة:

هكذا ذكَروا في الشبهة الأولى لقصدهم من ذلك أن تباح هذه الترجمة التي بينت منعها وأنها مستحيلة من الناحية العادية ومن الناحية الشرعية؛ ولذلك لابد أن أجيب عن هذه الشبهة فأقول:

أولًا: إن هذه التبليغ لا يتوقف على ترجمة القرآن لهم تلك الترجمة العرفية الممنوعة، بل يمكن أن يحصل بترجمته على المعنى اللغوي السالف، وهو تفسير بغير لغته على ما بينته سابقًا، ويمكن أن يكون تبليغهم هداية القرآن وتعاليمه، ومحاسن الإسلام ومزاياه، ودفع الشبهات التي تعترضهم في ذلك إما بمحادثات شفهية وإما بمؤلفات على شكل رسائل تنشر أو مجلات تذاع أو كتب تطبع، يختار الداعي من ذلك ما هو أنسب بحال المدعوين وما هو أيسر له وأنجح لدعوته فيهم.

ثانيًا: أن الله تعالى لم يكلفنا بالمستحيل، قال تعالى: {لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقد أشبعت القول فيما مضى في بيان استحالة ترجمة القرآن بذلك المعنى العرفي استحالة عادية فواضح ألا يكلفنا الله إياها.

ثالثًا: أن القول بوجوب هذه الترجمة يستلزم المحال، وهو التناقض في أحكام الله تعالى، ذلك أن الله حرمها، كما تقرر من قبل، فكيف يستقيم القول بأنه أوجبها مع أن الحاكم واحد وهو الله -تبارك وتعالى- ومحل الحكم واحد وهو الترجمة، والمحكوم عليه واحد وهم المُكَلَّفُونَ في كل زمان ومكان.

رابعًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعرف الناس بأحكام الله وأنشط الخلق في الدعوة إلى الله لم يتخذ هذه الترجمة وسيلةً إلى تبليغ الأجانب مع أنه قد دعا العرب والعجم وكاتب كسرى وقيصر، وراسل المقوقس والنجاشي، وكانت جميع كتبه لهم عربية العبارة، ليس فيها آية واحدة مترجمة؛ فضلًا عن ترجمة القرآن كله، وكان كل ما في هذه الكتب دعوة صريحة جريئة إلى نبذِ الشرك واعتناق التوحيد، والاعتراف برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب طاعته واتباعه، وكان يدفع كتبه هذه إلى سفراء يختارهم من أصحابه؛ فيؤدونها على وجهها، وهؤلاء الملوك والحكام قد يدعون تراجم يفسرونها لهم، وقد يسألون السفراء ومَن يتصل بهم عن تعاليم الإسلام، وشمائل نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وصفات الذين اتبعوه، ومدى نجاح هذه الرسالة مما عَسَاهُ أن يلقى قبولًا عنده أو أن يلقي ضوءًا على حقيقة الداعي ودعوته. انظر حديث هرقل في (صحيح البخاري) وغيره.

خامسًا: أن الصحابة وهم مصابيح الهدى، وأفضل طبقة في سلف هذه الأمة الصالحة، وأحرص الناس على مرضات الله ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بأسرار الإسلام وروح تشريعه، لم يفكروا يومًا ما في هذه الترجمة فضلًا عن أن يحاولوها أو يأتوها، بل كان شأنهم شأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يدعون بالوسائل التي دعا بها على نشاط رائع عجيب في النشر والدعوة والفتح، فلو كانت الترجمة العرفية مما أوجبه الإسلام؛ لكان النبي صلى الله عليه وسلم أسرعَ الخلق إليها وكذلك صحابته الكرام، ولو فعلوا شيئًا من ذلك لنُقِلَ وتواتر إلينا؛ لأن مثله ممن تتوافر على الداعي نقله وتواتره.

الشبهة الثانية:

قالوا فيها: إن كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى العظماء من غير العرب والتي يدعوهم فيها إلى الإسلام تستلزم إقراره على ترجمتها؛ لأنها مشتملة على قرآن، وهم أعاجم ولأن الروايات الصحيحة ذكرت في صراحة أن هرقل -وهو من هؤلاء المدعوين- دعا ترجمان له فترجم له الكتاب النبوي وفيه قرآن.

دفع هذه الشبهة:

أن هذه الكتاب النبوية لا تستلزم إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك الترجمة العرفية الممنوعة، بل هي إذا استلزمت فإنما تستلزم على الإقرار نوعٍ جائزٍ من الترجمة، وهو التفسير بغير العربية؛ لأن التفسيرَ بيانٌ ولو من وجهٍ وهو كافٍ في تفهم مضمون الرسائل المرسلة، على أن هذه الرسائل الكريمة لم تشتمل على القرآن كله ولا على آياتٍ كاملةٍ منه، بل كان ما فيه مقتبسات نادرة جدًّا. ولا ريب أن المقتبسات من القرآن ليس لها حكم القرآن، وهاكم نماذج تتبينون بها مبلغ هذه الحقيقة.

فكتابه صلى الله عليه وسلم الذي أرسله مع دحية بن خليفة الكلبي، إلى هرقل هذا نصه: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك أثم الأريسيين -أعني: الفلاحين- {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]))، فأنت ترى هنا أن ما في هذا الكتاب من القرآن لم يبلغ آيةً تامة؛ لأن الآية مبتدأة بقوله تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ} ولكن الكتاب حذف منه لفظ “قل”، فقال مباشرة: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ}، ولا شك أن الذي ترجم -أو نقول ربما ترجم- هذه الآية فسرها وذكر معناها ولم يفسرها مثلًا تفسيرًا حرفيًّا أو لفظيًّا.

ولعلنا نذكر هنا أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبحث عن مترجمٍ يترجم له هذه الآية، أو غيرها من الآياتِ التي أرسل بها مثلًا إلى غير هذا الرجل؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كما أرسل إلى هرقل أرسل أيضًا إلى كسرى.

الشبهة الثالثة:

قالوا فيها: إن جميع المحظورات التي تخشى من الترجمة موجودةٌ في التفسير باللفظ العربي نفسه، وقد أجمعت الأمة عن عدم التحاشي عن هذه المحظورات، فجيب إذن ألا يتحاشى عنها في الترجمة أصلًا؛ إذ لا فرق بين التعبير باللفظ العربي وبين التعبير باللفظ الأعجمي عن المراد بالآيات بعد أن يكون المعبر والمفسر والمترجم مستكملًا للشروط والمؤهلات الواجبة لمن يعرض نفسه للتفسير والترجمة.

دفع هذه الشبهة:

إنكم إن أردتم بالترجمة تلك الترجمة العرفية فقد بسطت القول فيها فيما مضى وبينت أنها لا يمكن أن تقع بحال من الأحوال. أعني الترجمة اللفظية أو الحرفية -يعني: ترجمة القرآن من لغة القرآن الكريم وهي اللغة العربية- إلى لغة أخرى أجنبية بألفاظها كما يزعمون. وإن أرادوا بالترجمة في كلامهم تلك الترجمة اللغوية على معنى التفسير بلغة أجنبية فكلامهم في محل التسليم والقبول، ولكن لا يجوز أن تخاطب العُرْفَ العالمِيَ العامَّ، بهذا الإطلاق اللغوي الخاص بنا؛ لأنه لا يعرفه، وهناك شبهات أخرى.

error: النص محمي !!