• العربية
Top
Image Alt

تابع صفة رواية الحديث وشروط أدائه

  /  تابع صفة رواية الحديث وشروط أدائه

تابع صفة رواية الحديث وشروط أدائه

الرابع عشر: على المحدِّث إذا وجد في روايته لحنًا أو تحريفًا، صححه ويرويه على الصواب، والأحسن أن يصحح ذلك في الحاشية مع التطبيب، ولا يصحح ذلك في أصل الكتاب، فلعل المصحح وَهَم في أن ذلك لحنًا وهو الصواب، أو لعل ذلك الذي رآه لحنًا له وجه صحيح، وكثير من أهل العلم توهَّم أنه وقع في الرواية لحن أو تحريف فغيَّره، وهو صواب له وجه صحيح من اللغة العربية، وإن خفي ذلك عليه، وخاصة فيما يعدونه خطأ من جهة العربية، وذلك لسعة لغة العربي وتشعبها، وأحسن ما يعتمد عليه في إصلاح التحريف أن يكون قد ورد في أحاديث أخرى، حتى يآمن من أن يكون متقولًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذا قال الأوزاعي وابن المبارك وغيرهم، وكان الإمام أحمد إذا مر بلحن فاحش غيَّره، وإن كان لحنًا سهلًا تركه، ويقول: كذا قال الشيخ. وبعض العلماء تجاسر على تصحيح الكتب وإصلاحها، فصحح كثيرًا، وغلط في أشياء كثيرة، وبعض العلماء كان يروي اللحن والتحريف على ما هو عليه من الخطأ كما سمعه ولا يصححه، وذلك غلوٌّ في مذهب اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى، والأولى سدُّ باب التغيير والإصلاح، لئلا يتجاسر على ذلك من لا يُحسن، وهو أسلم مع التبيين، فيذكر ذلك عند السَّماع كما وقع، ثم يذكر وجه صوابه، إما من جهة العربية أو من جهة الرواية، وإن شاء قرأه على الصواب أولًا، ثم يقول: “وقع عند شيخنا أو في روايتنا أو من طريق فلان كذا” وهذا أولى حتى لا يتقوَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا كان الإصلاح بزيادة شيء قد سقط، فإن لم يكن في ذلك مغايرة في المعنى، فالأولى ألا يُغيَّر، فلقد قيل لمالك: “رأيت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد” فقال -رحمه الله تعالى-: “أرجو أن يكون خفيفًا”، فإن كان الإصلاح بالزيادة يشتمل على معنى مغاير لِما وقع في الأصل؛ تأكد فيه الحكم، بأن يذكر ما في الأصل مقرونًا بالتنبيه على ما سقط؛ ليسلم من معرة الخطأ، ومن أن يقول على شيخه ما لم يقل، أو يلحق الساقط في موضعه من الكتاب مع كلمة “يعني”، كما فعل الخطيب وغيره. قال وكيع: “أنا أستعين في الحديث بـ”يعني”، هذا كله إن علم أن شيخه قد رواه، فإذا وجد الخطأ في كتابه، وغلب على ظنه أن ذلك الخطأ من كتابه لا من شيخه؛ فينبغي أن يصحح ذلك في كتابه، وفي روايته عند تحديثه. قال أبو داود لأحمد بن حنبل: “وجدت في كتابي حجاج عن جرير، أيجوز لي أن أصلحه ابن جرير، فقال -رحمه الله: “أرجو أن يكون هذا لا بأس به”. إذا تلف من الكتاب بعض الإسناد أو المتن، فإنه يجوز استدراكه من كتاب غيره، إذا عرف صحته وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قاله أهل التحقيق، وذهب بعض العلماء إلى المنع من ذلك، وإن كان معروفًا محفوظًا، قال الخطيب: “وبيانه حال الرواية أولى”. يجوز للحافظ الاستثبات مما كتب، فما يشك فيه من كتابه أو حفظه، يراجعه في كتاب ثقة غيره أو حفظه، قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض -رحمه الله تعالى-: “باب في إصلاح الخطأ، وتقويم اللحن والاختلاف في ذلك، حدثنا الفقيهان أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر الخشني، وعبد الرحمن بن محمد بن عتاب بقراءتي عليهما، قالا: أخبرنا أبو القاسم حاتم بن محمد، قال: أخبرنا أبو الحسن القابسي الفقيه، قال: سمعت أبا الحسن بن هشام المصري يقول: سئل أبو عبد الرحمن النسائي عن اللحن في الحديث، فقال: إن كان شيئًا تقوله العرب، وإن كان في غير لغة قريش فلا يُغَيَّر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم الناس بلسانهم، وإن كان ما لا يوجد في كلام العرب، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلحن”. قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله التميمي، والوزير بن سراج الحافظ، بسماعي عليهما، قال: حدثنا أبو مروان بن سراج الحافظ، قال: حدثني أبو عمر بن أبي الصفاقسي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الفسوي، أخبرنا أبو سليمان البستي الخطابي، قال: حدثنا محمد بن معاذ، أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي داود، قال: سمعت الأصمعي يقول: “إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم ((من كذب علي، فليتبوأ مقعدة من النار))؛ لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه”، وإنما قال الأصمعي: “أخاف” ولم يجزم؛ لأن من لم يعلم العربية وإن لحن، لم يكن متعمدًا للكذب. وأخرج القاضي عياض بإسناده عن الشعبي، قال: “لا بأس أن يقوم اللحن في الحديث”، وقال القاضي عياض: أخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا أبو زرعة الدمشقي، أخبرنا الوليد بن عتبة، أخبرنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي يقول: “أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عربًا”، وعن الأوزاعي أيضًا أنه قال “لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث”. ثم نقل القاضي عياض عن جماعة من أهل العلم، أنهم ذهبوا إلى عدم تغيير اللحن، بل يروى كما هو، فأخرج بإسناده عن أبي معمر، قال: “إني لأسمع الحديث لحنًا، فألحن كما سمعت”، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: “الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ، نقل الرواية كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيرونها من كتبهم، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة وفي حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بلغهم، ومنهم من يجسر على الإصلاح”. وكان أجرؤهم على هذا من المتأخرين، القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني، فإنه لكثرة مطالعته وتفننه، كان في الأدب واللغة، وأخبار الناس، وأسماء الرجال وأنسابهم، وثقوب فهمه وحدة ذهنه، جسر على الإصلاح كثيرًا، وربما نبَّه على وجه الصواب، لكنه ربما وهم، وغلط في أشياء من ذلك، وتحكم فيها بما ظهر له، أو بما رآه في حديث آخر، وربما كان الذي أصلحه صوابًا، وربما غلط فيه، وأصلح الصواب بالخطأ، وقد وقفنا له من ذلك في الصحيحين والسير، وغيرها على أشياء كثيرة، وكذلك لغيره ممن سلك هذا المسلك”. وحماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التبيين، فيذكر اللفظ عند السماع كما وقع وينبه عليه، ويذكر وجه صوابه إما من جهة العربية أو النقل، أو وروده كذلك في حديث آخر، أو يقرؤه على الصواب ثم يقول: وقع عند شيخنا، أو في روايتنا كذا، أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلا يقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. وأحسن ما يُعْتمد عليه في الإصلاح أن تَرِد تلك اللفظة المُغَيَِّرة صوابًا في أحاديث أخرى، فإن ذاكرها على الصواب في الحديث آمن له أن يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، بخلاف إذا كان إنما أصلحها بحكم علمه، ومقتضى كلام العرب، وهذه طريقة أبي علي بن السكن البغدادي، في انتقائه روايته لصحيح الإمام البخاري، فإن أكثر متون أحاديثه ومحتمل رواياته هي عنده متقنة صحيحة من سائر الأحاديث الأخر، الواقعة في الكتاب وغيره. وقد نبَّه أبو سليمان الخطابي على ألفاظ من هذا في جزء أيضًا، لكن أكثر ما ذكره مما أنكره على المحدِّثين له وجه صحيح في العربية، وعلى لغات منقولة، واستمرت الرواية به، وليس الرأي في هذا واحد، وممن كان يأبى تغيير اللحن نافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وأبو الضحى وغيرهم. الخامس عشر: يجب أن يذكر القارئ ما جرت العادة بحذفه خطأ، من بين رجال الإسناد حال القراءة نطقًا، مثال ذلك أن يقول الإمام البخاري: حدثني القعنبي، قال: أخبرنا مالك، فالقارئ يقول: قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا القعنبي، قال: أخبرنا مالك، وإن كان في أثناء الإسناد، قرئ على فلان أخبرك فلان؛ فينبغي للقارئ أن يقول في ذلك: قُرئ على فلان، قيل له: أخبرك فلان، وكذا في قولهم قرئ على فلان حدثنا فلان، فهذا يذكر فيه قال، فيقال: قرئ على فلان قال: حدثنا فلان، وقد جاء ذلك مصرحًا به خطًّا في بعض الروايات، كما ينبغي أن يقال في قرأت على فلان، قلت له: أخبرك فلان، وإذا تكررت كلمة قال كما في قوله في كتاب البخاري: حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي، فحذفوا أحدهما في الخط، وعلى القارئ أن يلفظ بهما جميعًا. مما يحذف في الخط أيضًا، ويلفظ به حال القراءة، أنه في حديث البخاري، قال الإمام البخاري بإسناده: حدثنا عن عطاء بن أبي ميمون، سمع أنس بن مالك، أي: أنه سمع أنس بن مالك، فلفظ “أنه” تحذف في الخط عرفًا كما قال الحافظ ابن حجر: كما يقال في الإسناد المعنعن عند قوله حدثنا فلان عن فلان، فيقول عند القراءة: “حدثنا فلان أنه روى عن فلان”. فائدة ذكر هذه الألفاظ، التي جرت العادة بحذفها خطًّا من بين رجال الإسناد، مثل “قال” وغيرها: إذا لم تذكر هذه الألفاظ بين رواة الإسناد، سيصير كل المذكورين في الإسناد شيوخًا للمصنف، وعلى ذلك يكون الحديث ضعيفًا، والأمر ليس كذلك؛ ولأن الأصل هو الفصل بين كلام المتكلمين للتمييز بينهم، وحيث لم يُفصل فهو مضمر، والإضمار خلاف الأصل. قال السيوطي مبينًا مدى أهمية ذكر المحذوف خطًّا حال القراءة: “وجه ذلك في غاية الظهور، لأن “أخبرنا” و”حدثنا” بمعنى “قال لنا”، إذ “حدَّث” بمعنى “قال” و”نا” بمعنى “لنا”، فقوله حدثنا فلان حدثنا فلان، معناه: قال لنا فلان قال لنا فلان، وهذا واضح لا إشكال فيه، وإذا كان بعض أهل اللغة قد عاب على المحدِّثين، ذكرهم “قال” بين رواة الإسناد، فهذا لا يضير المحدِّثين بعد أن عرفت وجهة نظرهم. السادس عشر: يجوز للراوي إذا كان يروي نسخة مشتملة على أحاديث مروية بإسناد واحد، كنسخة همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، أن يذكر الإسناد في أول كل حديث، وهذا أحوط، ويوجد في الأصول القديمة على هذا النحو. كما يجوز له أن يذكر الإسناد، في أولها عند أول حديث منها، أو في أول كل مجلس من مجالس سماعها، ويدرج الباقي عليه، ويقول في أول كل حديث بعده، و”بالإسناد” أو “به” وذلك هو الأغلب، ومن سمع على هذا الوجه الأخير، يجوز له إذا أراد تفريق الأحاديث وروايته كل حديث منها بالإسناد المذكور أن يفعل، وهذا جائز عند الأكثرين، منهم وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيلي؛ لأن كل الأحاديث المذكورة بعد الحديث الأول بالإسناد الأول معطوفة عليه، فالإسناد المذكور أولًا في حكم المذكور في أول كل حديث. وهذا كتقطيع المتن الواحد في الأبواب بإسناده المذكور أولًا، وقد فعل ذلك الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، في مسنده في صحيفة همام بن منبه. وبعض المحدِّثين أبى إفراد شيء من تلك الأحاديث المدرجة بالإسناد المذكور أولًا، ورأى ذلك تدليسًا، بهذا قال أبو إسحاق الإسفرائيني حين سُئل عن ذلك، فقال: لا يجوز، وبعض المحدِّثين رأى ذلك تدليسًا، وفي الحقيقة هو ليس بتدليس، وعلى هذا الرأي الأخير فمن كان سماعه على هذا الوجه، فطريقته أن يبين ويحكي ذلك كلما جرى ذلك. وهذا الخلاف جارٍ أيضًا فيما لو ذكر السند في أول الكتاب، ثم ساق الأحاديث المروية بهذا السند، ثم ذكر السند في آخر الكتاب أو الجزء، ,وفي ذكر الإسناد في آخر الكتاب بعد أن ذكره في أوله، يفيد التأكيد والاحتياط، ويتضمَّن إجازة بالغة من أعلى أنواع الإجازات. السابع عشر: إذا قدَّم الراوي المتن على الإسناد، كأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ثم يذكر الإسناد بعد المتن؛ فهذا صحيح، فإذا أراد من سمعه هكذا أن يقدم الإسناد على المتن؛ جاز له ذلك، إذا قدَّم الراوي المتن، وبعض الإسناد من أعلى، كروى نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان عن فلان، حتى يتصل بما قدمه؛ صح ذلك وكان متصلًا، فإذا أراد من سمعه هكذا أن يقدم جميع الإسناد، بأن يبدأ به أولًا ثم يذكر المتن، فأجازه المتقدمون من أهل الحديث، قال الإمام النووي: “وهو الصحيح”. قال ابن الصلاح: “وينبغي أن يكون فيه الخلاف كتقديم بعض المتن على بعض، فإن الخطيب حكى فيه المنع، بناء على منع الرواية بالمعنى، والجواز بناء على جواز الرواية بالمعنى”، قال الحافظ البلقيني منتقدًا من منع تقديم الإسناد على المتن، أو بعض الإسناد على المتن: “وهذا التخريج ممنوع، والفرق بين الرواية بالمعنى، وتقديم السند على المتن، أو بعض السند على المتن، أن تقديم بعض الألفاظ على بعض، يؤدي إلى الإخلال بالمقصود في العطف وعود الضمير ونحو ذلك، بخلاف تقديم السند كله أو بعضه، فإنه لا يترتب عليه شيء من ذلك”. ويلاحظ أن الخلاف في هذه المسألة، مبني على الخلاف في تقديم بعض المتن على بعضه، ولكن هناك فرق كبير بين الحالتين. الثامن عشر: يجوز للراوي إذا روى المحدِّث الحديث بإسناد، ثم أتبعه بإسناد آخر، يوقال عند الانتهاء من الإسناد الآخر مثله، أن يقتصر على الإسناد الثاني، ويسوق بعده المتن المذكور عقب الإسناد الأول إذا عُرف أن المحدث ضابط متحفظ، يذهب إلى تمييز الألفاظ وعدِّ الحروف، فإن لم يكن كذلك؛ فلا يجوز له ذلك، بهذا قال الإمام الثوري وابن معين. ومنع بعض العلماء الاقتصار على الإسناد الثاني، وسوق المتن المذكور عقب الإسناد الأول بعده، وهذا قول شعبة بن الحجاج، وكان غير واحد من أهل العلم إذا روى مثل هذا يورد الإسناد، ويقول مثل حديث قبله متنه كذا وكذا ثم يسوقه، واختار هذا الرأي الخطيب البغدادي، وكذا إذا قال المحدث “نحوه”، فهو مثل “مثله” عند من يجيز الرواية بالمعنى. أما من لا يجيز الرواية بالمعنى، فإن “نحوه” عنده ليست مثل “مثله”، قال الحاكم أبو عبد الله: “إن مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان، أن يفرق بين أن يقول “مثله”، أو يقول “نحوه”، فلا يحل له أن يقول “مثله”، إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل له أن يقول “نحوه” إذا كان بمعناه. التاسع عشر: إذا ذكر الشيخ إسناد الحديث، ولم يذكر من متنه إلا طرفًا، ثم قال: وذكر الحديث، أو قال: وذكر الحديث بطوله، فأراد الراوي أن يروي ذلك الحديث بطوله، فعلى الراوي أن يبين ذلك، بأن يقص ما ذكره الشيخ على وجهه، فيقول: قال وذكر الحديث بطوله، ثم يقول: والحديث بطوله هو كذا وكذا، ويسوقه إلى آخره. ولا يجوز لمن سمع الحديث على هذا الوصف، أن يروي الحديث بما فيه من الألفاظ على التفصيل، كما قال بذلك أبو إسحاق الشافعي. قال الإسماعيلي: “إذا عرف المحدِّث والسامع ذلك الحديث الذي ذكر طرفًا منه؛ جاز له ذلك، والاحتياط أن يقتصر على المذكور، ثم يقول: وذكر الحديث، وهو هكذا، أو وتمامه كذا، ويسوقه بكماله”. قال الحافظ العراقي: “إذا جاز للراوي أن يذكر الحديث الذي ذكر شيخه طرفًا منه على التمام، فإنه يكون بطريق الإجازة فيما لم يذكره الشيخ، وهي إجازة أكيدة قوية من جهات عديدة؛ فجاز لهذا مع كون أوله سماعًا، إدراج الباقي عليه من غير إفراد له بلفظ الإجازة”. العشرون: إذا كان سماع الراوي على صفة فيها بعض الوهن، فعليه أن يذكر ذلك في حال الرواية والتحديث، فإن في إغفالها نوعًا من التدليس، كأن يسمع من غير أصل، أو يحدث المحدِّث من حفظه في حالة المذاكرة، فليقل الراوي عنه حدثنا فلان مذاكرة، أو حدثناه في المذاكرة، وكان غير واحد من المتقدمين يفعلون ذلك، وكان جماعة من الحفاظ المتقدمين، يمنعون أن يُحمل عنهم في المذاكرة شيء، لما يقع فيها من التساهل، ولأن الحفظ خوَّان، من هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة الرازي وغيرهم، ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى. الحادي والعشرون: إذا كان الحديث مرويَّا عن رجلين، أحدهما ثقة والآخر مجروحًا، فلا يحسن إسقاط المجروح من الإسناد، والاقتصار على ذكر الثقة؛ خوفًا من أن يكون في الحديث عن المجروح شيء لم يذكره الثقة، بهذا قال الإمام أحمد والخطيب. قال الخطيب: “وكان الإمام مسلم في مثل هذا، ربما أسقط المجروح من الإسناد ويذكر الثقة” ثم يقول: “وآخر كناية عن المجروح، قال: وهذا القول لا فائدة منه، قال البلقيني: بل له فائدة تكثير الطرق”. الثاني والعشرون: إذا كان الحديث مرويَّا عن ثقتين يستحب ألا يسقط ثقة منهما؛ لاحتمال أن يكون في الحديث عن الثقة الذي أسقطه شيء لم يذكره الثقة الذي ذكره، وأن المحظور هنا أقل من الحالة السابقة؛ لأنه وإن كان في الحديث شيء عن المحذوف، لم يذكره المذكور في الإسناد، فكلاهما ثقة، وهذا المنع في الصورتين السابقتين، وخاصة الصورة الثانية على سبيل الاستحسان؛ لأن الظاهر اتفاق الراويين، وما ذكر من الاحتمال نادر بعيد، فإنه من الإدراج الذي لا يصح تعمده. الثالث والعشرون: يجوز للراوي إذا سمع بعض الحديث عن شيخ، وبعضه الآخر عن شيخ آخر، أن يروي جملته عنهما من غير تمييز بينهما، ويعزو الحديث جملة إليهما، مبينًا أن عن أحدهما بعضه وعن الأخر بعضه، فهذا جائز، وقد فعله الزهري في حديث الإفك؛ حيث رواه عن عروة، وعن سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة رضي الله عنها وقال: “وكل قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض”، فذكر الحديث. ثم إنه ما من شيء من هذا الحديث، إلا وهو في الحكم، كأنه رواه عن أحد الرجلين على الإبهام، حتى إذا كان أحدهما مجروحًا، ما جاز الاحتجاج بشيء من ذلك الحديث، ولا يجوز لأحد بعد هذا الاختلاط، أن يسقط ذكر أحد الراويين، ويروي الحديث عن الآخر وحده، بل يجب ذكرهما جميعًا مقرونًا بالإفصاح بأن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر. قال الحافظ العراقي: “وقد اعترض بأن الإمام البخاري فعل مثل ذلك؛ حيث أسقط بعض شيوخه في مثل هذه الصورة، واقتصر على ذكر شيخ واحد، كما جاء ذلك في كتاب الرقاق من صحيحه؛ حيث قال: “حدثني أبو نعيم بنصف من هذا الحديث، ثنا عمرو بن دينار ثنا مجاهد، أن أبا هريرة كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع” الحديث؛ لأن الممنوع إسقاط بعض شيوخه، وإيراد جميع الحديث عن بعضهم؛ لأنه حينئذ يكون قد حدَّث عن المذكور ببعض ما لم يسمع منه؛ فأما إذا بين أنه لم يسمع منه إلا بعض الحديث، كما فعل البخاري هنا؛ فهذا ليس بممنوع. وقد بين الإمام البخاري ذلك في موضع آخر من صحيحه، القدر الذي سمعه من أبي نعيم من هذا الحديث، أو بعض ما سمعه منه، فقال في كتاب الاستئذان: حدثنا أبو نعيم، ثم ساق السند إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: “دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبنًا في قدح، فقال: ((أبا هر ألحق أهل الصفة فادعهم إليه))، قال: فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا”، فهذا بعض حديث أبو نعيم الذي ذكره في الرقاق، وأما بقية الحديث فيُحتمل أن البخاري أخذه من كتاب أبي نعيم وجادة، أو إجازة، أو سمعه من شيخ آخر غير أبي نعيم، إما عن محمد بن مقاتل أو غيره، ولم يبين ذلك، بل اقتصر على اتصال بعض الحديث من غير بيان، ولكن ما من قطعة منه إلا وهي محتملة؛ لأنها غير متصلة بالسماع، إلا القطعة التي صرح في كتاب الاستئذان باتصالها. الرابع والعشرون: إذا كان الراوي ضريرًا، ولم يحفظ حديثه من فم من حدَّثه، واستعان بالمأمونين في ضبط سماعه وحفظ كتابه، وعند روايته في القراءة منه عليه، واحتاط في ذلك حسب حاله، بحيث يحصل الظن بالسلامة من التغيير؛ صحت روايته وكذا البصير الأمي، غير أن الخلاف في الضرير أولى بالخلاف والمنع، من مثل ذلك في البصير الأمي.

error: النص محمي !!