• العربية
Top
Image Alt

تابع صفة رواية الحديث وشروط أدائه

  /  تابع صفة رواية الحديث وشروط أدائه

تابع صفة رواية الحديث وشروط أدائه

المذهب الثالث عن الرواية من الكتاب: ذهب جماعة من العلماء إلى التساهل في الرواية، فرووا من نُسخ غير مقابلة بأصلها، فجعلهم الحاكم النيسابوري مجروحين، قال: “وهذا كثير تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصالحين، وممن نُسب إليه التساهل عبد الله بن لهيعة، كان الرجل يأتيه بالكتاب، فيقول: هذا من حديثك، فُيحدث به مقلدًا له، قلت: إن تضعيف عبد الله بن لهيعة، لا يرجع إلى أنه لم يكن حافظًا لحديثه، ولم يقابل كتابه بكتب شيوخه، أو بنسخ مقابلة على نسخ شيوخه، وإنما يرجع إلى أن ابن لهيعة قد كتب حديثه، وكان يحدث من كتبه، فلما احترقت كتبه صار يُلقن فيتلقن، فكان لا يبالي بما دفع إليه أهو من حديثه أم لا، فكل من أتاه بكتاب وقال له: هذا من كتبك حدَّث به، ولو لم يكن فيه حديث واحد من حديثه؛ ولذا قال العلماء: إن رواية من روى عن ابن لهيعة، قبل احتراق كتبه صحيحة”. ومن الذين سمعوا من عبد الله بن لهيعة قبل احتراق كتبه، العبادلة، عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي. أما رواية من روى عنه بعد احتراق كتبه فهي ضعيفة؛ لأنه كان يحدث من كتابه، ولم يكن حافظًا لحديثه، فلما احترقت كتبه حدَّث من حفظه، وهو غير حافظ وقبل التلقين. ثانيًا: لا يجوز للراوي أن يروي من نسخة ليس فيها سماعه، ولا هي مقابلة بنسخة سماعه، إذا كان سُمع ذلك الكتاب من شيخه الذي سمع هو منه نسخة أخرى، وكذلك لو كان فيها سماع شيخه، أو رواها ثقة عن شيخه، لا يجوز له الرواية منها؛ لاحتمال أن يكون في نسخة شيخه، زوائد ليست في النسخ التي سمعها منه، بهذا قال عامة المحدِّثين، ورخَّص فيه أيوب السختياني وغيره. قال الخطيب: “والذي يوجبه النظر التفصيل، وهو أنه متى عرف أن هذا الأحاديث هي التي سمعها من الشيخ؛ جاز له أن يرويها عنه، إذا سكنت نفسه إلى صحتها وسلامتها، وإلا فلا، فإن كانت له إجازة عامة من شيخه لمروياته أو لهذا الكتاب، فيجوز له الرواية منها؛ لأن ذلك ليس فيه أكثر من رواية تلك الزيادات بالإجازة، وله أن يقول: أخبرنا أو حدثنا من غير بيان للإجازة فيها، وذلك نادر يُتسامح فيه. فإن كانت النسخة التي يرويها سماع شيخ شيخه، أو هي مسموعة على شيخ شيخه، أو مروية عن شيخ شيخه؛ فينبغي أن تكون له إجازة شاملة من شيخه، ولشيخه إجازة شاملة من شيخه. ثالثًا: إذا وجد الحافظ في كتابه خلاف ما يحفظ، فلا يخلو الحال من أحد أمرين: الأمر الأول: إن كان الراوي حفظ ذلك من كتابه، فليرجع إلى ما في كتابه. الأمر الثاني: إن كان الراوي حفظ ذلك من فم المحدِّث، فليعتمد حفظه دون ما في كتابه، إلا إذا لم يشك، والأحسن أن يذكر الأمرين في روايته، فيقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا، وقد فعل ذلك شعبة بن الحجاج وغيره، وكذلك إذا خالفه بعض الحُفاظ فيما يحفظ، فليقل حفظي كذا، وقال فيه غيري كذا، كما فعل الإمام سفيان الثوري، وغيره. رابعًا: إذا وجد الراوي سماعه في كتابه، وهو غير ذاكر لسماعه ذلك. قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: “لا يجوز له روايته حتى يتذكره”، وقيل يجوز له روايته، بشرط أن يكون السماع بخطه أو خط من يثق به، وأن يكون حافظًا لكتابه، من أن تمتدَّ إليه يد بتغيير أو تبديل أو إفساد، وتسكن نفسه إلى أن ما فيه حديثه، وإن لم يتذكر حديثه حديثًا حديثًا، وهذا هو الصحيح الذي ذهب إليه الإمام الشافعي، وأكثر أصحابه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية مبني على التوسع، كما نقل ذلك النووي والسيوطي، فإن شك في الكتاب لم يجز الاعتماد عليه في الرواية، وكذلك إن لم يكن الكتاب بخط ثقة بلا خلاف، كما نقل ذلك الإمام النووي والسيوطي، هذا، والله أعلم.

error: النص محمي !!