• العربية
Top
Image Alt

تابع علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم

  /  تابع علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم

تابع علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم

ثالثًا: السنة المطهرة تخصص عام القرآن الكريم:

تعريف العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله، واستغراقه لجميع الأفراد التي يصدق عليه معناه من غير حصر في كمية معينة منها مثل: لفظ “كل” ولفظ “جميع” وكذلك المفرد المعرف بأل تعريف الجنس كالسارق، والزاني، وغير ذلك.

تخصيص العام في اصطلاح الأصوليين، وتبيين أن مراد الشارع من العام ابتداءً بعض أفراده لا جميعها، مثال ذلك: قال الله تعالى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] هذا العموم الوارد في الآية الكريمة خصَّصته السنة المطهرة؛ حيث جعلت القطع خاصًّا بمن سرق نصابًا قيمته ربع دينار فصاعدًا، وأن يكون المسروق من حرز مثله، وألا يكون السارق مضطرًّا؛ ليحفظ نفسه من الهلاك، فليس كل سارق تُقطع يده.

عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا)) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، قال الإمام النووي بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في قدر نصاب السرقة: “والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه أي: أن قدر نصاب السرقة ربع دينار أو ذهبًا أو ما قيمته ربع دينار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرَّح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه، وأنه ربع دينار، وأما باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث” قال الإمام الشافعي: “ولولا الاستدلال بالسنة، وحكمنا بالظاهر؛ قطعنا من لزمه اسم سرقة” إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

رابعًا: السنة المطهرة تقيِّد مطلق القرآن الكريم:

تعريف اللفظ المطلق: هو ما دلَّ على فرد غير مقيد لفظًا بأي قيد مثل: مصري.

تعريف اللفظ المقيد هو ما دلَّ على فرد مقيد لفظًا بأي قيد مثل مصري مسلم.

فالمطلق يُفهم على إطلاقه إلا إذا قام دليل على تقييده، فإن قام الدليل على تقييده، كان هذا الدليل صارفًا له عن إطلاقه، ومبينًا المراد منه، مثال ذلك قال الله تعالى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38].

فالآية الكريمة ورد فيها قطع يد السارق بدون قيد، فهل تُقطع اليد اليمنى أم اليسرى، وما القدر المقطوع؟ فلفظ اليد تُطلق على الجارحة من رءوس الأصابع حتى الرسغ، وتُطلق أيضًا على الجارحة من رءوس الأصابع حتى المرفق، كما تُطلق أيضًا على الجارحة من رءوس الأصابع حتى المنكب، فمن أي مكان تُقطع؟ وقد استدلّ جمهور المجتهدين بالسنة العملية على تعيين المراد منها في الآية الكريمة، من رءوس الأصابع إلى الرسغ في اليمنى.

قال الإمام النووي: “وأجمعوا على أنه إذا سرق أولًا قُطعت يده اليمنى، فإذا سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، فإذا سرق ثالثًا قُطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعًا قُطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عُذِّر، ثم كلما سرق عذِّر”.

قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك والجماهير: “تقطع اليد من الرسغ، وهو المفصل بين الكف والذراع، وتُقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم”.

مثال آخر تخصيص الظلم الوارد في قوله تعالى: {الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، فهم الصحابة رضي الله عنهم أن المراد عموم الظلم، فيشمل ذلك الذنوب كلها كبيرها وصغيرها، وأن من يقع في معصية؛ سواء كانت كبيرة أو صغيرة، فليس بمهتدٍ ولا آمن، فشقَّ عليهم ذلك؛ لأن المسلم لا يسلم في الوقوع في شيء من ذلك، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم إنما هو الشرك، وليس عموم الظلم.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس بذاك، ألا تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: {إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ})) أخرجه البخاري.

خامسًا: السنة المطهرة تفسر القرآن الكريم، وتبينه، فسرت السنة المطهرة كثيرًا من آيات القرآن الكريم، وبينته، فمن ذلك بينت السنة المطهرة المراد بالمغضوب عليهم، والضالين في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ} [الفاتحة: 7]، فبينت السنة المطهرة أن المراد بالمغضوب عليهم هم اليهود، والمراد بالضالين هم النصارى.

عن علي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى)) أخرجه الإمام أحمد والترمذي.

سادسًا: توضيح المشْكل، أوضحت السنة المطهرة مشْكل القرآن الكريم، فإذا كان للفظ أكثر من مدلول في لغة العرب، فإن السنة ترفع الإشكال، وتبين المراد، مثال ذلك عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: “لما نزلت {حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ} [البقرة: 187] عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار))” الحديث أخرجه الإمام البخاري، والإمام مسلم.

فهذا الصحابي الجليل ظن أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل، أو العقال، وهذا هو الذي يتبادر إلى الفهم، واللفظ يحتمل هذا، فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد هو سواد الليل، وبياض النهار.

سابعًا: تبيين المبهم، السنة المطهرة بينت بعض ما أُبهم في القرآن الكريم إن كان الأمر يحتاج إلى بيان.

ثامنًا: السنة المطهرة تؤسس الأحكام فيما ليس لله تعالى فيه نص كتاب، مثال ذلك: حرَّمت السنة المطهرة الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في نكاح واحد، وهذا أمر استقلَّت به السنة المطهرة، وليس له ذكر في القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم حرم بسبب المصاهرة أم الزوجة إن عُقد على ابنتها، وبنت الزوجة إن دُخل بأمها، وزوجة الابن الصلبي، والجمع بين الأختين في نكاح واحد، فألحقت السنة المطهرة بذلك الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في نكاح واحد.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنكح المرأة على عمتها أو خالتها)) الحديث أخرجه البخاري ومسلم، قال الإمام النووي: “هذا دليل لمذاهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها؛ سواء كانت عمة وخالة حقيقية، هي أخت الأب، وأخت الأم، أو مجازية، وهي أخت أبي الأب وأبي الجد، وإن علا، وأخت أم الأم، وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهنَّ بإجماع العلماء يحرم الجمع بينها وبينهم، واحتج الجمهور بهذه الأحاديث خصوا بها الآية الكريمة.

والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبيِّن للناس ما أنزل إليهم من كتاب الله تعالى.

أيضًا حرَّمت السنة بسبب الرضاع كل ما حَرُم بسبب النسب، لم يحرم القرآن الكريم بسبب الرضاع إلا الأم المرضعة، والأخت من الرضاعة، غير أن القرآن الكريم حرَّم بسبب النسب سبعًا، وهن الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، قال الله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الاُخْتِ وَأُمّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مّنَ الرّضَاعَةِ} [النساء: 23] فألحقت السنة المطهرة بالأم المرضعة، والأخت من الرضاعة كل ما حرم بسبب النسب، وهن المذكورات في الآية الكريمة البنت من الرضاعة، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت من الرضاعة.

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرته أن عمها من الرضاعة يُسمى أفلح استأذن عليها، فحجبته فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: ((لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)) الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، أيضًا حرمت السنة المطهرة أكل لحوم الحُمُر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور، تشريع زكاة الفطر، ميراث الجدة عند عدم الأم، إلى غير ذلك مما استقلت السنة المطهرة بحكمه، ولما كانت السنة المطهرة هي المبيِّنة والشارحة للقرآن الكريم، والمخصِّصة لعامه، والمقيِّدة لمطلقه؛ لزم أن يحفظ الله تعالى رحمة منه وفضلًا السنة المطهرة، وأن يصونها من عبث العابثين، وكيد المغرضين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان.

لذلك فإن الله تعالى قد هيَّأ للسنة المطهرة في كل عصر ومصر رجالًا أطهارًا أبرارًا صالحين أنار الله بصائرهم، ورزقهم الفهم الصائب، والحكمة، فبذلوا جهدًا عظيمًا يُعجز عن وصفه، بذلوا النفس والنفيس، وضحوا بكل شيء من أجل المحافظة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد كيد أعداء الإسلام عنه، يسترضون بذلك ربهم سبحانه وتعالى، وتحقق بجهدهم وجهادهم في سبيل المحافظة على دين الله عز وجل قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن طائفة من المسلمين سيثبتون على الحق، ويقومون بنصرة دين الله عز وجل، والدفاع عنه إلى يوم القيامة مهما كلفهم ذلك، وهم الطائفة المنصورة، إن شاء الله تعالى.

قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)) الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم.

عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك)) قال الحافظ ابن حجر هذا الحديث -أي: حديث معاوية- مشتمل على ثلاثة أحكام:

الأول: فضل التفقه في الدين.

الثاني: المعطي في الحقيقة هو الله تعالى.

الثالث: أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا، والمراد بأمر الله تعالى هنا الريح تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة.

إثبات الخير من تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله، والمراد بقوله ((ولن تزال هذه الأمة قائمة)) الحديث.

قال الحافظ ابن حجر: “قال البخاري المراد بهم أهل العلم بالآثار”، قال الإمام النووي: “يُحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زُهَّاد وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض”، وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف ما زال -بحمد الله تعالى- من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث.

وما ذهب إليه الإمام النووي هو الأرجح، فالمراد بهذه الطائفة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستثبت على الحق هم المستمسكون بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، الباذلون أنفسهم، المضحون براحتهم من أجل رضا الله تعالى، وإن تنوعت أعمالهم، فلا تنحصر هذه الطائفة في أهل عمل بعينه، أو علم بعينه؛ فهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، جعلنا الله منهم، وحشرنا في زُمرتهم، بفضله وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

error: النص محمي !!