Top
Image Alt

تابع: في باب الطيرة

  /  تابع: في باب الطيرة

تابع: في باب الطيرة

قال الإمام أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالَا: أخبرنا عبد الرزاق قالَا: أخبرنا معمر قال: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوىَ ولا طيرةَ، ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظِّباء، فيخالطها البعير الأجرب، فيجربها؟! قال صلى الله عليه وسلم: فمن أعدى الأول؟!)).

قال معمر: قال الزهري: “فحدثني رجل عن أبي هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يوردن ممرض على مصح)) قال: فراجعه الرجل، فقال: أليس قد حدثتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى ولا صفر ولا هامة)) قال: لم أحدثكموه. قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حدَّث به، وما سمعت أبا هريرة نسي حديثًا قط غيرَه”.

وقوله: ((لا عدوى)) نفي لِمَا كانوا يعتقدونه من سراية المرض من صاحبه إلى غيره.

((ولا صفر)) :

المعنى الأول: نفي لما يعتقدونه من أنه داء بالباطن يعدي، أو حية في البطن تصيب الماشية والناسَ، وهي تعدي أعدى من الجرب.

المعنى الثاني: فالمراد الشهر المعروف، كانوا يتشاءمون بدخوله.

المعنى الثالث: هو داء في البطن من الجُوع، أو من اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء.

((ولا هامة)) بتخفيف الميم: طائر، وقيل: هو البومة. قالوا: إذا سقطت على دار أحدهم وقعت فيها مصيبة، وقيل غير ذلك. يعني: لا هامة مؤثرة.

قال: “ما شأن الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء”: جمع ظبي، أي: كأنها الظباء في النشاط والقوة والسلامة من الداء. والظباء بكسر الظاء المعجمة مهموز ممدود. “وفي الرمل”: خبر. وكأنها الظباء: حال من الضمير المستتر في الخبر، تكون هي كالظباء، وهو تتميم لمعنى النقاوة من الأمراض، والنقاوة في الجلد، وذلك لأنها إذا كانت في التراب ربما يلصق بها شيء منه. والبعير الأجرب أي: الذي فيه جرب وحكة.

وقوله: “فيجربها”، يعني: مِن الإجراب، أي: يجعلها جربة بإعدائها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فَمَن أعدى الأول؟!)) هذا الجواب في غاية البلاغة، أي: من أين جاء الجرب للذي أعدى بزعمهم؟! فإن أجابوا: مِن بعير آخر، لزم التسلسل، يعني: مِن بعير آخر، والبعير الآخر مِن بعير آخر، والبعير الآخر من بعير آخر، وهذا لا ينتهي. أو بسبب آخر فليفصحوا به، فإن أجابوا بأن الذي فعله في الأول هو الذي فعله الثاني، ثبت المدعى، وهو أن الذي فعل جميعَ ذلك ليس هو العدوى بذاتها، وإنما هو القادر الخالق، لا إلهَ غيرُه، ولا مؤثر سواه.

وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة: ((لا يوردنَّ)) بكسر الراء ونون التأكيد الثقيلة. ((ممرض)) بضم الميم وسكون الثانية وكسر الراء، بعدها ضاد معجمة. يعني: الذي له إبل مرضى لا يأتي على الإبل الصحيحة على مصح، بضم الميم وكسر الصاد المهملة بعدها حاء مهملة، أيضًا من له إبل صحاح لا يوردن، ولا يدخلن إبله المريضة على إبل غيره الصحيحة.

وواضح من هذا أن هناك تعارضًا في الظاهر بين الحديثين: ((لا عدوى))، ((ولا يوردن ممرض على مصح)) وقد جمع ابن بطَّال فقال: “لا عدوى إعلام بأنها لا حقيقة لها، وأما النهي فلئلا يتوهم المصح أن مرضها حدث من أجل ورود المريض عليها، فيكون داخلًا بتوهمه ذلك في تصحيح ما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم وقيل غير ذلك”.

ولدي رأي آخر في الجمع بين مثل هذين الحديثين، وهو أنه لا عدوى، أي: لا عدوى تؤثر بذاتها، والتي نقول: إنها الجراثيم أو الفيروسات تنتقل من شخص إلى آخر، هي لا تؤثر في الشخص بذاتها، وإنما بتقدير الله سبحانه وتعالى والواقع يؤيد ذلك، فكم من شخص يحمل فيروس مرضٍ أو جراثيم مرض، ومع ذلك لا تؤثر فيه هذه الفيروسات أو هذه الجراثيم، إنما يشاء الله تعالى أن يمرض هذا، وألا يمرض هذا، فالأمر في مشيئة الله عز وجل و((لا يوردن ممرض على مصح)) من باب أخذ الأسباب أيضًا، وهو أنه إذا كانت جرت عادة الله سبحانه وتعالى مع عباده، أن بعض الجراثيم ينتقل إلى إنسان فيمرض، أو بعض الفيروسات تنتقل إلى إنسان فيمرض، وهذه أسباب، والذي يُمرض ويُصح هو الله عز وجل إذا كانت العادة كذلك فلا ينبغي أن يختلط صاحب المرض بالمصح، وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما لم يدخل الشامَ في مرض الطاعون: “نفر من قضاء إلى قضاء الله عز وجل”.

ولو شاء الله عز وجل لأمرض هذا المصح بدون عدوى، ولو شاء الله عز وجل لأبطلَ أثرَ هذه الفيروسات أو الجراثيم دون أن تؤثر في هذا الشخص الذي يحملها، وهذا أصبح واضحًا جدًّا في هذه الأيام.

على أنه ينبغي للمؤمن أن يُرجِعَ كلَّ الأمور إلى الله عز وجل لكن في مثل حالات الأمراض التي يقولون: إنها معدية، يتبادر المعنى إلى كثير من الناس أن هذه الأمراض هي التي فعلت ذلك، وهذا ما لا ينبغي للمؤمن أن يعتقده، لكن دائمًا أن يتخطَّى المؤمن الأسباب إلى رب الأسباب سبحانه وتعالى. قال: “فراجعه الرجل” هذه الرواية مختصرة، وتوضحها روايةُ مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى)) ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يوردن ممرض على مصح)) قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: ((لا عدوى))، وأقام على: ((ألا يورد ممرض على مصح)) قال: فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخرَ قد سكتَّ عنه كنت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى))، فأبى هريرة أن يعرف ذلك، وقال: ((لا يورد ممرض على مصح)) فما راه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية، فقال الحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أبو هريرة: “إني قلت: أبيت”. قال أبو سلمة: ولعمري، لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى))، فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر. قال النووي: “لا يؤثر نسيانُ أبي هريرة لحديث: ((لا عدوى)) بوجهين:

الأول: أن نسيان الراوي الحديث الذي رواه لا يقدح في صحته عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به.

الثاني: أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

ونقل القسطلاني عن بعض العلماء قال: “لعل هذا من الأحاديث التي سمعها قبل بسط ردائه، ثم ضمه إليه عند فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من مقالته في الحديث المشهور. وهذا الحديث هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((ابسط رداءك يا أبا هريرة، ثم دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم فضمه إليه)) وكان بعد ذلك لا ينسى، فربما كان قبل ذلك، فهو قبل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم كان معرضًا للنسيان، وإن كان هذا بعيدًا”.

قال المنذري: “وأخرجه البخاري ومسلم مطولًا ومختصرًا”.

الحديث التالي:

قال أبو داود: حدثنا القعنبي قال: أخبرنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى، ولا هامة، ولا نوءَ، ولا صفر)) وسبق شرح هذا الحديث، وبقي زيادة: ((لا نوء)).

والنوء: أي: طلوع نجم وغروب ما يقابله، أحدهما في المشرق والآخر في المغرب -وقد سبق أن تعرضنا لذلك- وكانوا يعتقدون أنه لا بد عنده من مطر أو ريح، ينسبونه إلى النجم الطالع أو النجم الغارب، فنفى صلى الله عليه وسلم صحة ذلك، وإنما الله تعالى هو الذي يسقط المطر، ولو شاء الله لطلع نجم وغرب آخر ولا يمطرون.

قال بعض الشراح: “النوء: سقوط نجم من منازل القمر مع طلوع الصبح، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، يسقط في كل ثلاثة عشر ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابله في المشرق من ساعته”.

وفي الحديث الآخر الذي قال فيه أبو داود:

حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن البَرْقِي، أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: حدثني ابن عجلان قال: حدثني القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا غول)).

وقوله: ((لا غول)) ليس نفيًا لعين الغول ووجوده، إنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة. والغول: أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولًا، أي: تتلون تلونًا في صور شتى وتغولهم، أي: تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله، يعني: نفى التلونَ، ونفى أنها تضل وتهلك. ويشهد له الحديث الآخر: ((لا غولَ، ولكنَّ السعالي سحرة الجن)) أي: ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: ((إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان)) أي: ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها.

ومما يدل على أن الغول موجودة حديثُ أبي أيوب رضي الله عنه: “كان لي تمر في سَهْوة، فكانت الغول تجيء فتأخذ”. انتهى كلامه.

قال المنذري: وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى، ولا طيرة، ولا غول)).

حديث آخر في هذا الشأن:

قال الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى-: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفألُ الصالح، والفأل الصالح الكلمةُ الحسنة)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ويعجبني الفأل الصالح)) لأنه حُسن ظن بالله تعالى. قال الكرماني: “وقد جعل الله تعالى في الفطرة محبة ذلك، كما جعل فيها الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي، وإن لم يشرب منه وإن لم يستعمله، وعند الشيخين -واللفظ للبخاري- عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا طيرةَ وخيرها الفأل، قال: وما الفألُ يا رسول الله؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)). وفي حديث أنس عند الترمذي وصححه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجة يعجبه أن يسمع: يا نجيح، يا راشد)) أي: يستريح إلى ذلك.

قال المنذري: “وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه”.

حديث آخر في هذا الباب:

قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا هشام، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعَثَ عاملًا سألَ عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرِحَ به، ورؤي بِشْر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رؤي كراهيةُ ذلك في وجهه، وإذا دخل قريةً سأل عن اسمها، فإذا أعجبه اسمها فرِحَ بها، ورؤي بشرُ ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤي كراهيةُ ذلك في وجهه)).

وقوله: ((كان صلى الله عليه وسلم لا يتطير من شيء)) أي: من جهة شيء من الأشياء إذا أراد فعله، ويمكن أن تكون: ((مِن)) مرادفة للباء، يعني: ما كان يتطير بشيء مما يتطير به الناس، يعني: بسبب شيء.

((فإذا بعث عاملًا)) أي: أراد إرسال عامل. ((ورؤي)) أي: أبصر وظهر بِشْر ذلك -بكسر الموحدة- أي: أثر بشاشته وانبساطه. وفي (المصباح): البشر بالكسر: طلاقة الوجه.

((كراهية ذلك)) أن ذلك الاسم المكروه يظهر في وجهه، ويدل على أنه يكره ذلك؛ لا تشاؤمًا وتطيرًا باسمه، بل لانتفاء التفاؤل. وقد غير ذلك الاسم إلى اسم حسن، ففي رواية البزار والطبراني في (الأوسط) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ((إذا بعثتم إليَّ رجلًا، فابعثوا حسنَ الوجه حسن الاسم)) قال بعض العلماء: “فالسنة أن يختار الإنسان لولده وخادمه من الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدرَ، كما لو سمى أحد ابنه بخسارة، فربما جرى قضاء الله تعالى بأن يلحق بذلك الرجل أو ابنه خسار، فيعتقد بعض الناس أن ذلك بسبب اسمه، فيتشاءمون ويحترزون عن مجالسته ومواصلته”.

وفي (شرح السنة) للبغوي: ينبغي للإنسان أن يختار لولده وخدمه الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر، روى سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل: “ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن مَن؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحِراقة. قال: أين مسكنُك؟ قال: بحَرة النار. قال: بأيها؟ قال: بذاتِ لظى. قال عمر: أدرك أهلك قد احترقوا، فكان كما قال عمر رضي الله عنه”. انتهى.

وقد تكون في هذه القصة مبالغة. قال القاري: “فالحديث في الجملة يرد على ما في الجاهلية من تسمية أولادهم بأسماء قبيحة: ككلب وأسد وذئب، وتسمية عبيدهم براشد ونجيح، ونحوهما؛ معللين بأن أبناءَنا لأعدائنا، أي: نختار لهم الأسماء التي تغيظ الأعداء، وخدمنا لأنفسنا، فنحن نتعامل معهم، فنسميهم بالأسماء التي تريحنا”. قال المنذري: “وأخرجه النسائي”.

error: النص محمي !!