• العربية
Top
Image Alt

تابع ما يفيده خبر الآحاد عامة، وخبر الصحيحين خاصة

  /  تابع ما يفيده خبر الآحاد عامة، وخبر الصحيحين خاصة

تابع ما يفيده خبر الآحاد عامة، وخبر الصحيحين خاصة

المذهب الثاني: ذهب جماعة من العلماء إلى أن خبر الآحاد يفيد العلم، من هؤلاء الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والحسين بن علي الكرابيسي، وداود الظاهري، وابن حزم، فمن باب أولى ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، وكذا ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، فإنه يفيد العلم واستدلوا على ذلك بما يأتي:

  1. أخبر القرآن الكريم أن خبر الواحد يفيد العلم. قال الله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ} [الممتحنة: 10] والعلم بإيمان المرأة إنما يكون بإخبارها عن نفسها بأنها مؤمنة أو بأن تنطق بكلمة التوحيد.
  2. نهى الله تعالى عن اتباع غير العلم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] فلو كان خبر الآحاد لا يفيد العلم ما أمرنا باتباعه، وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع، ولزوم العمل به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم لكان الإجماع منعقدًا على مخالفة النص وهو ممتنع.
  3. ذم الله على اتباع الظن، فقال تعالى: {إِن يَتّبِعُونَ إِلاّ الظّنّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ} [النجم: 23] وقال تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتّبِعُونَ إِلاّ الظّنّ وَإِنّ الظّنّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقّ شَيْئاً} [النجم: 28] وقال سبحانه: {وَمَا يَتّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنّاً إَنّ الظّنّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقّ شَيْئاً} [يونس: 36] قالوا: فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم بل للظن لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الإجماع.

مناقشة أدلة هذا المذهب:

أما عن الدليل الأول، وهو قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ} [الممتحنة: 10] فإن المراد بالعلم هنا هو الظن؛ لأن معرفة إيمان المرأة المهاجرة لن يكون إلا بإخبارها عن نفسها، ونطقها بكلمة التوحيد، وقد تكون مع ذلك تبطن الكفر، وقد نفى الله الإيمان عن قوم نطقوا بكلمة التوحيد بألسنتهم، ومع ذلك كذََََََََََّبهم الله في دعواهم وهم المنافقون، قال الله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}(8) {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8، 9].

وقال تعالى: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] بذلك قال الله تعالى قبل قوله {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ} {اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ} [الممتحنة: 10].

والمعنى أن الله هو الذي يعلم حقيقة إيمانهن؛ لأنه متولي السرائر، ويعلم الأمور على حقيقتها، أما أنتم فإنكم تعلمون ظواهر الأمور ولا علم لكم بحقيقتها؛ لذلك فأنتم تعلمون ما يظهر من الإيمان فالامتحان إنما هو لكم.

أما عن الدليل الثاني، وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] فالمراد من الآية منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقق منه، كأن يرى شيئا أو يسمع أمرًا، فيشهد بما رأى أو سمع، ولا يجوز له أن يشهد على أمر لم يره أو لم يسمعه على سبيل الظن والتوهم.

أما وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على انعقاد الإجماع على ذلك، والإجماع قاطع فاتباعه لا يكون اتباعًا لما ليس بعلم ولا اتباعا للظن.

قال الغزالي -رحمه الله-: “أما العمل بخبر الواحد، فمعلوم الوجوب بدليل قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق، والظن حاصل قطعًا ووجوب العمل عنده معلوم قطعًا كالحكم بشهادة اثنين أو يمين المدعي مع نكول المدعى عليه”.

أما عن الدليل الثالث، وهو قوله تعالى: {إِن يَتّبِعُونَ إِلاّ الظّنّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ} [النجم: 23] أن المراد من هذه الآيات إنما هو المنع من اتباع غير العلم فيما المطلوب منه العلم، كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ويجب الحمل على ذلك لأن هذه الآيات التي استشهدوا بها على مدعاهم إنما وردت بشأن مسائل العقيدة التي لا يقبل فيها إلا العلم.

فالآية الأولى من سورة “النجم”، إنما عابت على المشركين عبادتهم الأصنام والأوثان من دون الله عز وجل، وهذا إنما أحدثوه من عند أنفسهم، وليس لهم عليه من دليل بل هو كذب وافتراء.

والآية الثانية من سورة “النجم”، إنما عابت على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وادعائهم أن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وليس لهم دليل صحيح على ما ادعوه؛ لأنهم لم يشاهدوا خلق الملائكة ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاهدوه في كتاب، ولكنهم لا يتبعون في ذلك إلا الظن والتوهم.

أما الآية الثالثة من سورة “يونس”، إنما وردت في ختام الآيات التي ناقشت الكافرين في قضية التوحيد، وأن آلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى اختلاقًا وزورًا لا تملك من الأمر شيئًا، وأنهم ليس لهم دليل على دعواهم الكاذبة، وإنما هو مجرد ظن وتوهم من عند أنفسهم.

قال الإمام القرطبي: “وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد، والله أعلم”.

قال الحافظ السخاوي بعد أن ذكر أن الحكم على الحديث بالصحة أو بالضعف إنما هو بالنسبة للظاهر: “وليس المراد القطع بذلك؛ لأن القطع إنما يستفاد من التواتر أو القرائن المحتف بها الخبر ولو كان آحادًا”.

وأما من ذهب كحسين الكرابيسي وغيره إلى أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر والعمل جميعا، فهو محمول على إرادة غلبة الظن أو التوسع، لاسيما من قدم منهم الضعيف على القياس كأحمد فالعلم عند المحققين لا يتفاوت”.

المذهب الثالث: ذهب الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ومن وافقه إلى أن ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما أو أحدهما مقطوع بصحته، وأنه يفيد العلم اليقيني النظري.

قال ابن الصلاح: “وهذا القسم جميعه -أي: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما أو أحدهما- مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به خلافًا لقول من نفى ذلك، محتجًا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ.

وقد كنت أميل إلى هذا، وأحسبه قويًّا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولًا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها وأكثر إجماعات العلماء كذلك”.

ومن فوائد هذا القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته؛ لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.

قال إمام الحرمين: “لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في الصحيحين مما حكم بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما. قال الشيخ: “ولقائل أن يقول: إنه لا يحنث، ولو لم يجمع المسلمون على صحتهما للشك في الحنث؛ فإنه لو حلف بذلك في حديث ليست هذه صفته لم يحنث، وإن كان راويه فاسقًا فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع”.

قال الشيخ ابن الصلاح: “والجواب أن المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرًا أو باطنًا، وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرًا مع احتمال وجوده باطنًا، فعلى هذا يحمل كلام إمام الحرمين فهو اللائق بتحقيقه، فإذا عُلِم هذا فما أخذ على البخاري ومسلم وقدح فيه إمام من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة سنبينه على ما وقع في هذا الكتاب منها إن شاء الله تعالى”. وهذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله تعالى.

وقال في جزء له: “واتفق البخاري ومسلم على إخراجه، فهو مقطوع بصدق مخبره ثابت يقينًا لتلقي الأمة ذلك بالقبول، وذلك يفيد العلم النظري، وهو في إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري، وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق”.

ووافق ابن الصلاح ابن كثير، فقال: “وأنا مع ابن الصلاح فيما عوّل عليه وأرشد إليه”. وخالف النووي ابن الصلاح في ذلك، فقال بعد أن ذكر كلام ابن الصلاح، وإمام الحرمين: “وهذا الذي ذكره ابن الصلاح خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك…”، إلى آخر ما نقلناه عنه عند المذهب الأول.

قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: “ما ذكره النووي في (شرح مسلم) من جهة الأكثرين أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون”.

قال الحافظ ابن حجر: “وقد وقع في أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز، وغريب ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار خلافًا لمن أبى ذلك، والخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوَّز إطلاق العلم قيَّده بكونه نظريًّا، وهو الحاصل عن استدلال، ومَن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظني، لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا عنها.

والخبر المحتف بالقرائن أنواع منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنه احتفت به قرائن منها: جلالة الشيخين في هذا الشأن، وتقدُّم الشيخين في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر.

قال الإمام النووي: “خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون وقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر”. وقال في (شرح مسلم): “لا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما، إجماع الأمة على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم”.

قال الحافظ ابن حجر: أقر شيخنا -أي: الحافظ العراقي- هذا من كلام النووي وفيه نظر، وذلك أن ابن الصلاح لم يقل: إن الأمة أجمعت على العمل بما فيهما، وكيف يسوغ له أن يطلق ذلك، والأمة لم تجمع على العمل بما فيهما لا من حيث الجملة ولا من حيث التفصيل؟ لأن فيهما أحاديث ترك العمل بما دلت عليه لوجود معارض من ناسخ أو مخصص، وإنما نقل ابن الصلاح أن الأمة أجمعت على تلقيهما بالقبول من حيث الصحة.

ويؤيد ذلك أنه قال في (شرح مسلم) ما صورته: ما اتفقا عليه مقطوع بصدقه؛ لتلقي الأمة له بالقبول وذلك يفيد العلم النظري، وهو في إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري، ثم حكى عن إمام الحرمين مقالته المشهورة أنه لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتاب البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما، فهذا يؤيد ما قلنا أنه ما أراد أنهم اتفقوا على العمل، وإنما اتفقوا على الصحة، وحينئذ فلا بد لاتفاقهم من مزية؛ لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول -ولو كان سنده ضعيفًا- يوجب العمل بمدلوله فاتفاقهم على تلقي ما صح سنده ماذا يفيد؟

فأما متى قلنا: يوجب العمل فقد لزم تساوي الضعيف والصحيح، فلا بد للصحيح من مزية، وقد وجدت فيما حكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الأستاذ أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك ما يصرح بهذا التفضيل الذي أشرت إليه، فإنه قال في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول: “مقطوع بصحته”.

قال الحافظ ابن حجر: “فقول الشيخ محي الدين النووي: خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون “غير متجه” بل تعقبه شيخنا شيخ الإسلام -أي: الحافظ العراقي- في (محاسن الاصطلاح) فقال: “هذا ممنوع فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جمع من الشافعية والحنفية والمالكية، والحنابلة أنهم يقطعون بصحة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول”.

قال الحافظ ابن حجر: “وكأنه أراد بهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية فإني رأيت فيما حكاه عنه بعض ثقات أصحابه ما ملخصه: الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له، وعملًا بموجبه أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف”.

وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الأئمة السرخسي وغيره من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب، وأمثاله من المالكية، والشيخ أبي حامد الإسفرائيني والقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسليم الرازي وأمثالهم من الشافعية، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب، وغيرهم من الحنبلية، وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة، وغيرهم كأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي منصور التميمي، وابن السمعاني، وأبي هاشم الجبائي، وأبي عبد الله البصري.

قال: “وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح في (مدخله إلى علوم الحديث) فذكر ذلك استنباطًا وافق فيه هؤلاء الأئمة، وخالفه في ذلك من ظن أن الجمهور على خلاف قوله، لكونه لم يقف إلا على تصانيف من خالف في ذلك كالقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي، وابن عقيل، وغيرهم؛ لأن هؤلاء يقولون: إنه لا يفيد العلم مطلقًا، وعمدتهم أن خبر الواحد لا يفيد العلم بمجرده، والأمة إذا عملت بموجبه، فلوجوب العمل بالظن عليهم، وأنه لا يمكن جزم الأمة بصدقه في الباطن؛ لأن هذا جزم بلا علم.

والجواب: أن إجماع الأمة معصوم من الخطأ في الباطن، وإجماعهم على تصديق الخبر كإجماعهم على وجوب العمل به، والواحد منهم، وإن جاز عليه أن يصدق في نفس الأمر، وهو كاذب أو غالط، فمجموعهم معصوم من هذا كالواحد من أهل التواتر يجوز عليه بمجرده الكذب والخطأ، ومع انضمامه إلى أهل التواتر ينتفي الكذب والخطأ عن مجموعهم ولا فرق”. انتهى كلامه.

قال الحافظ ابن حجر: “وأصرح من رأيت كلامه في ذلك ممن نقل الشيخ تقي الدين عنه ذلك فيما نحن بصدده الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، فإنه قال: “أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع، وإن حصل الخلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها، كأنه يشير بذلك إلى ما نقده بعض الحفاظ، وقد احترز ابن الصلاح عنه، وأما قول الشيخ محي الدين النووي: “لا يفيد العلم إلا إن تواتر” فمنقوض بأشياء:

الأول: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري، وممن صرح به إمام الحرمين، والغزالي والرازي والسيف الآمدي، وابن الحاجب وغيرهم.

ثانيًا: الخبر المستفيض الوارد من وجوه كثيرة لا مطعن فيها يفيد العلم النظري للمتبحر في هذا الشأن، وممن ذهب إلى هذا الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، والأستاذ أبو منصور التميمي والأستاذ أبو بكر بن فورك.

ثالثًا: ما قدمنا نقله عن الأئمة في الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول، ولا شك أن إجماع الأمة على القول بصحة الخبر أقوى من إفادة العلم من القرائن المحتفة، ومن مجرد كثرة الطرق، ثم بعد تقرير ذلك كله جميعًا لم يقل ابن الصلاح، ولا من تقدمه أن هذه الأشياء تفيد العلم القطعي كما يفيده الخبر المتواتر؛ لأن المتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يقبل التشكيك، وما عداه مما ذكر يفيد العلم النظري الذي يقبل التشكيك؛ ولهذا تخلفت إفادة العلم عن الأحاديث التي عللت في الصحيحين، والله أعلم.

قال الحافظ ابن حجر: “وبعد تقرير هذا فقول ابن الصلاح: والعلم اليقيني النظري حاصل به لو اقتصر على قوله: العلم النظري لكان أليق بهذا المقام، أما اليقيني فمعناه القطعي؛ فلذلك أنكر عليه من أنكر لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما يقع الترجيح في مفهوماته، ونحن نجد علماء هذا الشأن قديمًا وحديثًا يرجحون بعض أحاديث الكتابين على بعض بوجوه من الترجيحات النقلية، فلو كان الجميع مقطوعًا به ما بقي للترجيح مسلك، وقد سلم ابن الصلاح هذا القدر فيما مضى لمَّا رجح بين صحيحي البخاري ومسلم، فالصواب الاقتصار في هذه المواضع على أنه يفيد العلم النظري كما قررناه، والله أعلم”.

قال الحافظ ابن حجر: قال الحافظ العراقي: “ما ادعاه ابن الصلاح من أن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته قد سبقه إليه أبو الفضل بن طاهر، وأبو نصر بن يوسف”.

قلت: أراد الشيخ بذكر هذين الرجلين كونهما من أهل الحديث، وإلا فقد قدمنا من كلام جماعة من أئمة الأصول موافقته على ذلك، وهم قبل ابن الصلاح، نعم وسبق ابن طاهر إلى القول بذلك جماعة من المحدِّثين كأبي بكر الجوزقي، وأبي عبد الله الحميدي، بل نقله ابن تيمية كما تقدم عن أهل الحديث قاطبة”.

ذكر الحافظ السيوطي أن جماعة من العلماء ذهبوا مذهب ابن الصلاح في أن خبر الصحيحين يفيد العلم، ولم ينفرد ابن الصلاح بذلك، فقال: “فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح، وذكر الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر ثم قال: وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّل عليه وأرشد إليه، ثم قال الحافظ السيوطي: وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه”. هذا والله أعلم.

error: النص محمي !!