Top
Image Alt

تابع موانع الميراث

  /  تابع موانع الميراث

تابع موانع الميراث

المانع الثالث من موانع الإرث المتفق عليها: اختلاف الدين:

اختلاف الدين بين الوارث والمورث من موانع الإرث، ومعناه: أن يكون الوارث يدين بدين والمورث يدين بدين آخر، ولتفصيل هذا الأمر نتعرض للآتي:

  1.  إرث المسلم من الكافر، وإرث الكافر من المسلم.
  2. 2.     ميراث المرتد.

المسألة الأولى: إرث المسلم من الكافر، وإرث الكافر من المسلم:

اتفقت كلمة جماهير أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وكذلك الأئمة الأربعة على أن المُسلم لا يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم. أما عدم إرث الكافر من المسلم فبإجماع، وأما عكسه فعند الجمهور لا يرث، فلو خلف الكافر ابنًا مسلمًا وعمًّا كافرًا؛ ورثه العم أو المعتق الموافقان معه في الدين, دون الابن المخالف له على المنصوص عليه عند الشافعية.

وكذلك لو مات الزوج المسلم، وكانت زوجته من أهل الكتاب يهودية، أو نصرانية؛ فإنها لا ترثه، وكذلك الحال لو ماتت هذه الزوجة الكتابية فإن زوجها المسلم لا يرثها لاختلاف الدين بينهما، واستدلوا على ذلك بالسنة النبوية المطهرة والمعقول.

  1. 1.     ما ورد في (الصحيحين) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)).
  2. 2.     ما أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يتوارث أهل ملتين)).

ووجه الدلالة من الحديثين: قد دل كل من الحديثين على منع ونفي التوارث بين المسلم وغير المسلم؛ فالحديث الأول صريح في التحديد على منع التوارث بين كل منهما للآخر، كما دل على ذلك الحديث الثاني بنفي التوارث بين أهل الملتين المختلفتين هكذا على الإطلاق، فيُحمل على نفي التوارث بين كل منهما للآخر أيضًا.

وأما المعقول, فإن أساس التوارث يقوم على التناصر والمؤازرة، وهذا منفي مع اختلاف الدين؛ فلا تناصر ولا تآزر بين المسلم والكافر.

الوقت المعتبر في منع التوارث؛ لاختلاف الدين:

الوقت المعتبر في منع التوارث لاختلاف الدين هو: وقت موت المورث؛ إذ إن وقت موت المورث هو وقت استحقاق الإرث، وهو شرط من شروطه، وهو العلم بالجهة المقتضية للإرث كما ذكرنا عند بيان شروط الميراث، وهذا قدر متفق عليه بين جمهور الفقهاء؛ سواء أسلم الكافر قبل قسمة التركة أم لا، وسواء كانت الصلة بالقرابة أو النكاح أو الولاء, خلافًا للإمام أحمد في المسألتين حيث يرى أن الكافر إذا أسلم قبل قسمة التركة ورث ترغيبًا له في الإسلام؛ كذلك المسلم يرث من عتيقه الكافر.

المسألة الثانية: ميراث المرتد:

تعريف الردة في اللغة: الرّدة في اللغة من ارتد عن الشيء بمعنى: رجع وعاد وتحول, فالردة من الارتداد بمعنى الرجوع والتحول, قال تعالى: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]، وتختص الردة بالكفر بعد الإسلام -والعياذ بالله.

تعريف الردة في الاصطلاح: عرف ابن عرفة الردة فقال: الردة: كفر بعد إسلام تقرر بالنطق بالشهادتين مع التزام أحكامهما، والمرتد هو الذي ارتد أي: خرج عن دين الإسلام -والعياذ بالله- إلى دين آخر؛ سواء أكان خروجه إلى دين سماوي، أو إلى غيره فهو مرتد.

وقد عرف صاحب (العذب) المرتد, فقال: “المرتدُّ شرعًا: من كفر بعد إسلامه, ولو مميزًا طوعًا، ولو هازلًا”.

وتتحقق رِدّة الإنسان بإعلانه الخروج عن دين الإسلام، أو إتيانه فعلًا يدل على ذلك كإلقاء المصحف على الأرض متعمدًا مستهزئًا، أو قولًا كـ”سب النبي صلى الله عليه وسلم”, أو إنكاره أمرًا علم من الدين بالضرورة كإنكاره فرضية الصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو إنكار حرمة الزنا، أو السرقة، أو الربا، ونحو ذلك.

مذاهب الفقهاء في ميراث المرتد:

ميراث المرتد له حالتان:

  1.  إرث المرتد من غيره.
  2. 2.     إرث غير المرتد منه.

الحالة الأولى: إرث المرتد من غيره؛ ومعنى هذا أن يكون المرتد وارثًا لغيره أو من غيره، وهذه قد اتفق الأئمة الأربعة على منعها، فلا يرث المرتد أحدًا أبدًا لا المسلم، ولا غير المسلم؛ حتى لو كان المورث على دين المرتد الذي دخل فيه؛ فإن المرتد لا يرثه أيضًا، فلو ارتد أخوان إلى اليهودية معًا، أو إلى النصرانية معًا، ومات أحدهما؛ فإن الآخر لا يرثه.

أما عدم إرث المرتد من المسلم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا يرث الكافر المسلم))، وقد سبق بيانه وإيضاح القول فيه، وأما عدم إرثه من الكافر؛ فلأنه لا يقر على كفره فلم يثبت له حكم أهل الدين الذي انتقل إليه؛ ولهذا لا تحل ذبيحته، ولو كان امرأة لم يجز نكاحها، وإن انتقلت إلى دين أهل الكتاب؛ لأن الردة ليست بملة، وإنما المرتد تزول أملاكه الثابتة له ولا تستقر, فلأن لا يثبت له ملك يكون أولى.

الحالة الثانية: إرث غير المرتد منه؛ معنى هذا أن يكون المرتد مورثًا وغير وارث منه، وهذه الحالة اختلف فيها الأئمة الأربعة على مذهبين:

المذهب الأول لجمهور الفقهاء: ذهب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد إلى أن المرتد لا يورث -أي: لا يرثه أحد- لا من المسلمين ولا من غير المسلمين, بل ولا من أهل الدين الذي انتقل إليه، وماله فيء لبيت مال المسلمين، يتصرف فيه الإمام في المصالح العامة للدولة، وأما عدم إرث المسلم منه فلما ذكرناه من اختلاف الدين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرث المسلم الكافر)).

وأما عدم إرث غير المسلم منه؛ فلعدم إقراره على ردته، وعدم إقراره على الدين الذي دخل فيه بعد أن ترك دين الإسلام الذي هو خير الأديان دينًا، ولا فرق في ذلك بين ما كسبه حال إسلامه أو حال ردته، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.

المذهب الثاني للحنفية: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى التفريق بين أمرين بالنسبة لمن يرث من المرتد، الأول: ما اكتسبه المرتد حال إسلامه، وما اكتسبه بعد كفره وحال ردته. الثاني: الفرق بين الرجل والمرأة في ذلك.

فبالنسبة إلى الأمر الأول, يرى أبو حنيفة أن المال الذي حصله المرتد، أو كان يملكه حال إسلامه يُورث عنه لورثته المسلمين, أما الذي حصله أو ملكه بعد كفره وحال ردته فإنه لا يورث لأحد؛ بل يكون فيئًا لبيت مال المسلمين، ويستدل الأحناف على ذلك بما يروى أن عليًّا  رضي الله عنه قتل المستورد العجلي بالردة، وقسم ماله بين ورثته المسلمين وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينقل أنه أنكر منكر عليه؛ فيكون إجماعًا من الصحابة.

وبالنسبة إلى الأمر الثاني، وهو ما إذا كان المرتد امرأة؛ فإن جميع أموالها التي كانت تملكها حال إسلامها، والتي ملكتها بعد كفرها وحال ردتها -تُورث عنها لورثتها من المسلمين.

سبب التفرقة بين الرجل والمرأة عند الحنفية:

السبب في ذلك: أن المرأة عندهم لا تقتل بالردة ولا يباح دمها؛ بل تجبر على الإسلام.

الرأي الراجح: والذي نراه أولى بالترجيح هو مذهب الجمهور، وهو أن المرتد لا يرثه أحد أبدًا, لا من المسلمين ولا من غيرهم, ولا فرق في ذلك بين الذي اكتسبه حال إسلامه وبين الذي اكتسبه حال كفره, كما أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك؛ وذلك لاستدلالهم بالسنة الثابتة الصحيحة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)) هكذا على الإطلاق من غير تقييد ولا تحديد, ومما لا شك فيه أن المرتد كافر بالإجماع، وما استدل به الحنفية على مذهبهم فإنه لا يقوى على معارضة الحديث الصحيح الذي استدل به الجمهور، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)) فهو الأولى بالأخذ والاتباع -والله أعلم.

المانع الرابع من موانع الإرث المختلف عليها: اختلاف الدارين:

إن الكلام عن اختلاف الدارين كمانع من الميراث إنما هو خاص ومقصور على الكفار فقط، أما المسلمون فلا يضر اختلاف الدارين بينهم, سواء كانت الداران مسلمتين، أو كافرتين، أو إحداهما مسلمة والأخرى كافرة؛ فالمسلم يرث قريبه المسلم إذا قام به سببٌ من أسباب الإرث وانتفت موانعه.

فإذا كان أحدهما في بلد إسلامي، والآخر في بلد إسلامي آخر له حدوده وعسكره وحاكمه الخاص به؛ فالداران هنا تعتبران دارًا واحدة وأمة واحدة؛ لأن الجميع يدين بدين الإسلام، وتحكمهم شريعة الإسلام، وتجمعهم كلمة التوحيد “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. قال تعالى: {هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((المسلم أخو المسلم))؛ فلا يضر أن أحدهما في المشرق والآخر في المغرب.

وكذلك يتم التوارث بينهما إذا كان أحدهما في بلد إسلامي، والآخر في بلد غير إسلامي، أو كان كل منهما في بلد غير إسلامي فلا يضره كل هذا، ويتم التوارث بينهما؛ لأنه يجمعهما دين الإسلام, هذا حكم اختلاف الدارين بالنسبة للمسلمين.

أما حكم اختلاف الدارين بالنسبة للكفار؛ فقد اختلف فيه الفقهاء إلى مذهبين:

المذهب الأول لجمهور الفقهاء: ذهب الحنفية، والشافعية في المشهور، والحنابلة في أحد القولين في غير قياس المذهب؛ إلى أن اختلاف الدارين بالنسبة للكفار يمنع التوارث بينهم حقيقة كحربي وذمي، أو حكمًا كمستأمن وذمي، وكحربيين من دارين مختلفين كتركي وهندي، ووجهتهم في هذا انقطاع الولاية والتناصر والمؤازرة فيما بينهم، والإرث يقوم على هذا كله بين المتوارثين.

المذهب الثاني للمالكية، والحنابلة: ذهب المالكية، والحنابلة، وهو قياس المذهب عندهم؛ إلى أن اختلاف الدارين لا يمنع من التوارث بين الكفار، ووجهتهم في هذا أن العمومات من النصوص تقتضي توريثهم، ولم يرد بتخصيصهم نص ولا إجماع، ولا يصح فيهم قياس فيجب العمل بعمومها، ومفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) أن أهل الملة الواحدة يتوارثان، وضبط التوريث بالملة والكفر، والإسلام دليل على أن الاعتبار به دون غيره؛ ولأن مقتضى التوريث موجود فيجب العمل به ما لم يقم دليل على تحقق المانع.

الترجيح: والذي نرى ترجيحه هو المذهب الثاني للمالكية، والحنابلة القائل بتوريث الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف الدارين لعدم دليل على المنع؛ ولأن العمومات من النصوص تقتضي التوريث دون تخصيص -والله أعلم.

وقد تناول قانون المواريث هذين المانعين -اختلاف الدين، واختلاف الدارين- في مادته رقم 6، ونصها: “لا توارث بين مسلم وغير مسلم، ويتوارث غير المسلمين بعضهم من بعض، واختلاف الدارين لا يمنع من الإرث بين المسلمين، ولا يمنع بين غير المسلمين إلا إذا كانت شريعة الدار الأجنبية تمنع من توريث الأجنبي عنها”.

error: النص محمي !!