Top
Image Alt

تاريخ الاستشراق ونشأته

  /  تاريخ الاستشراق ونشأته

تاريخ الاستشراق ونشأته

لعلّ بعض الباحثين يحاول أن يحدِّد لنا شخصيات معيّنة، ويعتبرها أوّل مَن مارس ظاهرة الاستشراق، بينما يحاول البعض الآخَر أن يدرس هذه الظاهرة دراسة عامة دون تحديد لأسماء معيّنة، أي: يعتبرها أوّل من مارس الاستشراق. ونحن نميل إلى الرأي الثاني؛ لأن تحديد اسم معيّن لمفكِّر معيّن ونعتبره أوّل من مارس الاستشراق يحتاج إلى شيء من الجرأة التاريخية التي نحن في غنًى عنها. والأسلوب العلمي يقتضي منّا: أن ندرس هذه الظاهرة، ونضع مجموعة عوامل أو مجموعة احتمالات لمَن يكون أوّلَ من مارس هذه الظاهرة؛ لأنه إلى هذه اللحظة لا نعرف بالضبط مَن هو أوّل مفكِّرٍ أو مستشرقٍ عُني بالدراسات الشرقية، ولا في أيّة سنة بدأت هذه الظاهرة بالضبط.

ولكن الذي اتفق عليه جمهور المؤرخين لظاهرة الاستشراق، وجمهور المؤرخين للحضارة الإسلامية عمومًا: أنّ ظاهرة الاستشراق بدأت على يد الرهبان الغربيِّين الذين تعلّموا اللغة العربية في بلاد الأندلس، بعد أن انتقل العلْم العربي من موطنه الأصلي، وتُرجم من لغته العربية الأصلية إلى بلاد أوربا عبر محاور معروفة لنا تاريخيًّا كان مِن أهمِّها بلاد الأندلس، وصقلية، ومباشرة الجنود الأوربيِّين ومعايشتهم لبعض البلاد الإسلامية إبّان الحملات الصليبية في العصور الوسطى. مِن خلال هذه المنافذ الثلاثة تخصّص بعض الرهبان في دراسة اللغة العربية، وعرفوها جيدًا، وبدءوا من خلال تعلّمهم ينقلون بعض المصادر العربية إلى اللغات اللاتينية المختلفة. وأخذوا أيضًا يشجِّعون على دراسة اللغة العربية. وكانوا يسمّونها: “لغة المسلمين” أو “لغة الفاتحين”، ويشجّعون الشباب على تعلّمها وانتشارها بين الشباب، لتكون هذه اللغة مقدّمة طبيعية للتعرف على علوم الشرق، وعلى ثقافة الشرق، وعلى حضارة الشرق.

ومن أوائل الرهبان الذين نهضوا بهذه المهمّة -أقول: “من أوائل” ولا أقول: “أوّل”، وفَرْق كبير بين التعبيريْن- من أوائل الرهبان الذين اهتموا بهذه القضية: الراهب الفرنسي الذي عُيِّن بابا لكنيسة روما سنة 999م. بعد أن تعلّم اللغة العربية في الأندلس وعاد إلى بلاده، بدأ يمارس نشاطه في التعرف على علوم الشرق. وعاصَره في نفس الفترة تقريبًا الراهب المشهور (بطرس المحترم) أو (بطرس الناسك). وكان منهم أيضًا الراهب (جيرار دكريمون). هؤلاء الرهبان الثلاثة تعتبرهم كتب التأريخ لظاهرة الاستشراق أوائلَ مفكِّري أوربا الذين مارسوا ظاهرة الاستشراق بعد تعلّمهم للّغة العربية.

عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم ونشروا ثقافة العرب، ونشروا وترجموا أهمّ مؤلفات الفكر العربي التي وقفوا عليها. وبدءوا بعد ذلك يعملون بجد ونشاط على انتشار اللغة العربية، والعلوم العربية في الجامعات التي أسّسوها في بلادهم. فأُنشئت كراسيّ للغة العربية، وكراسيّ للدراسات الشرقية في معظم جامعات أوربا بلا استثناء؛ بل إنّ في هذه الفترة تخصّص بعضُهم في ترجمة القرآن الكريم. ولعلّ أوّل ترجمة للقرآن الكريم تعود إلى هذه الفترة: أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، ممّا يدل على أنّ هذه الظاهرة بدأت بنشاط وبهمّة وبتشجيع من هؤلاء الرهبان لشباب أوربا في جامعاتها المختلفة على تعلّم علوم الشرق.

بل أكثر من هذا، أن الأدْيِرة والكنائس خصّصت أماكن كثيرة في أبنيتها لتعلّم اللغة العربية، والتعرف على علوم الشرق. وأخذت هذه الأديرة تدرس مؤلّفات العرب المترجَمة إلى اللاتينية؛ لأن لغة العرب كانت في هذه اللحظة هي لغة العلْم. واستمرت الجامعات الغربية التي أُسِّسَت فيها كراسيّ وأقسام للغة العربية، تعتمد على كتب العرب، وعلى مؤلّفات العرب كمصادر أصلية للعلم بأنواعه المختلفة في هذه الفترة. ولا نكون مبالِغين حين نقرر: أن اللغة العربية ظلّت لغة العلم الكونيّ حتى نهاية القرن الثالث عشر؛ حتى إنّ مفكّرًا أوربيًّا كبيرًا مثل: “روجر بيكون” كان يقول: “مَن لم يتعلّم اللغة العربية، لا نثق في معلوماته”، أو هكذا قال.

ولم ينقطع من هذا التاريخ -أواخر القرن الحادي عشر وأوائل الثاني عشر- نشاط الأوربيين في ممارسة ظاهرة الاستشراق؛ فقاموا بترجمة القرآن كما قلنا، وترجموا أمّهات الكتب العربية. وامتد ذلك إلى القرن الثامن عشر، وهو البداية الطبيعية لما يُسمّى بعصر الاستعمار الغربي. في هذا العصر بدأ الغرب يستعمر أو يحاول أن ينتقل من قضية الاستعمار العقلي والغزو الفكري إلى المرحلة التالية التي نحن نعتبرها نتيجة طبيعية للغزو العقلي أو الغزو الفكري للبلاد الإسلامية، بدأ في استعمار هذه البلاد استعمارًا عسكريًّا.

فإذًا في هذه المرحلة وجَدْنا عددًا كبيرًا من علماء الغرب يتخّصصون في فروع دقيقة جدًّا من فروع الثقافة الإسلامية. منهم مَن تخصَّص في دراسة القرآن الكريم وعلومه كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، وبدأ من خلال دراساته يضع يده على بعض الآيات القرآنية التي تدخل تحت ما يُسمَّى بـ”المتشابِهات”، ويثير حولها كثيرًا من اللغَط، وكثيرًا من الشُّبهات، وكثيرًا من الشكوك. وبعضُهم تخصّص في علوم السُّنة، وبدأ أيضًا يصوِّب سهامه إلى بعض الأحاديث المكذوبة على الرسول صلى الله عليه  وسلم .

وأكثر من هذا، وجدنا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر: أن ظاهرة الاستشراق تطوّرت وبدأت تدخل مرحلة من مراحل التنظيم والعمل الذي ترعاه الحكومات وتتبنّاه الدّول بشكل أساسي؛ فعُقدت مؤتمرات كثيرة جدًّا للمستشرقين لمراجعة أعمالهم في السنوات الماضية، ووَضْع خطط وما يمكن أن يُسمّى بأوراق عمل للمراحل التالية. فعُقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام 1873م. وابتداءً من هذا التاريخ بدأت مؤتمرات المستشرقين تتوالى عامًا بعد عام في أماكن مختلفة في أوربا؛ بل تخطّت جغرافيًّا دول أوربا، وانعقد بعضها في الشرق في دولة إسرائيل، أو في أرض فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل مؤتمر سنة 1935م و 1936م كان يعرف بمؤتمر المستشرقين أو مؤتمر المبشِّرين.

وفي هذه اللحظة أو في هذه النقطة بالذات، أودُّ أن أشير إلى: أنّ أهداف الاستشراق التقَتْ مع أهداف التبشير، وربما مع أهداف الاستعمار العسكري.

هنا نقطة مهمة جدًّا: أهداف الاستشراق، وأهداف التبشير، وأهداف الاستعمار العسكري، التقت كلّها تحت مظلة عمل المستشرقين ونشاط المستشرقين، ولذلك وجدنا: أن السفارات الأوربية في معظم البلاد العربية والإسلامية نجد أن كثيرًا من الموظفين القائمين بمهام دبلوماسية في هذه السفارات هم في الحقيقة مستشرقون يُجيدون لغة البلد التي يعملون بها، ويعرفون ثقافتها ونشاطها وعقائدها وظروفها الاجتماعية والحضارية والسياسية. وهؤلاء يتولّون وضْع أوراق العمل لأصحاب القرار السياسي المتصّلة بهذه المنطقة الجغرافية من العالم. فكأنّ مهمّة المستشرق جمعت بين أمريْن: بين مهمّته كعالِم في ظاهرة الاستشراق، ومهمّته كرجل دولة يرسم الخطط لأصحاب القرار السياسي بناءً على معرفته العلمية بالمنطقة الجغرافية التي يعيش فيها.

هذه لمحات موجزة عن تاريخ ظاهرة الاستشراق.

مما ينبغي الإشارة إليه أيضًا: أن هناك معاهد كثيرة جدًّا أُسست في الغرب لدراسة الاستشراق. وهناك جمعيات كثيرة جدًّا من المستشرقين تعاونت مع هذه المؤسسات الدراسية في دراسة العالَم الشرقي كلّه قديمه وحديثه. بل وأيضًا، هناك مَن تخصّص في رسم خرائط جغرافية سياسيًّا وثقافيًّا لأصحاب القرار السياسي مستقبليًّا لمنطقة الشرق الأوسط بالذات، وللشرق كلّه بصفة عامة.

error: النص محمي !!