Top
Image Alt

تاريخ التشريح في العالم الإسلامي

  /  تاريخ التشريح في العالم الإسلامي

تاريخ التشريح في العالم الإسلامي

هل علاقة المسلمين بالتشريح علاقة طارئة حديثة معاصرة، أم قديمة؟

عَرَف المسلمون منذ صدر الإسلام التشريح الجزئي، بمعنى: جراحة عضو واحد من الأعضاء، وكيف يتم علاج هذا العضو، وما يتصل بالعدوان عليها، وتقدير الدية فيها أو أُرُوش الجنايات، كما قال سبحانه: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]، حيث يحتاج الأمر معرفة كل عضو وفوائده، ومقدار الدية أو مقدار أروش الجناية عليه؛ فهذه الأمور تحتاج إلى خبرة وتجربة لمعرفة ما أصابَ كُلّ عضو؛ فكانَ ذلك معرفة جزئية بعلم التشريح، ثم تطور الأمر عند الفقهاء والعلماء والفلاسفة من أمثال: ابن سينا، والرازي، وابن النفيس، والزهراوي، وغيرهم.

يقول الدكتور عبد الحكيم الغرياني: “لما جاء الإسلام لفت أتباعه إلى علم الطب، وإلى ضرورة الأخذ بالأسباب، وبَيّن رَسُولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه أن لكل داءٍ دواءً إلا داء السام، أي: الموت، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((تداووا عبادَ الله)) وهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب ما لم تصرفه عن ذلك قرينة.

(( فإنّ الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء غير داء واحد، قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهَرَم)) أي: الشيخوخة والموت؛ فكان حديث النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته أحد المحفزات والدوافع على البحث، والتصميم على الوصول إلى الملاحظات والعلاجات المختلفة للأمراض المتعددة.

وقد عُني الخلفاء في العصرين الأموي والعباسي بهذا العلم -علم التشريح- فشجّعوا العلماء، وأقاموا المستشفيات، وظَهَر من كبار الأطباء والفلاسفة العرب أبو بكر الرّازي؛ الذي يُعتبر أحد كبار الأطباء الذين عرفتهم البشرية، وابن النّفيس وهو الذي اكتشف الدورة الدموية، وابن سينا الذي اعتمد في التشخيص على أربعة أمور: “النّبض، وتغير اللسان، وتغير الوجه، وتغير البول”.

وكان الزهراوي أعظم الجرّاحين وله في الجراحة وسائل مبتكرة، وإلى الرازي ينسب اختراع الفتيل في الجراحة، وألّفَ كِتَابه (الحاوي) الذي تُرجم إلى اللغة اللاتينية؛ بل وسائر لغات العالم، وظل مرجعًا يُعْتَدّ به في معظم الجامعات الأوربية، وابن سينا أيضًا صاحب كتاب (القانون في الطب) وقد قسمه خمسة أقسام:

الأول: في الأمور الكلية في الطب.

الثاني: في الأدوية المقررة، الموضوعة على حروف المعجم.

الثالث: في الأمراض الجزئية، الواقعة بأعضاء الإنسان.

الرابع: في الأمراض الجزئية إذا وقعت، لم تختص بعضو.

الخامس: في الأدوية المركبة.

هذا كتاب (القانون في الطب) لابن سينا، وقد ظل هذا الكتاب المرجع في الطب مدة أطول من أية مدة بلغها كتاب طبي آخر، وتُرجِم هذا الكتاب إلى أكثر لغات العالم.

كذلك قام ابن النفيس -فضلًا عن اكتشافاته وابتكاراته- بتأليف كتاب (شرح تشريح القانون) وقد نُقل إلى اللاتينية، وطُبع في البندقية.

أما الزّهراوي فهو أعظم طبيب جراح بين العرب وغيرهم، وكُتبه عظيمة، وأعظمها كتابه (التصريف لمن عجز عن التأليف) وهو موسوعة طبية ودائرة معارف، تقع في ثلاثين مجلدًا في أقسام ثلاثة: “الطب، الجراحة، الأدوية”، وفي هذه المجموعة شرح تفصيلي لأعضاء الجسم، ووصف العمليات الجراحية والآلات المُستخدمة.

وفَنُّ الجراحة أفضلُ ما أنتجه العرب في فن الطب، ونحن نعلم أن الجراحة هي ثمرة التشريح؛ لأنها جراحة للأعضاء، ولا بد للقائم بها من معرفة هذه الأعضاء، وكيفية اتصال كلٍّ منها بالآخر”.

إذًا: فن الجراحة القائم على التشريح هو أفْضَلُ ما أنتجه العرب في علم الطب.

يضيف إلى ما قاله الدكتور عبد الحكيم الغرياني، الدكتور أحمد شرف الدين حيث يقول: رغم أنه لم يرد نص صريح للتشريح في الشرع والفقه، إلا أن الأطباء المسلمين قاموا بأنفسهم بعمليات التشريح، وإن لم يكونوا يجرءون على التصريح بذلك.

ولقد برَع علماء مسلمون في فنون طبية مختلفة، تقتضي الإحاطة بتركيب جسم الإنسان ووظائف أعضائه، وهذا هو علم التشريح. ومن هؤلاء القائمين والبارعين في هذه الفنون الطبية: ابن النفيس، الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى، وابن الهيثم الذي قام بتشريح العين.

ولقد استفاد رجالُ الفقه الإسلامي من نتائج علم التشريح؛ فكثيرًا ما تجدهم يستشهدون بهذا العلم للتدليل على صحة الحُكم، الذي يأخذون به بِخُصوص مسألة معينة؛ فهذا مثلًا القرافي -من المالكية- يستشهد بعلم التشريح؛ للتدليل على صحة ما يذهب إليه مذهبه من أنه يُستحق في عين الأعور دية كاملة، على أساس أن العين الذاهبة يرجع ضوءها للباقية؛ لأن مجراهما في التنوير أو في النور الذي يحصل به الإبصار واحد، كما يشهد به علم التشريح.

أي: لما أراد العلماء تقدير الدية على عين الأعور، فالمفترض أن فيها نصف الدية؛ لأنّ كل الأعضاء التي تتكرر في جسم الإنسان تكون الدية بين العناصر المتكررة، أي: في قطع اليدين دية، وفي قطع واحدة نصف دية، وفي قطع إصبع واحد جزءٌ من خمسة من دية اليد، وفي قطع الأصابع العشرة دية كاملة، وهكذا.

فالعلماء أو الفقهاء احتاجوا إلى علم التشريح في إثبات الحكم الشرعي؛ فبالنظر مثلًا في عين الأعور فالمفترض أنها عين واحدة؛ فيكون فيها نصف الدية؛ لكنّ الفُقهاء جعلوا لإصابة عين الأعور وإذهاب بصرها ديةً كاملةً، قالوا: لأن النور الذي كان سببًا في إبصار العين الأخرى قبل العَوَر قد انتقل إلى العين العوراء؛ لأنّ المجرى واحد، مجرى النور والإبصار. فما دام الأمر كذلك وهذا من علم التشريح؛ فقد استفاد الفقهاء من هذا العلم في إثبات الدية الكاملة، على عين الأعور وهي واحدة.

إذًا: علم التشريح عُرِفَ في عصور التاريخ الإسلامية المتعددة، من لدن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مرورًا بخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس، وقيام العلماء الكبار والفلاسفة بأمور طبية عديدة، كمن نبغَ منهم من أمثال: ابن سينا، والرازي، والزهراوي، وابن النفيس، وغيرهم كثيرون، حتى إن الفقهاء أيضًا اعتمدوا على علم التشريح؛ لمعرفة مقدار الدية ومعرفة أروش -أي: فروق- الجنايات.

error: النص محمي !!