Top
Image Alt

تاريخ الحسبة، وأهم الكتب المؤلفة فيها، وشبهات حول نظام الحسبة في الإسلام

  /  تاريخ الحسبة، وأهم الكتب المؤلفة فيها، وشبهات حول نظام الحسبة في الإسلام

تاريخ الحسبة، وأهم الكتب المؤلفة فيها، وشبهات حول نظام الحسبة في الإسلام

أولًا: تاريخ الحسبة:

في حقيقة الأمر لا نستطيع أن نحدِّد بالضبط منشأ الحسبة كنظام مطبّق, ينفرد بتنفيذه موظّف أو موكّل أو مكلّف يُطلق عليه اسم “المحتسب”, والأرجح: أنه نشأ في أيّام الدولة العباسية، كما ذهب إلى ذلك كثير من الباحثين والدارسين.

أما من حيث التطبيق, وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان موجودًا منذ صدر الإسلام، قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}. [آل عمران:104].

وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن رأى منكم منكَرًا فلْيغيِّرهُ بيده, فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان)).

ويُذكر في هذا الصدد أن النبي صلى الله عليه وسلم ولَّى سعيد بن العاص على السوق بعد فتح مكة، وأنّ الخلفاء الراشدين كانوا يتولّوْن أمْر السوق، أو يكِلون أمْره إلى مَن يقوم نيابة عنهم بمراقبته. كما تذكر كتب التاريخ: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالأسواق، إذا وجد غشّاشًا ضرَبه بدرّته.

ولم تنشأ وظيفة المحتسِب كولاية معقودة لوالي الحسبة, إلا في أيام الدولة العباسية، مع الاختلاف في تحديد تاريخ نشأتها بشكل دقيق. وثمّة دراسات حديثة اعتمدت على عدّة نصوص، وكلها تشير إلى نشأة نظام الحسبة في العهد العباسي.

والمعطيات التي بنى عليها بعض الباحثين قولَهم: إنّ نظام الحسبة نشأ في بداية العصر العباسي، منذ عهد الخليفة المنصور، ثم الرشيد -على اختلاف في ذلك- هو اختلاف, لا يبعد كثيرًا عن القول بأنّ هذا النظام قد نشأ في أحضان الدولة العباسية، سواء في بدايتها أو في وسطها، أي: في العهد العباسي المزدهر.

ومع ذلك، فإننا نستطيع أن نؤكِّد أنّ الحسبة كانت موجودة في عهد الخلفاء الراشدين، وفي عهد الأمويِّين, وقد لا يكون هناك ديوان خاص، أو موظف يُطلق عليه اسم “المحتسِب”، وإنما كانت صلاحيات المحتسِب تدخل ضمن الواجبات المباشرة للخليفة أو مَن ينوب عنه.

وإذا كانت بعض كتب التاريخ تذكر أنّ نظام الحسبة كان معروفًا في أيام الحُكم الروماني في الشام، فمِن المؤكّد أنّ فكرة الحسبة في الإسلام تختلف عن فكرة الحسبة عند الرومان، كما أن نظام الحسبة في الإسلام مستمَدّ من الفكرة العامّة التي توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تُعَدّ أساسًا من أسس خيرية هذه الأمّة بنص كلام ربِّ العالمين, في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران:110].

ثانيًا: الكتب المؤلَّفة في الحسبة:

لو رجعنا إلى الكتب والمباحث التي تناولت موضوع الحسبة في الإسلام من الناحية الفقهية والتشريعية، أو من الناحية التطبيقية، لوجدناها كثيرة؛ سواء المطبوع، أو المخطوط، أو حتى المفقود، وسواء أكان ذلك لدى المؤلِّفين القدماء أو الباحثين المعاصرين.

وعلى أية حال، فممّن كَتب في موضوع الحسبة حديثًا الأستاذ الفاضل: محمد المبارك، الذي كتب كتابًا عن الدولة ونظام الحسبة عند ابن تيمية. وفي هذا الكتاب عرَض لموضوع الحسبة عرْضًا علميًّا رصينًا، واستقصى المباحث التي كُتبت فيها. كما تحدّث في هذا الكتاب عن الدولة، ومدى جواز تدخّلها في الشئون الاقتصادية.

وقد تحدّث في كتابه أيضًا عن التأليف في الحسبة, وعرَض لِمَن كتب في الحسبة بطريقة استقصائية تقريبًا، وقسمهم إلى قسميْن:

القسم الأول: يشمل العلماء الذين كتبوا في الحسبة بطريقة عرضية، دون أن يُفردوا لها كتابًا مستقلًّا. ومن أهمّ هؤلاء: الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي، في كتابيْهما المتشابهيْن اسمًا ومضمونًا، أي: (الأحكام السلطانية).

وقد تناول كلٌّ منهما في كتابه جميعَ ما يتعلّق بنظام الحُكم، وشئون المال، ومباحث القضاء، وكلّ ما يتعلّق بالدولة الإسلامية وما يرتبط بها من مباحث، بطريقة فقهية منظّمة. وقد عرضا أيضًا لموضوع الحسبة في الإسلام، وبيّنا جميع ما يتعلّق به من أحكام.

كما كتب عدد من العلماء الآخَرين فصولًا خاصّة في كتبهم عن الحسبة أو بعض مسائلها وقضاياها؛ ومِن هؤلاء مثلًا: الإمام الجويني في (غياث الأمم في التياث الظلم)، والإمام الغزالي في (إحياء علوم الدِّين)، وابن خلدون في مقدّمته، وغيرهم.

أمّا القسم الثاني: فيشمل الكتب التي بَحثت في موضوع الحسبة بشكل مستقلّ, ومن أهم هذه الكتب:

1. “نهاية الرتبة في طلب الحسبة” لعبد الرحمن بن نصر السجزي. وقد قام بنشره السيد الباز العريني، بإشراف الأستاذ محمد مصطفى زيادة.

ويُرجع الناشر أهمية هذا الكتاب لعدّة ميزات، منها: أنّ مؤلفه أسبقُ المؤلِّفين من الناحية العملية في الشرح الإسلامي، ولم يتناول أحد موضوع الحسبة بمثل ما تناوله هذا الكتاب؛ لأن كتابة الماوردي في الحسبة تختلف عن كتابة السجزي؛ فالماوردي والغزالي وأبو يعلى يتناولون الحسبة من الناحية الفقهية التشريعية، بخلاف السجزي فإنه يتناولها من الناحية العملية التطبيقية.

ويتألف كتاب (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) للشيزري من أربعين بابًا؛ يبحث المؤلِّف في الباب الأوّل منها فيما يجب على المحتسِب من شروط الحسبة ولزوم مستحقّاتها, ويبحث في الباب الثاني في النظر في الأسواق والطّرقات, ويبحث في الباب الثالث في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم, ويبحث في الباب الرابع في الموازين والمكاييل.

ثم يبتدئ بعد ذلك في البحث عن الحسبة في كلِّ مهنة من المهن، كالخبازين والفرّانين، والجزارين والشوّايين والطباخين، حتى يصل إلى الباب الثامن والثلاثين، فيتكلّم في الحسبة على مؤدِّبي الصبيان، ثم في الحسبة على أهل الذِّمّة في الباب الأربعين والأخير، والذي يشتمل على جُمل وتفاصيل في أمور الحسبة، وبَعْدها عرَض ما يلزم المحتسِب فعله من أمور الحسبة, في صالح الرّعيّة.

2. (معالم القربة في أحكام الحسبة) لمحمد بن محمد القرشي المشهور بابن الْأُخُوَّةِ. وقد تضمن هذا الكتاب سبعين بابًا, وهو مقتبس من كتاب السجزي. وقد طبعه أحد المستشرقين من أساتذة جامعة “كمبردج” مع ترجمته إلى اللغة الإنجليزية.

3. (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) لابن بسّام، ويقع هذا الكتاب في “118” بابًا، وهو غير مطبوع. وتوجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة الوطنية بالقاهرة، ونسخة في المتحف البريطاني. وهو مأخوذ من كتاب السجزي، مع زيادات عليه.

ونشر بعض الباحثين المعاصرين دراسات عن الحسبة؛ سواء في بحوث علمية، أو رسائل أكاديمية، أو تحقيقات في مجلات متخصِّصة، أو غير ذلك.

كما أُلقِيَتْ بعض المحاضرات في الحسبة, في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي, الذي انعقد في جامعة دمشق عام “1961م” من فضيلة الشيخ محمد أبي زهرة، وفضيلة الشيخ علي الخفيف. وهذه المحاضرات موجودة ضمن كتاب “أسبوع الفقه الإسلامي” المطبوع في القاهرة.

ثالثًا: شبهات حول نظام الحِسبة في الإسلام:

ما برح أعداء الإسلام يتفنّنون في محاربة الدِّين الإسلامي، وصرْف الناس عنه، وصدّهم عن الإقبال عليه، تارة عن طريق المواجهة العالميّة -وقد أثبتتْ هذه فشلَها في تحقيق ما يطمحون إليه- وتارة عن طريق الوسائل الخفيّة؛ كإثارة الفتن والدسائس والشبهات حول قواعد الدِّين الأساسية ومبادئه السامية، في محاولة لتوْهينه وزعزعة الثقة به؛ ليسهل عليهم بعد ذلك القضاءُ عليه، مُتناسين في خضمِّ محاولاتهم اليائسة أنّ الله عز وجل تكفّل بحفظ هذا الدِّين إلى قيام الساعة، فتكفّل بحفْظ قرآنه الكريم بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحِجر:9],

كما تكفّل بحفْظ الدِّين في أصوله وقواعده العامّة، فقال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون} [التوبة:32].

ومن القواعد الأساسية, التي عمِل أعداء الإسلام على إثارة الشبهات حولها: قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, التي هي قوام الحسبة، أو أساس الحسبة، أو موضوع الحسبة؛ وذلك بهدف تعطيل العمل بهذه الفريضة السامية، والحدّ مِن نطاقها، بعدما علِموا أنها صمام الأمان للمجتمع المسلم في دينه وأخلاقه وآدابه العامّة، بل وفي علاقاته مع الآخَرين، ثمّ هي خطّ دفاعه الأوّل ضدّ كلِّ مَن تُسوِّل له نفسه تخطِّي حدود الشرع والاعتداء على حمى الإسلام وانتهاك حرمة الأخلاق.

ويمكن إجمال أهمّ هذه الشُّبهات فيما يلي:

  1. تعارض الحسبة مع الحرية الشخصية.
    1. الاهتمام بإصلاح النفس، حيث لا يضرّنا ضلالُ الآخَرين.
    1. اقتصار الاحتساب على الوالي.
    1. ترك الاحتساب؛ بسبب تقصير الإنسان وارتكابه المعاصي. 

أمّا شبهة اقتصار الاحتساب على الوالي في إطار تنظيم عمليّة الاحتساب، فسنتناول الرّدّ عنها ضمن: اشتراط الإذن من الإمام للقيام بالحسبة.

وكذلك سنتناول الرد على شبهة ترك الاحتساب؛ بسبب تقصير الإنسان وارتكابه المعاصي، ضمن: شرط العدالة في المحتسِب أيضًا.

ويتبقى معنا هنا شُبهتان:

الشبهة الأولى: تعارض الحسبة مع الحرية الشخصية؛ حيث يَدّعي بعض الناس أنّ في قيام المسلم بالاحتساب, تدخّلًا في شئون الآخَرين الخاصة، ومَنْعهم من ممارسة حرياتهم الشخصية، بأمْرهم بالمعروف الذي لا يرغبون في فعْله كأمْرهم بالصلاة الواجبة، ونهْيهم عن المنكر الذي يرغبون فيه، كشرْب الخمر وارتكاب الزنا.

وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [البقرة:265].

وللجواب عن هذه الشبهة، نوضّح في إيجاز شديد معنى “الحرية” في اللغة والاصطلاح، فنقول:

“الحرية” لغة مِن: “الحُرّ” بالضم وهو نقيض “العبْد”، مأخوذة من ذلك لأنه خلص من الرِّقّ. والحُرّة نقيض الأمَة. ويقال: “سحابة حُرّة” أي: كثيرة المطر.

أمّا “الحرّيّة” في الاصطلاح فهي باختصار: القدرة على التصرف بملء الإرادة والاختيار.

والحقّ: أنّ المُنصف المطّلع على مبادئ الحرية في النظم البشرية المختلفة، يجد أنّ الإسلام هو النظام الوحيد الذي أقام الحرية على أسس راسخة وقواعد ثابتة، استمدّ أصولها من النصوص والأحكام العامّة الشاملة، والصالحة لكلّ زمان ومكان.

لقد كفَل الإسلام حرِّيّة الاعتقاد والرأي، فقال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]، ورفع الظّلم، وحقّق العدالة التي هي مِحور الحرية، فقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء:58].

وهناك نصوص في القرآن الكريم وفي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكلّها تؤيِّد مفهوم الحرية في المنظور الإسلامي.

إنّ الإسلام قد كرّم الناس وساوى بينهم، قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحُجُرات:13].

والأدلّة كثيرة في القرآن والسّنة, على أنّ الحرية في الإسلام أصل عام يمتد إلى كلّ مجالات الحياة. فما مِن مجال فيها تدعو الحاجة إلى الحرية فيه, إلا ويستطيع المسلم أن يمارس الحرية فيه وفْق ضوابط وحدودٍ معيّنة وضَعها الإسلام، واعتبر الخروج عليها تعدِّيًا وإساءةً في استخدام هذا الحق، سواء على المستوى الشخصي، أو على المستوى الفكري، أو على المستوى الاقتصادي.

فالإنسان حُرّ في تصرّفاته ما لم تُصادِم حريّتُه حرِّيّةَ الآخَرين، أو ما لم تُخالِف مبادئ الدِّين وقواعده الأساسية. فأنت حُرّ ما لم تضُرّ؛ وحرِّيّتُك تنتهي عندما تمسّ حريّة الآخَرين, وفي ارتكاب المنكَر تَعَدٍّ وإساءةُ استخدام للحرية، وتجاوز للحدود التي رسَمَها الشرع لها؛ وهذه مسألة لا ينبغي أن تكون محلًّا لخلاف أو لجدال. فليس من الحرِّيّة أن يرتكب الشخص مثلًا جريمة الزنا التي تُعتبر تعدِّيًا سافرًا على الأعراض والأنساب، أو جريمة السرقة التي تُعَدّ أيضًا تعدِّيًا على حرمة أموال الآخَرين، أو نشر الآراء الضّالّة تحت ما يُسمّى بحرية الرأي؛ لأن هذا النوع من الحرية, العاري عن الضوابط ما هو إلا انفلات, يؤدِّي إلى ضياع المجتمع وهلاكه.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أثر إساءةِ استخدام الحرية الشخصية، وعدم تدخّل الآخَرين في منْع المسيء والأخْذ على يده وتقويمه، فيما رواه البخاري في (صحيحه) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ, وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ, فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)). أخرجه البخاري.

فمثّل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لِمُرتكِب المنكَر بالذي أراد خرْق السفينة, وتعريضَها بفعْله للغرق والهلاك. وأمّا ما عداه من الناس، فهُم: إمّا قائم على حدود الله عز وجل, فيأخذ على يد مُرتكِب المنكَر ويَمنعُه منه، فيُنجي نفسَه ويُنجِيه معه، فيحفظ الجميعَ من سوء استغلال ذلك الشخص لحرِّيّته، وإمّا مُداهن مُراءٍ كما وضّحته الرواية الأخرى للحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ, وَالْوَاقِعِ فِيهَا…)) إلخ. هذا المداهن يَرضى بالمنكَر ولا يعمل على تغييره، فيؤدّي سكوتُه ورضاه بالمعصية إلى هلاكِه وهلاك العاصي, وهلاك المجتمع بعد ذلك.

أما استدلال أصحاب هذه الشبهة: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:265] فمردود بالنصوص الكثيرة الواردة في فرضيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ومن ذلك قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [آل عمران:104]؛

فصدر الآية { وَلْتَكُن } فعْل أمْر، ثمّ ختام الآية بأسلوب الحصْر: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}؛ هذا كلام ربِّ العالمين، ووعْده لا يتخلّف أبدًا.

وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده! لتأمُرُنّ بالمعروف ولتَنهَوُنّ عن المنكَر، أو ليُوشِكَنّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عقابًا منه، ثم تدعوه فلا يُستجاب لكم))، وفي رواية أخرى: ((ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))، رواه الترمذي.

كما أنّ استدلالهم بالآية الكريم في غير موضعه؛ لأنّ المراد بها هو عدم إكراه غير المسلمين على الدخول في الإسلام ابتداءً، أي: إنه لا إكراه في الدِّين بداية.

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة:265]: “أي: لا تُكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بيِّن واضِح, جلِيٌّ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحدٌ على الدخول فيه؛ بل مَن هداه الله للإسلام وشرَح صدره ونوّر بصيرتَه دخل فيه على بيِّنة, ومَن أعمى قلْبَه وختَم على سمْعه وبصَره، فإنّه لا يفيده الدخولُ في الدِّين مُكرَهًا”.

الشبهة الثانية: الاهتمام بإصلاح النفس، حيث لا يَضُرّنا ضلالُ الآخَرين.

فقد أحجم بعضُ الناس عن القيام بفريضة الاحتساب، متأوِّلين في ذلك قولَه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105], فقالوا: إنّ الآية الكريمة تُبيِّن أنّ الإنسان مأمور بالاهتمام بإصلاح نفسه وتقويمها، فلا يَضُرّه بعد ذلك ضلالُ الناس وعدمُ اهتدائهم؛ ممّا يدلّ على أنه لا يجب عليه الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر. ويؤكِّد هذا المعنى ويوضِّحه, ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتّبَعًا، ودُنيَا مُؤثَرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه؛ فعليْك بخاصّة نفسك, ودَعْ عنك أمْرَ العامّة)). أخرجه الترمذي, وأخرجه أبو داود في “سنَنه”، وابن ماجه في “سنَنه”.

والجواب عن هذه الشبهة ميسور -إن شاء الله تعالى- وذلك مِن عدّة وجوه، منها:

أوّلًا: ذكَر العلماء في تفسير هذه الآية الكريمة: أنّ المؤمنين كان يشتدّ عليهم بقاءُ الكفّار على كفْرهم وضلالهم، وكانوا يتمنّوْن دخولَهم في الإسلام، فأنزل الله عز وجل هذه الآية للتخفيف عنهم وتسليَتهم. فبيّن الله لهم فيها: أنّ على المؤمنين إلزام أنفسهم طريق الإيمان والهداية والصلاح، والقيام بما أوجبه عليهم، فلا يضرّهم ضلالُ مَن ضَلّ ومَن حادَ عن الصراط المستقيم، كقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164].

ومِن جملة ما أوجبه عليهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإن فعَلوا ذلك فقد خرجوا عن عهدة التكليف.

فإن لم يُقبل منهم، فينبغي ألا يستوحشوا من ذلك؛ لأنه لا يلزمهم استجابة الناس، لقوله تعالى:{ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ }[آل عمران:20],ولأنّ الهداية مِن الله عز وجل يُوفِّق لها من يشاء، قال تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [البقرة:272]. والآيات في هذاالمعنى كثيرة أيضًا:{فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}[الكهف:29].

ويقول الزمخشري في “الكشاف”، بعد ذكْر تفسير الآية الكريمة: “وليس المراد: ترْك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنّ مَن ترَكها مع القدرة عليها فليس بِمُهتدٍ، وإنما هو بعض الضلال”. وقد ورد هذا المعنى في تفسير (فتح البيان في مقاصد القرآن), وذكَره أيضًا القاسمي في تفسيره (محاسن التأويل).

ثانيًا: من وجوه الجواب عن هذه الشبهة أيضًا: أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ثابت بالقرآن الكريم والسُّنّة النبوية والإجماع، وهذه الأدلّة في مجموعها من القوة والكثرة بحيث لا يمكن القول, بأنّ هذه الآية ناسخة لفرضيّتها.

بل إنّ أكثر علماء التفسير يقولون: إن هذه الآية من الآيات الدالة على وجوب الحسبة. وقد نقلوا عن عبد الله بن المبارك قوله: “هذه أوْكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قال: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] يعني: عليكم أهلَ دينِكم, ولا يَضرّكم من ضلّ من الكفار”.

ثالثًا: هذه الشبهة قديمة؛ فقد ردّدها بعض الناس في الصدر الأوّل للإسلام، في زمن الخليفة الأوّل أبي بكر الصِّدّيق رضي الله عنه. وقد روى قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنهم أنه قال: “يا أيها الناس, إنكم تقرءون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105],

وإنّا سمِعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّ الناس إذا رأوا المنكَر فلَم يغيِّروه؛ أوشك أن يَعُمّهم الله بعقابه))”.

ففي هذا الحديث يُبيِّن الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطأ المستدِلِّين بهذه الآية, على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُبيِّن عقوبة مَن يتهاون في القيام بهذه الفريضة، كما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: أمّا استدلالهم بالحديث الشريف على ما ذهبوا إليه، فالجواب عنه: أنّ تمام الحديث يدلّ على خلاف ما استدلّوا عليه به؛ فعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني, فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قال: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105].

قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا؛ سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((بل ائْتمِروا بالمعروف، وتناهَوْا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتّبَعًا، ودنيا مؤثَرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصّة نفسك, ودعْ العوام؛ فإنّ مِن ورائكم أيامًا الصّبرُ فيهنّ مثْل القبْض على الجمر؛ للعامل فيهنّ مثْل أجْر خمسين رجلًا يعملون مثْلَ عمَلِكم)).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بل ائتمِروا بالمعروف، وتناهَوْا عن المنكر)) واضحٌ في دلالته على وجوب هذه الفريضة، وأنّ الآية الكريمة لا تدلّ على سقوطها. ثمّ إن قوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا…)) إلخ يدل على الرخصة في ترْك تغيير المنكَر باليد واللسان عند تعذّر ذلك؛ لشيوع الفساد وغلبَته على العامة.

وعلى كل حال، فإنّ الواجب في مثل هذه الحالة: الإنكار بالقلب، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن لم يستطعْ فبِقلبه؛ وذلك أضعفُ الإيمان)). ومع ذلك، فهو ما يَسَع الجميع، أو هو بمقدور الجميع؛ فلا يسقط عن أحد البتّة.

error: النص محمي !!