Top
Image Alt

تاريخ اليهود

  /  تاريخ اليهود

تاريخ اليهود

هذا؛ وإذا ذهبنا لننظر نظرة عاجلة حول تاريخ اليهود بصورة مجملة؛ لأنه لا يمكن تفصيل القول في هذا التاريخ الذي استغرق الكثير والكثير من حديث القرآن عنه، أو ما سُجِّلَ في كتب التاريخ، لكن اعلمْ أنه ما عُرفت أمةٌ من الأمم لازمتها سجيةٌ منحرفةٌ، وجبلةٌ بعيدةٌ عن الحقِّ، وتعصب بغيض، كما عُرف اليهود، أمم كثيرة يمكن أن تنحرف بعد فترة من الفترات تنأى عن عصر نبيها، لكن اليهود عُرِفُوا بانحرافهم عن الحقِّ وميلهم عنه، بل بوقوعهم في الشِّرْكِ والوثنية واتخاذ آلهة من دون الله مع وجود نبيهم موسى عليه السلام، الذي هو أعظم أنبياء بني إسرائيل، وقد وقع هذا من اليهود في حياة موسى عليه السلام مرتين بصورة واضحة:

المرة الأولى بعد خروجهم من مصر وبعد نجاتهم من فرعون وقومه، وحين اجتازوا البحر في آية عظيمة تجعل الكافر وليًّا حين وقف اليهود عند البحر، واقترب منهم فرعون بجنوده قالوا لموسى عليه السلام: إِنّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]، فَرَدَّ عليهم قال: {كَلاّ إِنّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: {أَنِ اضْرِب بّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلّ فِرْقٍ كَالطّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]، ومروًا سالمين آمنين في طريق وصفه الله عز وجل بقوله {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىَ} [طه: 77].

وحين مَرُّوا إلى الشاطئ الثاني وبَرِّ الأمان والسلامة، ورأوا بأعينهم غرق فرعون وجنوده الذين يمثلون أعداءهم مضوا قليلًا ليروا أناسًا يعبدون أصنامًا فماذا قالوا؟ حكى الله عز وجل هذا المشهد العجيب من اليهود: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيَ إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىَ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىَ أَصْنَامٍ لّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَىَ اجْعَلْ لّنَآ إِلَـَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنّ هَـَؤُلآءِ مُتَبّرٌ مّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـَهاً وَهُوَ فَضّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 138- 140].

سبحان الله العظيم، أبعد كل هذه الآية وهذه العظمة قوم يطلبون من نبيهم أن يجعل لهم إلهًا ماديًّا يلمسونه ويحسونه ويرونه؟ ولم يقنعوا بما فعله الله عز وجل لهم من آيات ونجاهم من عدوهم، لك أن تتخيل كيف يكون هذا الصلف وهذا العناد وهذا التمرد على الحق.

أما المرة الثانية فلم تكن مجرد إرادة ولا رغبة فحسب، بل ارتدوا إلى الوثنية، حين ذهب موسى عليه السلام لميقات ربه، وكانوا قد سرقوا من المصريات حُلِيَّهُم، فأمرهم “السامريُّ” أن يلقوا بهذه الأوزار؛ أي بهذا الذهب المسروق، وأخذه “السامريُّ” وصنع منه عجلًا، وأضلهم “السامريُّ” وعكفوا على العِجْلِ يعبدونه، ولم يلتفتوا إلى تحذير نبيهم هارون عليه السلام الذي حذرهم وخوفهم وقال: {يَقَوْمِ إِنّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنّ رَبّكُمُ الرّحْمَـَنُ فَاتّبِعُونِي وَأَطِيعُوَاْ أَمْرِي (90) قَالُواْ لَن نّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتّىَ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىَ} [طه: 90، 91].

فانظر إلى هذا الإصرار على الشرك، وقد حكى القرآن الكريم هذا الأمر في موضعين في سورة “الأعراف” وفي سورة “طه”، فهذا هو حال بني إسرائيل حتى في أيام موسى عليه السلام الذي أراد أن يطهر عقيدتهم من الشرك والوثنية فعادوا إلى ذلك وقد ارتكسوا في الحمأة وفي الوثنية مع وجود نبيهم بينهم يدعوهم إلى التوحيد الخالص، وهو يقول لهم: {إِنّمَآ إِلَـَهُكُمُ اللّهُ الّذِي لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98].

كما أن اليهود -عليهم لعنة الله- حرفوا التَّوْرَاة على حسب أهوائهم، ووصفوا الإله العظيم بما لا يليق به سبحانه وتعالى عَمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، ونسبوا إليه الضعف وأن يَدَهُ مغلولة، ونسبوا إليه في كتابهم الغيرة، والحقد، والكذب، والجهل، والخديعة، والتجسيم، والتناسل، تعالى اللهُ عَمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا؛ ومن أمثلة الصور المحرفة في توراتهم المحرفة ما جاء في سِفْرِ التكوين في قصة آدم عليه السلام: “إن الله نهى آدم وحواء أن يأكلا من شجرة المعرفة ذاكرًا لهما أن الأكل منها يؤدي إلى الموت مع أن الأكل منها يوصل إلى المعرفة ورقي الفكر وانحسار الجهل، وإنما فعل ذلك؛ لأنه يريد أن يبقيا عليهما جاهلين حتى لا يشاركانه في واحدة من أخص صفاته وهي المعرفة، ولكن الشيطان سول لحواء أن تأكل من الشجرة وجارها آدم في ذلك، فعرف بعد أن سوءتيهما مكشوفتان، ولما أحسَّا بقدوم الإله نحوهما اختبئا حتى لا يبصرهما إلى أن قالوا: فلو أكل منها لصارت لهما أرقى صفات الإله وهي البقاء”، فهكذا يصفون الإله في توراتهم المحرفة بالخوف والتضليل وستر الحقيقة عن آدم وحواء حتى لا يكتسب المعرفة والخلود فينازعانه في خصائصه وفي بقائه وعلمه؛ ولذلك غضب الله عليهما وأخرجهما من الجنة.

وذكر أن الربَّ دخل الجنة يتمشى، وأنه قال: من هناك؛ أي وراء الشجر وكأنه لا يعلم، ثم يقول: لعلك آدم، فيقول: نعم أنا آدم، ما هذا !! هل يتصور عاقلٌ أن يكون هذا وحي أنزله الله على نبي من أنبيائه، وهل هذه يمكن أن تكون صفات ربٍّ عظيم !! إنه خيال اليهود المريض وطبيعتهم المادية منذ خلقوا، إنه الكفر البواح، فأين هذا من الحق الصراح، وإن حديث اليهود عن الأنبياء لهو حديث بشع حين نسبوا إلى الأنبياء أبشع التهم ووصفوهم بالسكر والزنا والعربدة والقتل والغدر، فضلا عن دَوْرِهِم في قتلهم الأنبياء وتكذيبهم، لقد كانوا يقتلون الأنبياء ويَشِقُّوْنَهُم بالمنشاير، ثم هم مع ذلك يصفون أنفسهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه وشَعَبُهُ المختار، وأنهم أفضل العالمين، في ذات الوقت الذي يصفون فيه الله عز وجل بأنه فقير، وأن يدي الله مغلولة تعالى الله عَمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.

إن الجانب الأخلاقي عند اليهود هو أقبح ما عرفته البشرية، والقرآن الكريم أورد جانبًا من هذه الصفات التي لدى اليهود، والتي تمثل حقيقة الشخصية اليهودية، وتمثل خصائصهم الذاتية الثابتة ومقوماتهم النفسية المشتركة الملازمة لهم في كل عصورهم لزوم شهوة وهوى واكتساب لا لزوم جبلة وإجبار، وإنها لتكشف عن بعض خصائصهم وأخلاقهم وتعصبهم، لقد تطاولوا على الله عز وجل حين قال الله سبحانه وتعالى: {لّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181]، وقال – سبحانه تعالى-: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} [المائدة: 64]، وقال عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} [التوبة: 30].

ومن اليهود نشأ النفاق، ووجدت مدرسة النفاق الأولى على عصر النبي محمد صلى الله عليه  وسلم وقال الله في هذا الشأن: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8، 9] الآيات، فضلًا عن تطاولهم على الملائكة على نحو ما قال الله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 97، 98].

وهذا بخلاف وقاحتهم الدائمة مع رسل الله -عليهم السلام- أشار القرآن إلى هذا المعنى على سبيل الإجمال فقال: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]، كما قال تعالى أيضًا: {أَفَكُلّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].

ويلاحظ هنا استعمال أداة العموم والتكرار “كلما” تعبيرًا عن اطراد اليهود على التكذيب أو القتل للرسل إذا جاءوهم بما لا تهوى أنفسهم الضالة المتعصبة المتغطرسة.

ومن أخلاق اليهود التي أورد القرآن جانبًا منها استخفافهم بالوحي الإلهي وبالكتب الإلهية المنزلة، وفي ذلك يقول تعالى: {وَإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]، إنهم أحبار سوء اختلقوا تعاليم ونسبوها إلى الله زيفًا وتعصبًا، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويحرفون الكَلِمَ من بعد مواضعه، فضلًا عن الكتمان {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174].

وبَيَّنَ رَبُّنَا عز وجل مُحذرًا أهل الإيمان منهم: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَاْ آمَنّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوَاْ أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ (78) فَوَيْلٌ لّلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَـَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 75-79].

ليس هذا فقط، بل هناك ما هو أدهى وأمر {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلّمْتُمْ مّا لَمْ تَعْلَمُوَاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91].

هذا؛ واليهود قد احترفوا التزييف والتحريف ولم يكتفوا بالاستخفاف والكتمان، ولكن لهم مقدرة كبيرة على تزييف الوقائع واختلاقها، وتحريف الحقائق عن مواضعها، حتى كأنها حرفة حياتهم وسجية في تركيبهم الخلقي والنفسي، لا يستشعرون في مزاولتها لوم ضمير ولا تأنيب نفس؛ لأن اليهود قد ماتت مشاعرهم وقَسَتْ قُلُوْبُهُم لذلك {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ} [المائدة: 13].

فهناك إذًا ارتباط وثيق بين قسوة قلوبِهم وبين تحريفهم للكتب {وَمِنَ الّذِينَ هِادُواْ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41]، كما قال تعالى عنهم أيضًا: {مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ} [النساء: 46].

فاليهود يُحَرِّفُون كلَّ شيءٍ حتى ولو كان كلامَ اللهِ تعالى، وهُم لا يفعلون ذلك ناسِيْن أو جاهلين، وإنما يزاولون التحريف عامدين عالمين بخطورة ذلك وضراوة ما يفعلون، وهذا لِاستهانتِهِم بأمور الدين واستخفافهم بالنار والعذاب المبين؛ ولذلك قال الله عنهم: {ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ وَغَرّهُمْ فِي دِينِهِمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24].

بل بَلَغَ بهم الافتراء حدَّ التبجح أن الجنة لهم، وأنها حكرٌ عليهم، وقالوا: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

والسِّرُّ في هذا هو اختلال عقيدتهم، فاختل بعدها في نفوسهم وسلوكهم وخلقهم كلُّ شيءٍ حتى تبجحوا في الكفر بكل صوره وألوانه، كما حكاه الله عز وجل: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]، كما قال عنهم: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98، 99].

إن اليهودَ قَسَتْ قلوبُهُم إلى حدِّ الهمجية والوحشية التي أدَّتْ بِهم إلى الضلالِ البعيد، فاحترفوا الخطايا احترافًا، ووقعوا في الرذائل بصورة واضحة، وأصبحت الصلابة واليبوسة صفةً ملازمةً لليهود في ماضيهم وحاضرهم، وفي بداوتهم وحضارتهم وإلى يومنا هذا، مهما كانت درجاتهم من العلم أو التقدم أو الرقي {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88].

والقلب الأغلف هو المغطى بأغشية ثقيلة بحيث لا يعي، ولا يفقهُ، ولا يَنْفَذُ إليه شيءٌ إلا ما أشربه من هواه، بل يصل القرآن العظيم إلى أغوار هذه النفسية الغائرة، فَيُبَيِّنُ درجةَ قساوتها بقوله تعالى مخاطبًا اليهود {ثُمّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدّ قَسْوَةً وَإِنّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنّ مِنْهَا لَمَا يَشّقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74].

فماذا يتوقع من قوم أقسى قلوبًا من الحجارة غلف الأفئدة، فضلًا عن غدرهم ونقضهم العهود، فقد يقبل اليهودي أن يعاهد مسلمًا، ولكن إذا وجد في هذا العهد مصلحة، وهو ما بين عقده ونقضه، يظل اليهودي كالثعلب الجبان يتلفت ويترقب الفرصة أو يوجدها؛ لينقض تحت أمان العقد وغفلة الخصم هذا العهد الذي عهده، والقرآن العظيم يقرر أن هذه خطة يهودية دائمة على سبيل الحصر والشمول لا استثناء فيها أبدًا {الّذِينَ عَاهَدْتّ مِنْهُمْ ثُمّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرّةٍ وَهُمْ لاَ يَتّقُونَ} [الأنفال: 56]، ويشير القرآن إليها بأسلوب القرآن المطرد {أَوَكُلّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100]، حتى قِيل لو تركت الحُمْرُ نَهِيْقَهَا والكلابُ نِبَاحَهَا والحيَّاةُ لدْغَهَا، ما ترك اليهود نقضهم للعهود، إنهم كما قال الله في كل تصرفاتهم القديمة والمعاصرة على السواء: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقاً غَلِيظاً (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ} [النساء:154، 155]، ابتداءً من عهودهم مع الله تعالى على يَدِ كِبَارِ أَنْبِيَائِهِم كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93].

هكذا ابتداء وانتهاء بما صنعوه مع النبي محمد صلى الله عليه  وسلم من غدر ونقض للعهود في أحرج الظروف وأحلك المعارك، كما صنعوا ذلك يوم الأحزاب، ولا يزال تاريخ اليهود مستمرًا يصدق ما حكاه القرآن عن أخلاق اليهود التي دمغت بالغدر، وطبعت على نقض العهود تحت أفانين من الخداع والمبررات الكاذبة وتزييف المعاني والمفاهيم، وفلسفات الاستحلال التي يجيدونها، وتجري منهم مجرى الدم.

إن العهدَ عِنْدَ اليهودي ضرورة مرحلية يعقده لأجلها، ثم ينقضه بحدوث المنفعة منها، ناهيك عَمَّا صنعه اليهود مع غير الأنبياء ولا زالوا يفعلونه من غير خجل ولا اعتبار للقيم والأخلاق، ولا التزام بشرف الكلمة أو حُسن السمعة، تمامًا كما قال القرآن في تعبيره الجامع: {وَهُمْ لاَ يَتّقُونَ} [الأنفال: 56].

إنهم في غاية الحقد والحسد، فلقد انطوت النفسية اليهودية على حقد بالغ وغِلٍّ أسود وحَسَدٍ عَاصِفٍ للناس عامة وللمؤمنين خاصة، حتى أرادوا حكر الخير على أنفسهم، وأرادوا جعل رب العالمين لهم فقط، فقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاّ يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 53، 54]، كذا قال ربنا: {مّا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْكُمْ مّنْ خَيْرٍ مّن رّبّكُمْ} [البقرة: 105].

فلقد سبقوا المشركين وأهل الأوثان في كراهيتهم للمسلمين، وفي كراهية أي خير يُصيب المسلمين، ولو كان هذا الخير محض فضل من ربِّ العالمين، إذا كان المشركون لهم مبرر من الشِّركِ والجهل فأي مبرر لليهود؛ إنه داءُ الحقدِ والحسدِ الذي ظل يأكل صدورهم حتى تدلوا إلى هذا الحضيض السحيق {وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ} [البقرة: 109]، حتى وصل بهم هذا الحقدُ والحسدُ إلى حالٍ فَضَّلُوا فيه وثنية قريش على التوحيد الخالص الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه  وسلم فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} [النساء: 51].

وقد أعلمنا ربُّنا عز وجل بما عند اليهود من ضغائن وعداء فقال سبحانه: {لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ} [المائدة: 82]، واليهود أولًا قبل المشركين، وقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]، ويقول الحق جلَّ وعلا: {وَدّت طّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلّونَكُمْ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69].

وماذا يُنْتَظر مِنْ قومٍ تجمعوا على هذه الصفات العاتية وقلوبهم أقسى من الحجارة، وأحبارهم يمدونهم في الغيِّ مدًّا، ويبررون لهم كل منكر، مع افترائهم على الله وكذبهم على رسول الله، بل قتلهم الأنبياء، أي أمة في التاريخ بلغت في النكارة والإفك مبلغ هؤلاء اليهود، نعوذ بالله من اليهود وافتراءاتهم وأخلاقهم والميل إليهم والولاء لهم.

error: النص محمي !!