Top
Image Alt

تاريخ تشريع الجهاد، وأول الآيات نزولًا فيه

  /  تاريخ تشريع الجهاد، وأول الآيات نزولًا فيه

تاريخ تشريع الجهاد، وأول الآيات نزولًا فيه

متى فرض الجهاد على المسلمين:

لم يختلف العلماء في أن القتال قبل الهجرة كان محظورًا على المسلمين بنصوص كثيرة في كتاب الله، منها قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13] وقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] وقولهتعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 82] وقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]. وأمثال هذه الآيات كثيرة، تدل على أن المؤمنين كانوا منهيّين عن قتال أعدائهم، وهناك نصٌّ صريح بالكفِّ عن القتال، هو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77].

وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه قال: ((إنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلةً، فقال عليه السلام: إني أمرتُ بالعفو، فلا تقاتلوا، فلمّا حوله الله إلى المدينة أُمِرَ بالقتال، فكفّوا عن القتال، فأنزل الله -تبارك وتعالى-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} )).

والحكمة في الكف عن القتال في بدء الدعوة يمكن أن نلخص أسبابها فيما يلي:

  • إنّ المسلمين كانوا في مكة قلة، وهم محصورون فيها، لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، ولو وقع بينهم وبين المشركين حرب أو قتال لأبادوهم عن بكرة أبيهم، فشاء الله أن يكثروا، وأن يكون لهم أنصار وأعوان، وأن يرتكزوا على قاعدة آمنة تحميها الدولة، فلما هاجروا إلى المدينة المنورة أُذِنَ لهم بالقتال، بعد أن قويت شوكتهم وكثر عددهم، فهنا كانت الغاية تدريب نفوس المؤمنين على الصبر؛ امتثالًا للأمر، وخضوعًا للقيادة، وانتظارًا للإذن.
  • وقد كان العرب في الجاهلية شديدو الحماسة، لا يصبرون على الضيم، وقد تعودوا الاندفاع والحماسة والخفة للقتال عند أول داعٍ، فكان لا بد من تمرينهم على تحمُّل الأذى، والصبر على المكاره، والخضوع لأمر القيادة العليا؛ حتى يقع التوازن بين الاندفاع والترويّ، والحمية والطاعة، في جماعة هيأتهم إرادةُ الله لأمر عظيم.
  • البيئة العربية كانت بيئة نخوة ونجدة، وكان صبر المسلمين على الأذى، وفيهم الأبطال الشجعان الذين يستطيعون أن يردوا الصاع صاعين، مما يثير النخوة، ويحرك القلوب نحو الإسلام، حصل بالفعل في المحاصرة في الشِّعب عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم؛ لكي يتخلّوا عن حماية الرسول صلى الله عليه وسلم واشتد الاضطهاد على بني هاشم؛ لمّا حصل ذلك ثارت نفوس لم تؤمن بالإسلام، أخذتها النخوة والنجدة حتى مزقوا الصحيفة التي تعاهد فيها المشركون على المقاطعة، وانتهى ذلك الحصار المشئوم.
  • كان المسلمون في مكة يعيشون مع آبائهم وأهليهم في بيوت، وكان أهلوهم المشركون يعذبونهم؛ ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى الشرك والضلال، فلو أُذِنَ للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم يوم ذاك؛ لكان معنى هذا أن تقوم معركة في كل بيت، وأن يقع دم في كل أسرة، وليس من مصلحة الدعوة أن تثار حرب دموية داخل البيوت، فلما حدثت الهجرة، وانعزلت الجماعة، أبيح لهم القتال.

أول الآيات في تشريع القتال:

اختلف السّلف في أول آية نزلت في القتال، فرُوي عن الربيع بن أنس وغيره، أنّ أول آية نزلت هي قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] نزلت بالمدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل مَن قاتله، ويكفّ عمن كفّ عنه، وروي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق، وابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر: أنّ أول آية نزلت في القتال هي قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39].

قال أبو بكر بن العربي: “والصحيح أن أول آية نزلت آية الحج، قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} إلى آخر الآية، ثم نزل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فكان القتال إذنًا، ثم أصبح بعد ذلك فرضًا؛ لأن آية الإذن في القتال مكيّة، وهذه آية مدنية متأخرة.

error: النص محمي !!