Top
Image Alt

تتمة الحديث عن: عدد الرضعات المحرمة

  /  تتمة الحديث عن: عدد الرضعات المحرمة

تتمة الحديث عن: عدد الرضعات المحرمة

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تحرّم المصّة والمصّتان))، وعن أم الفضل رضي الله  عنها قالت: ((دخل أعرابي على نبي الله صلى الله عليه  وسلم وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله، إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحُدثى -أي: الجديدة- رضعة أو رضعتين، فقال نبي اللهصلى الله عليه  وسلم: لا تحرّم الإملاجة والإملاجتان))، وفي رواية عن أم الفضل أيضًا، أن نبي الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان)) وفي رواية عنها أيضًا قالت: عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا تحرم الإملاجة والإملاجتان)) وفي رواية عنها أيضًا قالت: ((سأل رجل النبي صلى الله عليه  وسلم: أتحرم المصة؟ فقال: لا)).

استدلّ بهذه الأحاديث جماعة من العلماء، منهم: أبو ثور وداود الظاهري وابن المنذر وغيرهم، فقالوا: هذا الحديث يدلّ على أن الرضعة الواحدة لا تحرّم، وكذلك الرضعتين، فيُفهم منه أنّ ما زاد عن الرضعتين فإنه يحرّم، فتكون الثلاثة -أي: الثلاث رضعات- هي التي يثبت بها التحريم، وقالوا: وهذه أحاديث صحيحة صريحة، رواها مسلم في صحيحه، فلا يجوز العدول عنها، فأثبتنا التحريم بالثلاث -أي: بالثلاث رضعات- لعموم الآية، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة، قالوا: ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يُعتبر فيه الثلاث، قالوا: ولأنها أول مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جدًّا.

والجواب على من استدلَّ بهذه الأحاديث على التحريم بثلاث رضعات:

قال الشوكاني في (نيل الأوتار): “وأمّا حديث ((لا تُحرّم الرضعة والرضعتان)) فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، أي: ما زاد على الرضعة أو الرضعتين، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أنّ ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان، ويُرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه لفظ ((لا يحرم إلّا عشر رضعات أو خمس)) وهذا مفهوم حصر، وهو أولى من مفهوم العدد، وأيضًا قد ذهب بعض العلماء كالزمخشري إلى أنّ الإخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر”، والإخبار عن الخمس رضعات بلفظ يحرّم كذلك، ولو سلم استواء المفهومين وعدم انتهاض أحدهما، كان المتوجه تساقطهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس، لا على ما دونها، إلّا أن يدل عليه دليل، ولا دليل يقتضي أنّ ما دون الخمس يحرّم، إلّا مفهوم قوله: ((لا تُحرّم الرضعة والرضعتان)) والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بد من تقييد الخمس رضعات، بكونها في زمن المجاعة؛ لحديث عائشة الآتي.

وقال النووي: حديث المصّة والمصتان، أجابوا عنه بأجوبة باطلة، لا ينبغي ذكرها، لكن نُنبّه عليها خوفًا من الاغترار بها، منها: أن بعضهم ادّعى أنها منسوخة، وهذا باطل لا يثبت بمجرّد الدعوى، ومنها: أنّ بعضهم زعم أنه موقوف على عائشة، وهذا خطأ فاحش، بل قد ذكره الإمام مسلم وغيره من طُرق صحاح مرفوعًا من رواية عائشة ومن رواية أم الفضل، ومنها: أنّ بعضهم زعم أنه مضطرب، وهذا غلط ظاهر، وجسارة على ردّ السنن بمجرد الهوى، وتوهين صحيحها؛ لنصرة المذاهب، وقد جاء في اشتراط العدد أحاديث كثيرة مشهورة، والصواب اشتراطه.

أمّا الأحاديث التي تفيد أن التحريم يثبت بخمس رضعات فأكثر، فنذكر منها:

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله  عنها أنها قالت: ((كان فيما أُنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نُسِخَت بخمس معلومات، قالت: فتوفِّي رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهنَّ فيما يُقرأ في القرآن)).

قوله: ((معلومات)) فيه إشارة لطيفة إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع إلّا بعد العلم بعدد الرضعات، وأنه لا يكفي فيه الظن، بل يرجع معه ومع الشك إلى الأصل وهو العدم، وقولها: ((فتوفي رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهنّ فيما يُقرأ)) وهو بضمّ الياء، مِن يَقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخّر إنزاله جدًّا، حتى أنه صلى الله عليه  وسلم تُوفّي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنًا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلمّا بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى، كما هو المعلوم في النسخ، فإن النسخ ثلاثة أنواع:

أحدها: ما نُسِخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات.

والثاني: ما نسخت تلاوته دون حكمه؛ كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة.

والثالث: ما نُسِخَ حكمه وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم} [البقرة: 240]

قلت: استدلّ بهذا الحديث -حديث السيدة عائشة رضي الله  عنها جمع كبير من العلماء؛ من علماء السلف والخلف، استدلوا على أنّ المقدار الذي يحرّم في الرضاعة هو خمس رضعات فأكثر، وممن قال بهذا: عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، ورواية عن السيدة عائشة رضي الله  عنها، وبه قال الشافعي وابن حزم الظاهري، ورواية عن أحمد، وغيرهم؛ حيث إنّ الحديث فيه نصٌّ صريح على أن التحريم بخمس رضعات، فيكون بمثابة التقييد لما أطلق في القرآن والأحاديث الأخرى.

واستدلوا أيضًا بأحاديث أخرى، منها: ما رواه عروة عن عائشة رضي الله  عنها: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالمًا خمس رضعات، يحرُم بلبنها، ففعلت، وكانت تراه ابنًا)) ففي هذا الحديث نصٌّ صريح من رسول الله صلى الله عليه  وسلم بتحديد عدد الرضعات الذي يثبت به التحريم؛ حيث قال صلى الله عليه  وسلم لها: ((أرضعيه خمس رضعات يحرم عليك)) فلو كان العدد غير معتبر كما زعم البعض لما حدده رسول الله صلى الله عليه  وسلم. ومنها حديث عائشة وأم الفضل رضي الله  عنهما أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا تحرم المصة ولا المصتان)) فقالوا: إنّ هذا الحديث وإنِ استدَلّ به من قال: المقدار المحرّم ثلاث رضعات، إلا أنه استنباط بدلالة المفهوم، وأما أحاديث الخمس فبدلالة المنطوق، ولا شك أن دلالة المنطوق أقوى، فهي تقدَّم؛ فإنه يدل على أن الذي يحرّم ما زاد على رضعتين، فحينما تأتي أحاديث تحدّد العدد بخمس، فتكون بمثابة البيان والتخصيص لهذا الحديث.

ومنها أيضًا حديث أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)) قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: “ويمكن أن يستدل به على أن الرضعة الواحدة لا تحرم؛ لأنها لا تغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى تقدير، فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة وهو خمس رضعات”.

والجواب على من استدل بهذه الأحاديث على التحريم بخمس رضعات نقول:

– حديث عائشة: قال العيني -رحمه الله: “وقول عائشة الذي رواه مسلم لا ينهض حجة؛ لأن القرآن لا يثبت إلّا بالتواتر، والراوي روى هذا الحديث على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنًا، ولا ذكر الراوي أنه خبر؛ ليُقبل قوله فيه”.

قال الشوكاني -رحمه الله: “واعترض أصحاب مالك على الشافعية، بأن حديث عائشة هذا لا يحتج به عندكم، وعند محققي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، وإذا لم يثبت قرآنًا لم يثبت بخبر الواحد عن النبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأن خبر الواحد إذا توجّه إليه قادح، يُوقَف عن العمل به، وهذا إذا لم يجئ إلا بآحاد، مع أن العادة مجيئه متواترًا تُوجِب ريبة”.

وأجابوا عن حديث أم سلمة رضي الله  عنها، وهو قول النبي -عليه الصلاة والسلام: ((لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء)) قال الإمام العيني: هذا كله زيادة على مطلق النص؛ لأن النص غير مقيد بالعدد، والزيادة على النص نسخ، فلا يجوز، قال: وكذلك الجواب عن كل حديث فيه عدد، مثل حديث عائشة ((لا تُحرّم المصة ولا المصتان)).

ونقل عن ابن بطال أنّ أحاديث عائشة كلها مضطربة، فوجب تركها، والرجوع إلى كتاب الله -عز وجل، ونقل أيضًا عن أبي بكر الرازي، عن ابن عباس رضي الله  عنهما أنه قال: “قولها: ((لا تُحرم الرضعة والرضعتان)) كان قبل ذلك، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم، فجعله منسوخًا”.

ونحن نذكر رَدّ من أخذ بأحاديث التحريم بخمس رضعات، من قال: إنّ الخمس رضعات يثبت بها التحريم، ردّوا على النقد الذي وُجِّه إليهم، فقد أجابوا على كل اعتراض وجِّه لأدلتهم، فأجابوا عن حديث عائشة رضي الله  عنها، والقول بأنّ حديث عائشة هذا ليس بقرآن – لأنه لا يثبت بخبر الآحاد، ولا هو حديث؛ لأنها لم تروه حديثًا – مردود، بأنها وإن لم تثبت قرآنيته، ويجري عليه حكم ألفاظ القرآن، فقد روته عن النبي صلى الله عليه  وسلم، فله حكم الحديث في العمل به، وقد عمل بمثل ذلك العلماء، فعمل به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، وعمل به الهادوية والحنفية في قراءة ابن مسعود في صيام الكفّارة ثلاثة أيام متتابعات، وعمل مالك في فرض الأخ من الأم بقراءة أُبَيّ في قوله: “وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ من أم”، والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة.

– وقال أيضًا من احتج بثبوت التحريم بخمس رضعات: الكلام فيما نُقل من القرآن آحادًا في فصلين:

أحدهما: كونه من القرآن.

والثاني: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإنّ الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسه على المحدِث، وقراءته على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظن.

– قال أصحاب الخمس رضعات أيضًا: الحجة لنا ما تقدَّم في أوّل الفصل، من أن الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقد أخبرت عائشة رضي الله  عنها، أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم توفي والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه  وسلم لسهلة بنت سُهيل: ((أرضعي سالمًا خمس رضعات تحرمي عليه)) قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه  وسلم، وكانت عائشة رضي الله  عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات، قالوا: ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسؤال، وبعضها تأسيس حكم المبتدأ.

قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئًا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيَّدنا مطلقًا بالخمس، وتقييد المطلق بيان لا نسخ، ولا تخصيص، وأمّا من علّق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأمّا صاحب الثلاث فإنه إن لم يخالفها فهو مخالف لأحاديث الخمس، أي: خمس رضعات.

– هناك آثار تدلّ على التحريم بعشر رضعات: قال ابن القيم: وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان:

أحدهما: أنّ التحريم لا يثبت بأقل من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة تحرّم، وهذا المذهب لا دليل عليه.

الثاني: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة وعائشة رضي الله  عنهما، قلت: واستدلوا على هذا ببعض الآثار الواردة عن عائشة وحفصة رضي الله  عنهما، منها ما رواه الإمام مالك -رحمه الله عن نافع أنّ سالم بن عبد الله بن عمر أخبره “أنّ عائشة أم المؤمنين أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليّ، قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث رضعات، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أمّ كلثوم لم تتمّ لي عشر رضعات”.

ومنها ما رواه الإمام مالك أيضًا عن نافع “أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته، أنّ حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد، إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها، وهو صغير يرضع، ففعلت: فكان يدخل عليها”.

قلت: وهذه الآثار لا تقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة والصريحة في التحريم بأقلّ من ذلك، فهذا رأي ضعيف، قال القاضي عياض: “وقد شذَّ بعض الناس فقال: لا يثبت الرضاع إلّا بعشر رضعات، وهذا باطل مردود”.

الرأي الراجح في مسألة عدد الرضعات التي تحرّم:

بعد ما أوردته من الأحاديث والآثار الكثيرة التي يدل بعضها على أن التحريم بقليل الرضاعة وكثيرها، وبعضها يدل على التحريم بخمس رضعات كما ذكرت، وبعدما بينت جهة الاستدلال من كل حديث ومناقشة القائل به، وذكرت الجواب عمّا وُجِّه للأدلة من نقدٍ، أعود لأقول من جديد الذي أرجّحه في هذه المسألة هو الرأي الآخذ بأحاديث التحريم بخمس رضعات، وهم الشافعية، وسبب ترجيحي لهذا الرأي:

أولًا: أحاديث التحريم بخمس رضعات، الاستنباط منها بدلالة المنطوق، بمعنى: أنّ فيها نصًّا صريحًا بالتحريم بخمس، أما ما عداها من الأحاديث، فالاستنباط منها بدلالة المفهوم، ولا شك أن دلالة المنطوق أقوى من الاستدلال من دلالة المفهوم.

ثانيًا: حديث السيدة عائشة رضي الله  عنها في النسخ بخمس رضعات، بيّنَّا باستفاضة أنه صالح للاستدلال، حتى وإن لم تتوافر فيه شروط التواتر؛ لأن خبر الآحاد يُعمل به في الأحكام الشرعية، هذا فضلًا عمّا عضَّده من أحاديث كثيرة ذكرناه سابقًا، كلها تدلّ دلالة صريحة على التحريم بخمس رضعات.

ثالثًا: القول بالتحريم بخمس رضعات أخْذٌ بالأيسر والأسهل على الأمة الإسلامية، وإن كان الجمهور قد أخذ بالأحوط، والأخذ بالأيسر ما دام مستندًا إلى أدلة صحيحة صريحة لا حرج فيه، فما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه  وسلم بين أمرين، إلّا اختار أيسرَهُما صلى الله عليه  وسلم.

رابعًا: أنّ القول بالخمس -أي: بخمس رضعات- فيه حفظ واستقرار لكيان الأسرة المسلمة، والمحافظة عليها، وخصوصًا في هذا الزمان، الذي كثر فيه تبادل الرضاعة بين النساء للأطفال، بسبب الترخُّص في الرضعة الواحدة، أو بسبب الجهل بالأحكام الشرعية، أو بسبب التقارب والتلاحم بين الناس، أو غير ذلك، مما يسبِّب انهيار الكثير والكثير من الأسر المسلمة بعد استقرارها، وربما بعد إنجاب الأطفال، فلماذا لا نحرص على استقرار البيت المسلم، ونُحافظ على براعمه، ما دامت النصوص الصحيحة تساعد على ذلك، بل وهي أصرح من غيرها في جهة الدلالة.

خامسًا: أنّ الأخذ بأحاديث الخمس -أي: خمس رضعات- فيه إعمالٌ لجميع الأدلة، بدون تعطيل أو ردٍّ لأحاديث أخرى، فأحاديث التحريم بالقليل والكثير، التي استدلَّ بها الجمهور مطلقة، ليس فيها القصر أو التقييد برضعة واحدة، فإذا أخذنا بالأحاديث التي فيها القصر على خمس رضعات، فإننا نكون قد قيدنا ما أطلق في الأحاديث السابقة، فهي بمثابة البيان لما أبهم من ذكر العدد، وبذلك نكون قد أعملنا جميع الأحاديث، ولا شك أنه أولى.

قلت: وقد رجّح كثير من العلماء المحققين هذا الرأي، منهم الإمام النووي -رحمه الله، فقد أجاب عن اعتراضات الجمهور ثم قال: “وهذا غلط ظاهر، وجسارة على ردّ السنن بمجرّد الهوى وتوهين صحيحها لنصرة المذاهب، وقد جاء في اشتراط العدد أحاديث كثيرة مشهورة، والصواب اشتراطه”.

وقال الصنعاني عن حديث عائشة في الخمس -أي: في الخمس رضعات- ما نصه: “وأن العمل على ما أفاده هو أرجح الأقوال”، والشوكاني أيضًا قال: “والظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس -يقصد: باعتبار الخمس رضعات في التحريم”،وابن قدامة أيضًا، فقد قال عقب إيراده لأحاديث الخمس -أي: الخمس رضعات: “والآية فسرتها والسنة، وبينت الرضاعة المحرمة، وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رووه -يعني: أحاديث الجمهور”.

فنجمع بين الأخبار ونحملها على الصريح الذي رويناه -يعني: أحاديث الخمس-، ومن رجّح هذا الرأي مع أنه من المالكية، وهو رأي الشافعية أبو بكر بن العربي، فقد قال عقب ذكر حديث عائشة في النسخ بخمس رضعات، وحديث سهلة في قوله صلى الله عليه  وسلم: ((أرضعيه خمس رضعات)) قال ما نصه: “وهذا نصٌّ من الحديثين، لا غُبار عليه، والقول في ذلك أنّ الشافعي على انفراده فيهما غالب عليها، وتعلُّق علماؤنا المالكية والحنفية ليس بمعمول به، ولا قائم على ساق؛ لأنّ القرآن عام في الرضاع، فخصّت السنة منه، إلّا أربع رضعات في حديث، وقال في الآخر: ((لا تحرم المصّة ولا المصّتان)) فاقتضى ذلك نفي تعلق التحريم بهما، فأي شيء يبقى بعد ذلك للحنفية وللمالكية، مع حديث عائشة وسهلة.

وأيضًا هذا القول القائل بأن الرضعات التي تحرّم هي خمس رضعات، رجّحه أيضًا الإمام الترمذي، فقال في (جامعه): “إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة في خمس رضعات، فهو مذهب قوي”. وهذا الذي نرجحه في هذه المسألة، من أن الرضعات التي يثبت بها التحريم، هي خمس رضعات.

error: النص محمي !!