Top
Image Alt

تتمة كلام “الزرقاني”، ويتضمن أمثلة لإعجاز القرآن

  /  تتمة كلام “الزرقاني”، ويتضمن أمثلة لإعجاز القرآن

تتمة كلام “الزرقاني”، ويتضمن أمثلة لإعجاز القرآن

وأنبّهك إلى شيء آخر جدير بالنظر والتقدير، وهو: أن القرآن الكريم في طريقة عرضه للهداية والإعجاز على الخلْق، قد حاكم الناس إلى عقولهم، وفتح عيونهم إلى الكون، وما في الكون من سماء وأرض، وبر وبحر، وحيوان ونبات، وخصائص وظواهر، ونواميس وسنن…

وكان القرآن في طريقةِ عرْضه هذه موفّقًا كل التوفيق، بل كان معجزًا أبهر الإعجاز، لأن حديثه عن تلك الكونيات كان حديث العليم بأسرارها، الخبير بدقائقها، المحيط بعلومها ومعارفها، على حين أن هذا الذي جاء بالقرآن رجل أمّيّ، نشأ في أمة أمّيّة جاهلة، لا صلة لها بتلك العلوم وتدوينها، ولا إلمام لها بكتبها ومباحثها، بل إن بعض تلك العلوم لم ينشأ إلا بعد عهد النبوّة ومهبط الوحي بقرون وأجيال؛ فأنّى يكون لرجل أمّيٍّ كمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك السجل الجامع لتلك المعارف كلها، إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم؟

قال سبحانه وتعالى، مقررًا لهذا الإعجاز العلمي: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاّ الظّالِمُونَ} [العنكبوت: 48، 49].

ولعلّ من الحكمة أن نسوق لك نموذجيْن من القرآن، على سبيل التمثيل:

أوّلهما في سورة (النور)، إذ يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ السّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ} [النور:43]. قل لي بربك! ألا يملكك العجَب حين تقرأ هذا النص الكريم الذي يتفق وأحدث النظريات العلمية في الظواهر الطبيعية من سحاب ومطر وبرق؟!

النموذج الثاني: يقول الله تعالى في سورة (القيامة)، مبيِّنًا ومقررًا كمال اقتداره على إعادة الإنسان وبعثه بعد موته: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَىَ قَادِرِينَ عَلَىَ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ} [القيامة:3،4]. أرجو أن تقف قليلًا عند تخصيصه البَنان بالتسوية في هذا المقام، ثم تستمع بعد ذلك إلى هذا العِلْم الوليد: علم تحقيق الشخصية في عصرنا الأخير، وهو يقرر أن أدق شيء وأبدعه في بناء جسم الإنسان هو: تسوية البنان؛ حتى إنه لا يمكن أن تجد بنانًا لأحد يشبه بنان آخَر بحال من الأحوال. وقد انتهوا من هذا القرار إلى أن حكّموا البنان في كثير من القضايا والحوادث. {ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14].

ولا يزال الكون وما يحدث في الكون من علوم وفنون وشؤون، لا يزال كل أولئك يشرح القرآن ويفسّره، ويميط اللثام عن نواح كثيرة من أسراره، وإعجازه، مصداقًا لقوله -جلّ ذكره-: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت:53]. {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف:21]. انتهى كلام الزرقاني الذي عقب به على كلام السيوطي، وقبله ابن العربي.

وما ختم به من حديث عن إعجاز القرآن العلمي، هو ضرب من ضروب إعجاز القرآن؛ وهو أحد علوم القرآن التي سوف يأتي الحديث عنها- إن شاء الله تعالى-.

error: النص محمي !!