Top
Image Alt

تجريد العبادة لا يكون إلا بتوحيد المتابعة

  /  تجريد العبادة لا يكون إلا بتوحيد المتابعة

تجريد العبادة لا يكون إلا بتوحيد المتابعة

تحدثت آنفًا عن أهمية الاتباع، وذكرت بعض القواعد المهمة التي إذا عرفها وفقهها العبد وصار عليها، كان من المتبعين حقًّا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأود أن أبيِّن أن تحقيق التوحيد لرب العالمين لا يكون إلا إذا جرد العبد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، والاتباع له منزلة عظيمة في الشريعة الإسلامية، وهو ضروري جدًّا للعبد حتى تُقبل أعماله، وحتى يكون عند ربه سبحانه وتعالى من الفائزين الفالحين الناجين من عذاب الجحيم، وحتى يتبين لنا منزلة الاتباع في الشريعة أذكر بعض الأمور التي تتعلق بهذا الأمر:

أولًا: إن الاتباع شرط لقبول العبادات، نحن أمرنا أن نعبد الله عز وجل ولا بد أن نعبده وفقًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالعمل التعبدي إن لم يكن موافقًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود في وجه صاحبه، ولا يقبله رب العالمين سبحانه وتعالى، بل قد يزداد العبد بعدًا من الله عز وجل بهذه الأمور المبتدعة، يقول الإمام الحسن البصري -رحمه الله تبارك وتعالى-: “لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة”.

ويقول الإمام ابن رجب -رحمه الله-: “فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على عامله”. وبالتالي لن يكون العبد قائمًا بأمر العبادة ومشتغلًا بالتوجه لرب العالمين سبحانه ومعظمًا إياه، مفردًا إياه بألوان العبادات إلا إذا كان متابعًا للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا أقول: إن الاتباع أحد أصلَي الْإسلام الأساسية، وبيان ذلك كالتالي: الإخلاص وإفراد الله بالعبادة هو حقيقة إيمان العبد، وعندما يشهد العبد بأنه لا إله إلا الله، ثم يُفرد الله عز وجل بالتوحيد، وبجميع ألوان العبادة لا بد له عندئذٍ أن يأتي بالأصل الثاني؛ لأن هذا هو الأصل الأول، والأصل الثاني: هو الاتباع والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكون العبد محققًا حق الشهادة التي نَطقَ بها، وهي أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإنه لا يتحقق إسلام عبد، ولا يُقبل منه قول ولا عمل، ولا اعتقاد إلا إذا حقق هذين الأصلين: الأصل الأول: الإخلاص، والأصل الثاني: الاتباع، وأتى بمقتضاهما، قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: “وبالجملة فمَعَنا أصلان عظيمان: أحدهما ألا نعبد إلا الله، والثاني ألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ويقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “فلا يكون العبد متحققًا “بإياك نعبد” إلا بأصلين عظيمين: أحدهما متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والثاني الإخلاص للمعبود”.

وبالتالي إذًا فقد شرط الاتباع، لن يكون العبد محققًا للتوحيد، وأنا أؤكد على هذا لأبين أهمية الاتباع في تحقيق توحيد رب العالمين سبحانه، والاتباع سبب لدخول الجنة، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى)) كما أن الاتباع دليل محبة الله تعالى للعبد، وإذا أحب الله -تبارك وتعالى- عبده دل ذلك على أن هذا العبد أعماله مقبولة عند رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه، وأن جميع ما يأتي به هو من الأمور المشروعة التي طُلبت منه، والدليل على أن الاتباع دليل على محبة الله -تبارك وتعالى- ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم} [آل عمران: 31].

يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: “ومما ينبغي التفطن له أن الله سبحانه قال في كتابه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] قالت طائفة من السلف: ادّعى قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] فبيَّن سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم يوجب محبة الله للعبد، وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله، فإن هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه.

ويقول الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: “هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين المحمدي في جميع أقواله وأفعاله”.

إذًا الاتباع لا شك أن به تتحقق عبودية العبد لربه سبحانه وتعالى ومولاه، وإذا أخلص العبد لله عز وجل وانقاد خلف الرسول صلى الله عليه وسلم متبعًا إياه كان في ذلك محققًا لتوحيد رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه.

ولأهمية الاتباع أذكر حكم الاتباع، فأقول: إن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به فيما جاء به من عند ربه من الأمور المستقرة التي قررتها الشريعة الإسلامية، والتي لا يسع أحد الجهل بها؛ لأنها من المعلوم من الدين بالضرورة، نظرًا لتواتر النصوص الدالة على ذلك واستفاضتها.

ومن ذلك ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: “أي مهما أمركم به فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه؛ فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر”.

ويقول الإمام الشوكاني -رحمه الله تبارك وتعالى- بعد إيراده لبعض الأقوال التي قد يفهم منها أن الآية خاصة بالفيء: “والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصًّا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفعَ هذه الآية وأكثرَ فائدتها!”.

ويدل على ذلك أيضًا من النصوص، ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65] يقول ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكمَ به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65] أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة.

ويقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-: “ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، أي في كل شيء يحصل فيه اختلاف”.

والآيات حول هذا المعنى كثيرة أكتفي بما ذكرت من آيات؛ لأذكر شيئًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ومن هذا ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)).

قال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله تبارك وتعالى-: “المراد بالسُّنّة الطريقة التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من هذا الحديث: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري، فليس مني”.

ومن المعلوم أن الناس يختلفون في الاتباع، وكلما كان العبد متأسيًا ومتبعًا، كان مقبولًا عند ربه سبحانه وتعالى ومولاه محققًا التوحيد لله عز وجل كما أراد رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه، وكلما كان العبد بعيدًا عن السنة قريبًا من الابتداع، كان بعيدًا عن تحقيق التوحيد لرب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه.

أهم مظاهر الاتباع:

من مظاهر الاتباع تعظيم النصوص الشرعية: النصوص الشرعية الثابتة يجب أن تعظم، وألا يهجرها الإنسان أو يخالفها، أو أن يتبع رجلًا أتى بكلام مخالف لكلام الله أو لكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وأذكر في هذا السياق شدة حرص صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على الاتباع وتعظيمهم للنصوص الشرعية.

حدّث ابن عمر  رضي الله عنهما ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا استأذنَت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) فقال أحد بنيه إذا والله أمنعها، فأقبل عليه ابن عمر وشتمه شتيمة لم يشتمها أحدًا قبله قط، ثم قال: أحدّث عن رسول الله -صلى الله وآله وسلم- وتقول: إذا والله أمنعها! تأمل هنا كيف غضب ابن عمر رضي الله عنهما على أحد بنيه لما سمعه يذكر أمرًا يخالف فيه النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا، لا بد من تعظيم النصوص الشرعية، ولا بد من الوقوف على ما وقف عنده صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “تمتع النبي صلى الله عليه وسلم فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: نهى أبو بكر وعمر”!.

فإذا كان ابن عباس رضي الله عنه وهو صحابي جليل، ويعرِف قدر الخليفتين الراشدين، يعرف قدر الخليفة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويقول ذلك وهما من هما، ولا يمكن أبدًا أن نتصور أنهما يخالفان النبي صلى الله عليه وسلم أو أن الواحد منهما لا يعظّم النص الشرعي، ومع كل ذلك يقول هذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “فما بالنا بآحاد الناس الذين يتبعهم بعض الناس اليوم، ويتركون بل يهجرون النصوص الشرعية الواردة في كتاب رب البرية سبحانه وتعالى جل في علاه”. ولذلك، ترْك تعظيم النصوص الشرعية قد يجعل العبد يزيغ عن طريق الحق والصواب، وهذا أمر يُخشى على العبد منه، فعلى العبد أن يحتاط لنفسه، وأن يعظم شرع ربه سبحانه، وأن يحقق التوحيد لله بتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!