Top
Image Alt

تحمل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو من غيره

  /  تحمل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو من غيره

تحمل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو من غيره

حرص الصحابة على تحمل الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن غيره ممن سمع منه إذا لم يتيسر لهم اللقاء والسماع منه -صلى الله عليه وسلم-، كما أخذوا الحديث عن الخلفاء الراشدين في عهدهم وعن بعضهم بعضًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخلو في ساعات خروجه من بيته من جليس يجالسه, أو رفيق يرافقه، أو متعلم يلتمس علمه أو يطلب مساعدته في شأن خاص أو عام، كما كان يوصي أمراءه وسفراءه وكل من ينتدبه لمهمة خاصة أو عامة؛ يوصيه بما ينفعه وينفع غيره، هذا عن شئون الرسول -صلى الله عليه وسلم- الخارجية. أما ما يصدر عنه في داخل بيته فقد تحمّلته أمهات المؤمنين, وتحمّل جزءًا منه خدمه ومواليه ومن له قرابة أو صلة شرعية بأمهات المؤمنين، ومن تمتع بزيارته أو ضيافته، وقد نام ابن عباس عند خالته ميمونة في ليلتها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو صبي لم يبلغ الحلم، وصلى مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونقل صلاته بالليل ودعاءه، وكان من الممكن أن نطيل في مجال تحمل الصحابة من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يمثّل الأساس الذي بنوا عليه مناهجهم الحديثية فيما يتصل بالتعامل مع الحديث.

ولما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سأل ابن عباس الصحابة وجمع من علمهم, فقال من لم يفعل مثله لما ظهر علمه: هذا الفتى أعقل مني، وتعاون الصحابة في تلقي الحديث وتبليغه؛ فما فات واحدًا أخذه عن طريق من حضر وعلم، وكان لعمر-رضي الله عنه- صاحب وكانا يتناوبان السماع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, يحضر هذا يومًا وذاك يومًا، ومن حضر يخبر صاحبه ما فاته من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال البراء: “ليس كلنا سمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -أي: في كل ما رواه عنه- كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ، فيحدّث الشاهد الغائب”. وتحمل بعضهم الحديث في حال كفره, وأدى ما تحمله في حال كفره بعد إسلامه، وذلك كثيرٌ في الروايات.

وساعدهم على جمع السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اتصال السنة بحياتهم, وسريانها في كل شئونهم, وتنظيمها لعلاقاتهم مع الخالق ومع المخلوقات، ولزوم تحصيلها لفائدة النفس والغير، واتباعًا لتوجيهات القرآن والسنة، ورغبة في الحصول على أجر التحمل والأداء، ويسّر عليهم ذلك ضعف الشواغل عن الحفظ عند كثيرين منهم، وسهولة الحفظ عليهم، قال ابن عبد البر: كان العرب قد طُبعوا على الحفظ، وكان كثيرٌ من الصحابة يكتفي بالسماع مرة واحدة، وتكرر سماعهم للحديث الواحد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مناسبات مختلفة، وقد يسمعونه أيضًا من غيره كالخلفاء الراشدين في خلافتهم، وكالصحابة في ذكرهم للحديث في مناسبات مختلفة، ودار النقاش بينهم في أحوال متعددة حول حديث يُروى أو حول حكم يبحث عن أصله من الحديث، وكل ذلك ثبّت الحفظ وساعد على تحديد المفاهيم، وأدى تداول الروايات بينهم مباشرة أو بالواسطة إلى الفصل في المرويات لفظًا ومضمونًا، قال عبيد بن عمير: بلغ عائشة أن ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن فقالت: يا عجبًا لابن عمرو! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات” وعن أم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: ((لا, إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين)).

وبهذه المقارنات وأمثالها تبين الناسخ من المنسوخ، والمقيد من المطلق، والخاص من العام، ولم يظهر في عصر الصحابة سبب من أسباب الجرح والتعديل بالنسبة لصحابي من الصحابة.

وتفهم الصحابة سنة الخلفاء الراشدين باعتبارها موافقة لسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا تخالفها بحال من الأحوال؛ فعن عروة بن الزبير أنه قال: “أخبر تميم الداري, أو أُخبرت عنه أن تميمًا الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر فضربه بالدرة -أي: العصا الصغيرة التي كانت معه- فأشار إليه تميم أن اجلس وهو في صلاته، فجلس عمر حتى فرغ تميم من الصلاة، فقال لعمر: لِمَ ضربتني؟ قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيت عنهما! قال: فإني قد صليتهما مع من هو خير منك؛ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فقال عمر -رضي الله عنه-: إني ليس بي إياكم أيها الرهط -أي: الجماعة الذين حفظوا السنة كما حفظناها, ووعوها كما وعيناها- ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب، حتى يمرّوا بالساعة التي نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُصلى فيها كما وصلوا ما بين الظهر والعصر، ثم يقولون: قد رأينا فلانًا وفلانًا يصلون بعد العصر”.

فعمر -رضي الله عنه- يعرف السنة، ونهى عن فعلها في المسجد لعدم المبالغة من الناس في ذلك، ولأن الأفضل أداء النوافل في البيت وليس في المسجد، وتميم رأى أن يعرّف بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لئلا يجهلها الناس، وإذا اختلف الاجتهاد في فهم السنة بين الخليفة وبين أحدٍ من الناس؛ فإن أمر الخليفة أو رأيه يكون مقدّمًا، وقد بين عمر -رضي الله عنه- علة نهيه عن ذلك، ولم يخشَ من ضياع السنة؛ لأن التعليم كفيل بالتعريف بها وبالتعريف بسبب عدم أدائها في المسجد.

ورحل الصحابة للتأكد من الحديث؛ فعن أبي أيوب الأنصاري: أنه رحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر, فقال له عقبة: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, لم يبق أحد مما سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غيري وغيرك في ستر المؤمن, قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من ستر مؤمنًا في الدنيا على خزية, ستره الله يوم القيامة)). قال الحاكم: فهذا أبو أيوب على تقدم صحبته, وكثرة سماعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رحلَ إلى صحابي من أقرانه في حديث واحد، لو اقتصر على سماعه من بعض أصحابه لأمكنه، وهل كانت رحلة أبي أيوب ليستوثق من حفظه هو من الحديث، أو ليتأكد من حفظ رفيقه له؛ ليكون كلٌّ منهما سندًا لأخيه عند الحاجة إلى التثبت أو عند التوقف في قبوله؟ والظاهر أن رحلته كانت لكلا الأمرين؛ التأكد من تحمله والتأكد من استمرار حفظ صاحبه للحديث، ومعرفة الراوي بمن سمع معه الحديث وربطه ذلك بحفظه للحديث؛ كل ذلك يدل على ضبطه وعلى شدة عنايته بالحديث.

error: النص محمي !!