Top
Image Alt

تحول العدة، أو انتقالها وتغيرها

  /  تحول العدة، أو انتقالها وتغيرها

تحول العدة، أو انتقالها وتغيرها

قد يطرأ على المعتدة بالأشهر، أو بالأقراء ما يوجب تغير نوع العدة؛ فيجب عليها الاعتداد بمقتضى الأمر الطارئ، وهذه هي الحالات التي تقتضي تحول العدة.

أولًا: تحول العدة من الأشهر إلى الأقراء:

إذا طلقت الصغيرة، أو طلقت المرأة التي بلغت سن اليأس فشرعت في العدة بالشهور ثم حاضت قبل انتهاء العدة لزمها الانتقال إلى الإقراء، وبطل ما مضى من عدتها، ولا تنتهي عدتها إلا بثلاث حيضات كوامل عند الحنفية والحنابلة، وبثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية؛ لأن الشهور بدل عن الأقراء فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها كالقدرة على الوضوء في حق المتيمم ونحوه، والآيسة لما رأت الدم تبين أنها أخطأت الظن؛ فإن انقضت عدتها بالشهور، ثم حاضت لم يلزمها استئناف العدة بالأقراء؛ لأن هذا معنى حدث بعد انقضاء العدة، وقد حصل المحصول بالبدل، فلا يبطل حكمه بالقدرة على الأصل؛ كمن صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء بعد انتهاء وقت الصلاة، فلا يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة.

ثانيًا: تحول العدة من الأقراء إلى الأشهر، أو وضع الحمل:

إذا شرعت المطلقة في العدة بالأقراء ثم ظهر بها حمل من الزوج على رأي المالكية والشافعية بأن الحامل قد ترى الدم -قد تحيض أحيانًا- سقط حكم الأقراء وانتقلت إلى عدة أخرى بوضع الحمل؛ لأن الأقراء دليل على براءة الرحم في الظاهر، والحمل دليل على شغل الرحم قطعًا؛ فيسقط الظاهر بالقطع، وإذا طلقت المرأة التي كانت تحيض فحاضت مرة، أو مرتين ثم أيست، أي: انقطع حيضها انتقلت عدتها من الحيض إلى الأشهر، ولا تعتد بالأشهر عند الحنفية إلا بعد بلوغها سن اليأس وهو خمسة وخمسين سنة، فإذا بلغت سن اليأس استأنفت العدة بالأشهر التي هي عدة الآيسة.

وقال المالكية، والحنابلة: تعتد سنة؛ تسعة أشهر من وقت الطلاق تنتظر فيها لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، ثم تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر؛ عملًا بقول عمر رضي الله عنه.

وقال الشافعية في الجديد: تكون في عدة أبدًا حتى تحيض، أو تبلغ سن اليأس كما قال الحنفية، فتعتد حينئذ بثلاثة أشهر؛ لأن الاعتداد بالأشهر جُعل بعد سن اليأس فلم يجز قبله، وهذه ليست آيسة، ولأنها ترجو عود الدم فلم تعتد بالشهور كما لو تباعد حيضها لعارض.

ثالثًا: الانتقال إلى عدة وفاة:

إذا مات الرجل في أثناء عدة زوجته التي طلقها طلاقًا رجعيًّا انتقلت بالإجماع من عدتها بالأقراء، أو الأشهر إلى عدة الوفاة؛ وهي أربعة أشهر وعشرة أيام؛ سواء أكان الطلاق في حال الصحة، أو في حال مرض الموت؛ لأن المطلقة رجعية تعد زوجة ما دامت في العدة، وموت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة فتلغو أحكام الرجعة وسقطت بقية عدة الطلاق؛ فتسقط نفقتها وتثبت أحكام عدة الوفاة من إحداد وغيره.

رابعًا: العدة بأبعد الأجلين وعدة طلاق الفارّ:

للفقهاء مذهبان؛ مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن والإمام أحمد: إن كان الطلاق فرارًا من إرث الزوجة بأن طلق الزوج زوجته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث ثم مات وهي في العدة؛ فإنها تنتقل من عدة الطلاق إلى العدة بأبعد الأجلين من عدة الوفاة وعدة الطلاق احتياطًا بأن تتربص أربعة أشهر وعشرًا من وقت الموت، فإن لم تر فيها حيضًا تعتد بعدها بثلاث حيضات في رأي الحنفية والحنابلة، وإن امتدت طهرها تبقى عدتها حتى تبلغ سن اليأس؛ لأن المرأة لما ورثت من زوجها اعتبر الزواج قائمًا حكمًا وقت الوفاة؛ فتجب عليها عدة الوفاة، وبما أن الطلاق بائن فلا تعد زوجيتها قائمة، ولا تجب عليها عدة الوفاة؛ وإنما عدة الطلاق، فمراعاةً لهذين الاعتبارين تتداخل العدتان، وتعتد بهما معًا؛ تعتد أولًا بعدة الوفاة، ثم بعد ذلك تعتد بعدة الطلاق.

أما الإمام مالك والشافعي وأبو يوسف؛ فإنهم قالوا: إن زوجة الفار، أي: من طلق زوجته في مرض موت؛ فرارًا من إرثه لا تعتد بأطول الأجلين من عدة الوفاة، أو ثلاثة قروء؛ وإنما تُكمل عدة الطلاق؛ لأن زوجها مات وليست زوجة له؛ لأنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة، واعتبار الزواج قائمًا وقت الوفاة في رأي الإمام مالك إنما هو في حق الإرث فقط لا في حق العدة؛ لأن ما ثبت على خلاف الأصل لا يتوسع فيه.

ويتصور اعتداد المرأة بأبعد الأجلين لدى الشافعية فيما لو طلق الرجل إحدى امرأتيه طلاقًا بائنًا، ومات قبل بيان أو تعيين المطلقة؛ فإن كل واحدة تعتد بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها؛ لأن كل واحدة وجب عليها عدة بالطلاق واشتبهت عليها بعدة أخرى بالوفاة؛ فوجب أن تأتي بأبعد الأجلين؛ لتخرج عما عليها بيقين، كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين يلزمه أن يأتي بهما، وتعتد المرأة بأقصى الأجلين عند المالكية كما بان في حال الانتقال إلى عدة وفاة؛ كأن يموت زوج الرجعية في عدتها.

وقت ابتداء العدة، وما يعرف به انقضاؤها:

ابتداء العدة؛ فصل الحنفية مبدأ العدة على النحو التالي:

أ. إن كان الزواج صحيحًا؛ فمبدأ العدة بعد الطلاق، أو الفسخ، أو الموت، فابتداء العدة في الطلاق ونحوه عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة بالاتفاق بين الفقهاء، وتنقضي العدة وإن جهلت المرأة بالطلاق، أو الوفاة؛ لأنها أجل فلا يشترط العلم بمضي الأجل؛ سواء اعترف الرجل بالطلاق، أو أنكر؛ فلو طلق الرجل امرأته ثم أنكره وأقيمت عليه بينة وقضى القاضي بالفرقة؛ كأن ادعته عليه في شوال وقضى به القاضي في شهر الله المحرم فالعدة من وقت الطلاق لا من وقت القضاء.

وتنقضي العدة وإن لم تعلم المرأة بالطلاق، أو الوفاة فلو طلق الرجل امرأته الحامل، أو مات عنها ولم يبلغها الخبر حتى وضعت انقضت عدتها بالاتفاق.

ب. وإن كان الزواج فاسدًا؛ فمبدأ العدة بعد، أو عقيب التفريق من القاضي بين الزوجين، أو بعد المتاركة وإظهار عزم الواطئ على ترك وطئها بأن يقول بلسانه: تركت وطأها، أو تركتها، أو خليت سبيلها ونحوه، ومنه الطلاق وإنكار الزوج إذا كان بحضرتها، وإلا فلا يعد الإنكار متاركة.

ج. وإن كان الوطء بشبهة؛ فقد قال العلامة ابن عابدين: لم أر من صرح بمبدأ العدة في الوطء بشبهة بلا عقد، وينبغي أن يكون من آخر الوطآت عند زوال الشبهة بأن علم أنها غير زوجته وأنها لا تحل؛ إذ لا عقد هنا، فلم يبق سبب للعدة سوى الوطء المذكور. وهذا الرأي حق؛ فإن بدء العدة ببدء السبب الذي أدى إليها، والوقاع في حالة الوطء بشبهة هو سبب هذه العدة، فتبتدئ منه.

تداخل العدتين:

إذا تجدد سبب العدة في أثناء عدة سابقة؛ فهل تتداخل العدتان، أو تكمل المعتدة العدة السابقة وتستأنف بعدئذ عدة أخرى؟

يرى الحنفية أنه إذا وجبت عدتان تداخلتا؛ سواء أكانتا من جنس واحد، أو من جنسين، وسواء أكانتا من رجل واحد، أو من رجلين.

مثال الجنس الواحد ومن رجل واحد: إذا تزوجت المطلقة في عدتها؛ فوطئها الزوج الثاني ثم تتاركا، أي: فسخ النكاح بينهم حتى وجبت عليها عدة أخرى؛ فإن العدتين تتداخلان، فعدتها من الزوج الثاني هي عدتها من زوجها الأول.

ومثال الجنسين ومن رجلين: المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة فعليها عدة أخرى، وتتداخل العدتان؛ وذلك لأن العدة عند الحنفية هي أجل حدد لانقضاء ما بقي من آثار الزواج، بخلاف الجمهور الذين يجعلون العدة هي فعل التربص، ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف أنه إذا طلق الرجل زوجته التي دخل بها طلاقًا بائنًا بينونة صغرى ثم تزوجها قبل انقضاء عدتها، وطلقها قبل أن يدخل بها وجب عليها أن تبدأ عدة جديدة، ولا تبني على ما سبق من العدة الأولى؛ لأنها بالعقد عادت إلى حالها الأول وهي كانت مدخولًا بها فإذا طلقها كان طلاقًا بعد الدخول حكمًا؛ فيجب عليها عدة مستقلة ولها مهر كامل، ولم يوجب مالك ومحمد عليها عدة جديدة، بل تكمل عدتها الأولى، ويجب لها نصف المهر المسمى.

وقال الجمهور: إذا كانت العدتان لشخص واحد ومن جنس واحد تداخلتا؛ كأن يطلق رجل زوجته ثم يطؤها في عدة أقراء، أو أشهر جاهلًا كون الطلاق بائنًا، أو عالمًا أنها رجعية تداخلت العدتان؛ فتبتدئ عدة بأقراء، أو أشهر من فراغ الوقت، ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأن مقصود عدة الطلاق والوطء واحد فلا معنى للتعدد، وتكون تلك البقية واقعة عن الجهتين.

وكذلك تتداخل العدتان إن لم تتفقا، وكانتا من جنسين بأن كانت إحداهما حملًا والأخرى أقراء؛ بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها قبل وضع الحمل، أو طلقها وهي غير حامل ثم وطئها في أثناء الأقراء فأحبلها؛ فتنقضي العدتان بوضع الحمل على الجهتين؛ سواء أرأت الدم مع الحمل، أو لا، وللزوج في عدة طلاق رجعي أن يراجع قبل وضع الحمل.

أما إن كانت العدتان من شخصين؛ بأن كانت في عدة زوج، أو في عدة وطء شبهة ثم وطئت بشبهة، أو نكاح فاسد، والواطئ غير صاحب العدة الأولى، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت بعد وطء الشبهة فلا تتداخل؛ عملًا بأثر عمر وعلي الذي رواه الشافعي رضي الله عنهم فإن وجد حمل اعتدت بوضعه أولًا، وإن لم يكن حمل أتمت عدة الطلاق، ولو كان الوطء بشبهة سابقًا للطلاق؛ لقوة عدة الطلاق بسبب استنادها إلى عقد جائز وسبب مسوغ، ثم تستأنف العدة الأخرى، ولو تزوجت المطلقة في عدتها من الطلاق فدخل بها الثاني ثم فرق بينهما لبطلان الزواج اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الثاني.

أما عند الحنفية فتعتد من الثاني بعد مفارقته، وتكون عدة الأقراء من الثاني عن بقية عدة الأول وعدة الثاني؛ لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعًا، وإن كانت حاملًا فوضع الحمل يجزي عن العدتين بالاتفاق كما بينا.

error: النص محمي !!