Top
Image Alt

تحويل القبلة، والرد على السفهاء من الكفرة والمنافقين

  /  تحويل القبلة، والرد على السفهاء من الكفرة والمنافقين

تحويل القبلة، والرد على السفهاء من الكفرة والمنافقين

1. الآية: (142): {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}:

الآثار:

أخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود في (ناسخه)، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن حبان، والبيهقي في (سننه)، عن البراء بن عازب: ((أن النبيصلى الله عليه وسلم كان أوّل ما قدِم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلّى إلى بيت المقدس ستّة أو سبعة عشَر شهرًا. وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنّ أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم. فخرج رجل ممّن كان صلّى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل الكعبة))، فداروا كما هُم قِبَل البيت. ثم أنكروا ذلك. وكان الذي مات على القِبلة قبْل أن تُحوّل قِبل البيت رجالًا وقُتلوا فلم ندْر ما نقول فيهم. فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}.

وأخرج ابن إسحاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن البراء، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمْر الله. فأنزل الله: {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَآءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ})). فقال رجال من المسلمين: وددْنا لو علِمنا من مات منّا قبل أن نُصرف إلى القِبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. وقال السفهاء من الناس -وهم من أهل الكتاب-: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}؟ فأنزل الله: {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ}.

وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي، عن البراء، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلّى نحو بيت المقدس ستّة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحبّ أن يصلّي نحو الكعبة. فكان يرفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله: {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ}، فوجّه نحو الكعبة))، وقال السفهاء من الناس -وهم اليهود-: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}؟ فأنزل الله: {قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، في (ناسخه)، والبيهقي، عن ابن عباس، قال: “أوّل ما نُسخ في القرآن: القِبلة؛ وذلك ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمَره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرًا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ قبلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل: {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ} إلى قوله: {فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}))، يعني: نحوه. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}؟ فأنزل الله: {قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}، وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ}”.

وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود في (ناسخه)، والنحاس، والبيهقي في (سننه)، عن ابن عباس: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه. وبعدما تحوّل إلى المدينة ستة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة)).

وأخرج أبو داود في (ناسخه)، عن ابن عباس، قال: “أوّل ما نُسخ من القرآن: القِبلة، وذلك ((أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يستقبل صخرة بيت المقدس -وهي قِبلة اليهود- فاستقبلها سبعة عشر شهرًا ليُؤمنوا به ولِيتّبعوه، وليدعوا بذلك الأمِّيِّين من العرب، فقال الله: {وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ}، وقال: {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ}))”.

وأخرجه ابن جرير عن عكرمة، مرسلًا.

وأخرج أبو داود في (ناسخه)، عن أبي العالية: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر نحو بيت المقدس، فقال لجبريل: وددْتُ أنّ الله صَرَفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال له جبريل: إنّما أنا عبْد مثلك، ولا أملك لك شيئًا، إلّا ما أُمِرت. فادْع ربّك وسَلْه. فجَعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله: {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَآءِ}))، يقول: إنك تديم النظر إلى السماء للّذي سألت: {خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }، يقول: فحوِّلْ وجهَك في الصلاة نحو المسجد الحرام، {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} يعني: من الأرض، {فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ} في الصلاة {شَطْرَهُ} نحو الكعبة.

وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في (الدلائل)، عن ابن عباس، قال: ((صُرفَت القِبلة عن الشام إلى الكعبة في رجب، على رأس سبعة عشر شهرًا مِن مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ونافع بن نافع، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحقيق، وكنانة بن أبي الحقيق، فقالوا له: يا محمد ما ولّاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودِينه؟ ارجعْ إلى قِبلتك التي كنت عليها نتّبعْك ونُصدِّقك. وإنما يريدون فتنته عن دِينه. فأنزل الله: {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ} إلى قوله: {إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ}))، أي: ابتلاءً واختبارًا. {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ} أي: ثبَّت الله.

{وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، يقول: صلاتكم بالقِبلة الأولى، وتصديقكم نبيّكم واتّباعكم إيّاه إلى القِبلة الآخِرة، أي: ليعطينّكم أجرهما جميعًا. {إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}إلى قوله: {فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}.

وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وأبو داود في (ناسخه) والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء، في قوله: {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ}، قال: “اليهود”.

وأخرج البيهقي في (الدلائل)، عن الزهري، قال: “((صُرفت القبلة نحو المسجد الحرام في رجب، على ستة عشر شهرًا من مَخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهَه في السماء وهو يصلِّي نحو بيت المقدس، فأنزل الله حين وجّهه إلى البيت الحرام: {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ} وما بعْدها من الآيات)). فأنشأت اليهود تقول: قد اشتاق الرّجُل إلى بلده وبيت أبيه، وما لَهم قد تركوا قبلتهم يصلّون مرة وجهًا ومرة وجهًا آخَر؟ وقال رجال من الصحابة: فكيف بمن مات وهو يصلِّي قِبَل بيت المقدس؟ وفرِح المشركون وقالوا: إنّ محمدًا قد التَبس عليه أمرُه، ويوشك أن يكون على دينكم. فأنزل الله في ذلك هؤلاء الآيات”.

وأخرج ابن جرير، عن السدي، قال: “لمّا وُجِّه النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافًا. فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قِبلة زمانًا ثم تركوها وتوجَّهوا غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يُصلّون قِبَل بيت المقدس، هل يَقبَل الله منّا ومنهم أم لا؟ وقال اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قِبلتنا لكنّا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر. وقال المشركون مِن أهل مكة: تحيّر على محمد دينُه، فتوجّه بقِبلته إليكم وعلِم أنّكم أهدى منه. ويوشك أن يدخل في دِينكم. فأنزل الله في المنافقين {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ} إلى قوله: {إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ}، وأنزل في الآخَرين الآيات بَعْدها”.

وأخرج ابن عديّ، والبيهقي في (الدلائل) من طريق سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ((صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قدِم المدينة ستّة عشر شهرًا نحو بيت المقدس، ثم حُوِّل بعد ذلك قِبَل المسجد الحرام، قَبل بدر بشهريْن)).

وأخرج مالك، وأبو داود في (ناسخه)، وابن جرير، والبيهقي في (الدلائل)، عن سعيد بن المسيب مُرسلًا.

وأخرج أبو داود في (ناسخه)، عن سعيد بن عبد العزيز: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس من شهر ربيع الأول إلى جمادى الآخِرة)).

وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن المسيب: أنّ الأنصار صلّت للقِبلة الأولى قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بثلاث حجج، و((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى للقبلة الأولى بعد قدومه المدينة ستّة عشر شهرًا))…..

وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، عن عمارة بن أوس الأنصاري، قال: “صلّيْنا إحدى صلاتي العشيّ، فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة، فنادى أنّ الصلاة قد وجبت نحو الكعبة، فحوّل أو انحرف إمامنا نحو الكعبة، والنساء والصبيان”.

وأخرج ابن أبي شيبة، والبزار، عن أنس بن مالك، قال: “جاءنا مُنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ القِبلة قد حُوِّلتْ إلى بيت الله الحرام -وقد صلّى الإمام ركعتيْن- فاستداروا، فصلّوا الركعتيْن الباقيتيْن نحو الكعبة”.

وأخرج ابن سعد، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: ((صلّيتُ القِبلتيْن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصُرفت القِبلة إلى البيت ونحن في صلاة الظهر، فاستدار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا، فاستدرنا معه)).

وعن أبي العالية، في قوله: {يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} قال: “يهديهم إلى المخرج مِن الشّبهات والضلالات والفِتن”.

وأخرج أحمد، والبيهقي في (سننه)، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنهم -يعني: أهل الكتاب- لا يَحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلّوا عنها، وعلى القِبلة التي هدانا الله لها وضلّوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين)).

وأخرج الطبراني، عن عثمان بن حنيف، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدِم من مكة، يدعو الناس إلى الإيمان بالله، في تصديق به قولًا وعملًا، والقبلة إلى بيت المقدس، فلمّا هاجر إلينا نزلت الفرائض، ونسخت المدينة مكة والقولَ فيها، ونَسخ البيت الحرام بيتَ المقدس، فصار الإيمان قولًا وعملًا)).

وأخرج البزار، والطبراني، عن عمرو بن عوف، قال: ((كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدِم المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، ثم حُوِّلت إلى الكعبة)).

أقوال المفسِّرين:

قيل: المراد بـ{السّفَهَآءُ} ها هنا مشركو العرب، وقيل: أحبار يهود، وقيل: المنافقون.

قال ابن كثير: “والآية عامّة في هؤلاء كلهم -والله أعلم”.

و{عَن قِبْلَتِهِمُ} يعني: بيت المقدس.

وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه ((قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يُصلِّي بيْن الرّكنيْن، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة، تعذّر الجمع بينهما، فأمَره الله بالتوجّه إلى بيت المقدس))؛ قاله ابن عباس، والجمهور.

والمقصود أنّ التّوجّه إلى بيت المقدس بعد مَقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجَّه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام فأُجيب إلى ذلك، وأُمِر بالتّوجّه إلى البيت العتيق. فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فأعلمهم بذلك.

ولما وقع هذا، حصل لبعض الناس من أهل النفاق والرّيب والكفَرة من اليهود، ارتياب وزيْغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}؟ أي قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: {قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: الحُكم والتّصرّف والأمْر كلّه لله. {فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ}، و{لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ} أي: الشأن كلّه في امتثال أوامر الله؛ فحيثما وجَّهَنا توجّهْنا، فالطاعة في امتثال أمْره، ولو وجّهَنا في كلّ يوم مرات إلى جهات مُتعدِّدة فنحن عبيده، وفي تصرّفه وخدّامه، حيثما وجّهَنا توجّهْنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قِبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجّههم إلى الكعبة المبنيّة على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض؛ إذ هي بناء إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا قال: {قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}.

2. الآية: (143): {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}:

الآثار:

أخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والترمذي، والنسائي وصحّحه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والإسماعيلي في صحيحه، والحاكم وصحّحه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً}، قال: ((عَدْلًا))…..

وعن القاسم بن عبد الرحمن، قال: “قال رجل لابن عمر: مَن أنتم؟ قال: ما تقولون؟ قال: نقول: إنكم سِبْط، وتقول: إنكم وسَط. فقال: سبحان الله إنما السِّبط في بني إسرائيل، والأمّة الوسط أمّة محمد صلى الله عليه وسلم جميعًا”.

وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في (الأسماء والصفات) عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُدعَى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعو قومه فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا مِن أَحَد. فيُقال لنوح: مَن يَشْهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّتُه. فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً}. قال: والوسط: العَدْل. فتُدعَوْن فتَشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم))……

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا وأمّتي يوم القيامة على كوم مُشرفين على الخلائق. ما مِن الناس أحد إلّا ودّ أنه منّا، وما مِن نبيّ كذّبه قومه إلّا ونحن نشهد أنه قد بلّغ رسالة ربِّه عز وجل)).

وعن أبي سعيد، في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ} بأن الرّسل قد بلّغوا {وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} بما عمِلْتم…..

وأخرج الطيالسي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) عن أنس، قال: ((مرّوا بجنازة فأُثنِيَ عليه بخير، فقال النبيصلى الله عليه وسلم: وجَبَتْ، وجبَتْ، وجَبَتْ. ومرّ بجنازة فأُثنِيَ عليه بشرّ، فقال النبيصلى الله عليه وسلم: وجبَتْ، وجَبَتْ. فسأله عمر فقال: مَن أثنيْتُم عليه خيرًا وجبَتْ له الجنّة، ومَن أثنيْتُم عليه شرًّا وجبَتْ له النّار. أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)).

زاد الحكيم الترمذي: ((ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ}))……

وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، وأبو نعيم في (الحلية)، والبيهقي في (شُعب الإيمان) والضياء في (المختارة)، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مسلم يموت، فتَشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنَيْن أنهم لا يعلمون منه إلّا خيْرًا، إلّا قال الله: قد قَبِلتُ شهادتكم فيه، وغفرتُ له ما لا تعلمون)).

وأخرجه الخطيب في (تاريخه) بلفظ: ((فيشهد له رجلان من جيرانه))……

وعن زيد بن أسلم: “أنّ الأمم يقولون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمّة أن يكونوا أنبياء كلهم، لما يرون الله أعطاهم”…….

وعن عطاء، في قوله: {وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، قال: “يشهد أنهم قد آمنوا بالحق إذ جاءهم وقبِلوه وصدّقوا به”.

وعن عبيد بن عمير، قال: “يأتي النبي بأمّته ليس معه أحد، فتشهد له أمّة محمد أنّه قد بلّغَهم”…….

وأخرج مسلم، وأبو داود، والحكيم الترمذي، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يكون اللّعّانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة)).

وعن عطاء في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ}، قال: “يعني: بيت المقدس، {إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ}، قال: يبتليهم لِيعْلم من يسلِّم لأمْره”.

وعن ابن عباس، في قوله: {إِلاّ لِنَعْلَمَ}، قال: “إلّا لنميِّز أهل اليقين من أهل الشّكّ. {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} يعني: تحويلها، على أهل الشّكّ والرّيْب”.

وعن ابن جريج، قال: “بلغني أنّ أناسًا من الذين أسلموا رجعوا فقالوا: مرة ها هنا ومرة ها هنا”.

وعن مجاهد في قوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} يقول: “ما أمر به مِن التّحوّل إلى الكعبة من بيت المقدس”.

وعن الحسن: أنّ الحجاج قال له: “ما رأيك في أبي تراب؟ فقرأ قوله: {إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ}. ثم قال: وعليّ منهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخَتَنه على ابنته، وأقرب الناس إليه وأحبّهم”.

وأخرج وكيع، والفريابي، والطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصحّحه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبّان، والطبراني، والحاكم وصحّحه، عن ابن عباس، قال: “لمّا وُجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القِبلة قالوا: يا رسول الله، فكيف بالذين ماتوا وهم يُصلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}”……

وعن ابن عباس: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} “أي: بالقِبلة الأولى، وتصديقكم نبيّكم واتّباعه إلى القِبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا”.

وقال الحسن البصري: “{وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}: أي: ما كان الله ليضيع محمدًا صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف؛ {إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}”.

وعن سعيد بن جبير، في قوله: “رءوف”، قال: “يرأف بكم”.

أقوال المفسِّرين:

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ} أي: مثل ذلك الجعْل العجيب جعلناكم، وكثيرًا ما تأتي “كذلك” مقصودًا بها تثبيت ما بعْدها.

وقيل: مثلما جعلنا قِبلَتكم وسطًا لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسَط الأرض، وهو بناء إبراهيم الذي هو أوسط الأنبياء، وهو مع ذلك خيار البيوت، فهو وسط بكل معنى {جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً}.

ومعنى الآية: إنّما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط ها هنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيْرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا. ومنه: الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي: العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها…

ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا، خصّها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ} [الحج: 78]؛ وذلك أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالِب الله الأنبياء بالبيِّنة على أنهم قد بلّغوا -وهو أعلم- فيُؤتَى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون. فتقول الأمم: مِن أين عرفتم؟ فيقولون: علِمْنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيِّه الصّادق. فيُؤتَى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيُسأل عن حال أمّته، فيُزكِّيهم ويشهد بعدالتهم؛ وذلك قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىَ هَـَؤُلآءِ شَهِيداً}.

وقيل: {لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ} في الدنيا، فيما لا يصحّ إلّا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، يزكِّيكم ويُعْلم بعدالتكم.

وقوله: {الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} ليست بصفة للقِبلة، إنما هي ثاني مفعولَيْ “جعل”، يريد: وما جعلنا القِبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بمكة إلى الكعبة، ثم أُمِر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة، تألّفًا لليهود، ثم حُوِّل إلى الكعبة؛ فيقول: وما جعلنا القِبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنتَ عليها أوّلًا بمكة -يعني: وما رددْناك إليها إلّا امتحانًا للناس وابتلاءً- لِنعلَم الثابت على الإسلام الصادقَ فيه، ممّن هو على حرْف ينكص على عقبيه، لقَلَقِه فيرتدّ، كقوله: {وَمَا جَعَلْنَا عِدّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لّلّذِينَ كَفَرُواْ} [المدَّثر: 31].

ويجوز أن يكون بيانًا للحكمة في جعْل بيت المقدس قِبلته، يعني: أنّ أصل أمْرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمْرًا عارضًا لغرَض. وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا -وهي بيت المقدس- لنمتحن الناس، وننظر مَن يتّبع الرسول منهم ومَن لا يتّبعه وينفر عنه، كما سبق عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كانت قبلته بمكّة بيت المقدس، إلّا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه.

فيقول تعالى: إنما شرعْنا لك يا محمد التّوجّه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال مَن يتّبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجّهت، {مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ} أي: مُرتدًا عن دِينه. {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} أي: هذه الفعلة، وهو صرْف التّوجّه عن بيت المقدس إلى الكعبة. أي: وإن كان هذا الأمر عظيمًا في النفوس، {إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ} قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأنّ كلّ ما جاء به فهو الحق الذي لا مِرية فيه، وأنّ الله يفعل ما يشاء ويَحكُم ما يريد، فله أن يُكلِّف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرَض، فإنه كلّما حدث أمْر أحدث لهم شكًا، كما يحصل للّذين آمنوا إيقانٌ وتصديق، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مّن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هَـَذِهِ إِيمَاناً فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىَ رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124، 125]، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيَ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فُصِّلَت: 44]، وقال تعالى: {وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظّالِمِينَ إَلاّ خَسَاراً} [الإسراء: 82]، ولهذا كان مَن ثبَت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتّباعه في ذلك، وتَوجّه حيث أمَره الله من غير شكّ ولا ريْب من سادات الصحابة.

وقد ذهب بعضهم إلى أنّ السابقين الأوّلِين من المهاجرين والأنصار هُم الذين صلَّوْا إلى القِبلتيْن.

وقد مرّ في الآثار سرعةُ استجابتهم رضي الله عنهم لأمْر الله، حتى إنهم تحوّلوا أثناء صلاتهم، وهذا يدلّ على كمال طاعتهم لله ولرسوله، وانقيادهم رضي الله عنهم لأوامر الله عز وجل.

قال الزمخشري: “{وَإِن كَانَتْ} أي: الرّدّة، أو التحويلة، أو الجعلة، ويجوز أن يكون لِلقِبلة.

{لَكَبِيرَةً}: لثقيلة شاقّة، {إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ} أي: إلّا على الثابتين الصادقين في اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم”.

وقوله: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك. ما كان يضيع ثوابها عند الله.

وقيل: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: ثباتكم على الإيمان، وأنّكم لم تزِلّوا ولم ترتابوا، بل شكَر صنيعَكم وأعدّ لكم الثواب العظيم.

وجوّز بعضهم أن يُراد: وما كان الله ليَترك تحويلَكم لعِلْمه أنّ ترْكه مفسدة وإضاعة لإيمانكم.

{إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}، في الصحيح: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مِن السبي قد فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلتْ كلّما وجدت صبيًّا من السبْي أخذتْه فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها. فلما وجدته ضمّته إليها وألقمته ثدْيَها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أترَوْن هذه طارحةً ولدَها في النار، وهي تقدر على أن لا تطرحه؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فوالله لَلّهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولَدِها)).

3. الآيتان: (144، 145): {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَآءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلّ آيَةٍ مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ}:

الآثار:

عن ابن عباس قال: “كان أوّل ما نُسخ من القرآن القِبلة وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرًا، وكان يحبّ قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله: {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَآءِ} إلى قوله: {فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}، فارتابت من ذلك اليهود، وقالوا: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}، وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ}، وقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ}”…….

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلّم من صلاته إلى بيت المقدس رفَع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: {فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إلى الكعبة، إلى الميزاب، يؤمّ به جبرائيل عليه السلام)).

وأخرج ابن مردويه، عن نويلة بنت أسلم، قالت: “صلّيْنا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلْنا مسجد إيلياء، فصلّيْنا ركعتيْن، ثم جاء مَن يُحدِّثنا أنّ رسول صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل النساء مكان الرِّجال والرِّجال مكان النساء، فصلّيْنا السجدتيْن الباقيتيْن ونحن مستقبلون البيت الحرام. فحدّثني رجُل من بني حارثة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أولئك رجال يؤمنون بالغيْب))”…..

وعن ابن عباس، قال: “البيت كلّه قِبلة، وقِبلة البيت الباب”.

وعن عبد الله بن عمرو، في قوله: {فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}، قال: “قِبلة إبراهيم نحو الميزاب”.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال: “شطره: قِبَلَه”.

وعن البراء في قوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال: “قِبَلَه”.

وعن ابن عباس، قال: “{شَطْرَهُ} نحْوه”……

وعن ابن عباس، في قوله: {وَإِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ}، قال: “يعني بذلك القِبلة”.

وعن أبي العالية، في قوله: {وَإِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ} “يقول: لَيعلمون أنّ الكعبة كانت قِبلة إبراهيم والأنبياء، ولكنّهم تركوها عمدًا، {وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ}، يقول: يكتمون صِفة محمد وأمْر القِبلة”.

أخرج ابن جرير، عن السدي، في قوله: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} “يقول: لا اليهود بتابعي قِبلةَ النصارى، ولا النصارى بتابعي قِبلة اليهود”.

أقوال المفسِّرين:

قوله: {تَقَلّبَ وَجْهِكَ}: تردّد وجْهِك، وتصرّف نظرِك في جهة السماء.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقّع من ربّه أن يحوِّله إلى الكعبة، لأنها قِبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتُهم ومزارُهم ومطافُهم، ولمخالفة اليهود، فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل.

{فَلَنُوَلّيَنّكَ}: فلنُعطينّك ولنُمكِّننّك مِن استقبالها، من: قولك: “ولّيتُه كذا” إذا جعلتَه واليًا له، أو فلنجْعلنّك تلِي سَمْتها دون سَمْت بيت المقدس.

{تَرْضَاهَا}: تحبّها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرْتَها، ووافقتْ مشيئةَ الله وحِكمته.

{فَوَلّ وَجْهَكَ}: تخصيص التّولية بالوجه، لأنّه مدار التّوجّه، وقيل المراد: جميع البدن، وكُنِيَ بذلك عنه لأنه أشرف الأعضاء وبه يتمايز الناس، وقيل: مراعاة لذِكْره قبْل.

{شَطْرَ الْمَسْجِدِ}: نُصب على الظرف، أي: اجعلْ توليَةَ الوجْه تلقاء المسجد، أي: في جهته وسَمْته، لأن استقبال عين القِبلة فيه حرَج عظيم على البعيد. وذكْر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العيْن.

وهذا عليه الأكثرون: أنّ المراد: المواجهة، وكما في الحديث: ((ما بيْن المشرق والمغرب قِبلة)).

وقال آخرون، وهو أحدُ قولَي الشافعي: أنّ الغرض إصابة عيْن الكعبة.

وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}: أمَر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النّافلة في حال السّفر، فإنه يُصلِّيها حيثما توجّه قالَبه وقلْبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسابقة في القتال يصلِّي على كلّ حال. وكذا مَن جَهِل جهة القِبلة يصلّي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفْس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلِّف نفسًا إلّا وُسعها.

قال الآلوسي: “وفائدة تعميم الأمكنة على ما ذهب إليه البعضُ: دفْع توهّم أنّ هذه القبلة مختصّة بأهل المدينة، وقيل: لمّا كان الصّرف عن الكعبة لاستجلاب قلوب اليهود، وكان مظنّة أن لا يتوجّه إليها في حضورهم، أشار إلى تعميم التّولية جميع الأمكنة، أو يقال: صرّح بأن التّولية جهة الكعبة فرْض مع حضور بيت المقدس، ولأهله أيضًا لئلّا يظنّ أنّ حضور بيت المقدس يَمنع التّوجّه إلى جهة الكعبة مع غيبتها”.

وقوله: {وَإِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ} أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أنّ الله تعالى سيوجِّهك إليها، بما في كُتبهم عن أنبيائهم، مِن النّعت والصِّفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّته، وما خصّه الله تعالى به وشرّفَه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكنّ أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم، حسدًا وكفرًا وعنادًا؛ ولهذا تهدّدَهم تعالى بقوله: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ}.

قال الزمخشري: “لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنّه يصلِّي إلى القِبلتيْن”.

ثم يخبر تعالى عن كفْر اليهود وعنادِهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنه لو أقام عليهم كلّ دليل على صحّة ما جاءهم به، لَمَا اتّبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ حَقّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلّ آيَةٍ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ} [يونس: 96، 97]، ولهذا قال ها هنا: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلّ آيَةٍ مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ}، وقوله: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}: إخبار عن شدّة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لِمَا أمَره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضًا مستمسك بأمْر الله وطاعته واتّباع مرضاته، وأنه لا يتّبع أهواءهم في جميع أحواله، ولا كونه متوجِّهًا إلى بيت المقدس لكوْنها قِبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمْر الله تعالى.

وقوله: {بِكُلّ آيَةٍ} أي: بكلّ برهان قاطِع أنّ التّوجّه إلى الكعبة هو الحقّ.

{مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} لأنّ ترْكَهم اتّباعك ليس عن شبهة تُزيلها بإيراد الحجّة، إنما هو عن مكابرة وعناد، مع علمهم بما في كُتبهم مِن نعْتك أنك على الحق.

{وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} حسْم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك، وقالوا: لو ثَبَت على قِبْلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبَنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قِبلتهم.

وفيها إشارة إلى أنّ هذه القبلة لا تصير منسوخة أبدًا، وقيل: إنها خبريّة لفظًا، إنشائية معنًى، ومعناها: النهْي، أي: لا تتّبعْ قِبلتهم، أي: داومْ على عدَم اتّباعِها.

{وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} يعني: أنهم مع اتّفاقهم على مخالفتِك، مُختلفون في شأن القِبلة، لا يُرجى اتّفاقُهم كما لا تُرجَى موافقتُهم لك؛ وذلك أنّ اليهود تستقبل بيت المقدس، والنّصارى مَطلع الشمس. أخبر عز وجل عن تصلّب كلِّ حزْب فيما هو فيه، وثباته عليه. فالمُحقّ منهم لا يزلّ عن مذهبه لِتَمسّكه بالبرهان، والمبطل لا يُقلع عن باطله لشدّة شكيمته في عناده.

ثم حذّر تعالى عن مخالفة الحقّ الذي يعلَمه العالِم، إلى الهوى؛ فإنّ العالِم الحجّةُ عليه أقوم من غيره؛ ولهذا قال مخاطبًا للرسول والمراد به الأمّة: {وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ}. وقوله: {وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} بعْد الإفصاح عن حقيقة حالِه المعلومة عنده، في قوله: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}: كلام وارد على سبيل الفرْض والتقدير، بمعنى: ولئن اتّبعتَهم مثلًا بعْد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمْر، إنّك إذًا لَمِنَ الظالمين المُرتكبين الظّلم الفاحش، وفي ذلك لُطف للسّامعين، وزيادة تحذير واستفظاع لحال مَن يَترك الدليل بعد إنارته، ويتّبع الهوى، وتهييج وإلهاب للثّبات على الحقّ.

error: النص محمي !!