Top
Image Alt

تدليس الشيوخ: تعريفه، والأغراض الحاملة عليه، وحكمه

  /  تدليس الشيوخ: تعريفه، والأغراض الحاملة عليه، وحكمه

تدليس الشيوخ: تعريفه، والأغراض الحاملة عليه، وحكمه

تعريف تدليس الشيوخ:

هو أن يذكر الراوي المدلس شيخه الذي يروي عنه بغير ما عُرف واشتهر به من اسم أو كنية أو لقب أو نسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صنعة، أو نحو ذلك؛ حتى لا يُعرف لأنه صغير السن أو ضعيف أو غير ذلك.

قال البقاعي: لا يختص ذلك بشيخه الذي سمع منه؛ بل لو فعل ذلك في شيخ شيخه ومن فوقه إلى آخر السند كان حكمه كذلك.

قال الحافظ ابن حجر: أما تدليس الشيوخ؛ فهو أن يصف شيخه بما لم يشتهر من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة؛ إيهامًا للتكثُّر غالبًا، وقد يفعل ذلك لضعف شيخه، وهو خيانة ممن تعمده؛ كما إذا وقع ذلك في تدليس الإسناد -والله المستعان.

قال الحافظ السيوطي: قال شيخ الإسلام ابن حجر: ويدخل أيضًا في هذا القسم: التسوية بأن يصف شيخ شيخه بذلك.

الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ:

الحامل على هذا النوع من التدليس أمور منها:

السبب الأول: ضعف الشيخ الذي روى عنه المدلس؛ فيعمد المدلس إلى تغيير اسم شيخه الضعيف أو كنيته أو غير ذلك بغرض إخفائه عن النقاد لكونه ضعيفًا؛ وحتى لا يظهر أنه يروي عن الضعفاء؛ كما حدث بالنسبة لمحمد بن سعيد بن حسان الأزدي المصلوب؛ حيث قلبوا اسمه على نحو مائة اسم؛ فيقولون: محمد بن أبي سعيد، ومحمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، وربما قالوا: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وغير ذلك على معنى التعبيد لله تعالى، وينسبونه إلى جده، ويكنون الجد حتى يتسع الأمر جدًّا؛ والغرض من ذلك كله إخفائه عن النقاد لأنه كان كذابًا يضع الحديث.

وهذا النوع شر أنواع تدليس الشيوخ؛ قال الحافظ السخاوي: لتضمنه الخيانة والغش والغرر، وذلك حرام إلا أن يكون الذي غيره اسمه ثقة عند فاعله؛ فهو أسهل إن لم يكن قد انفرد هو بتوثيقه مع علمه بتضعيف الناس له.

ومع ذلك؛ فهو أسهل من تدليس الإسناد الذي سبق قبل ذلك؛ قال الحافظ السيوطي: عن هذا النوع: هو شر هذا القسم، والأصح أنه ليس بجرح، وجزم ابن الصباغ بأن من فعل ذلك لكون شيخه غير ثقة عند الناس فغيره ليقبلوا خبره؛ يجب ألا يقبل خبره وإن كان هو يعتقد فيه الثقة.

جواز أن يعرف غيره من النقاد من جرحه ما لا يعرفه هو:

قال الآمدي: إن فعله لضعفه؛ فجرح؛ أو لاختلافهم في قبول روايته فلا.

قال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه؛ فجرح وإلا فلا.

قال الإمام النووي: وهذا -أي: تدليس الشيوخ- نوع من التدليس، وهو قبيح مذموم؛ فإنه يلبس أمره على الناس ويوهم أن ذلك الراوي ليس هو ذلك الضعيف؛ فيخرجه عن حاله المعروفة بالجرح المتفق عليه وعلى تركه إلى حالة الجهالة التي لا تؤثر عند جماعة من العلماء؛ بل يحتجون بصاحبها، إلى أن قال: وأقبح هذا النوع أن يكني الضعيف أو يسميه بكنية الثقة أو باسمه؛ لاشتراكهما في ذلك، وشهرة الثقة به؛ فيوهم الاحتجاج به.

السبب الثاني: أن يكون الشيخ الذي روى عنه أصغر سنًّا منه أو أكبر منه لكن بقليل؛ قال الحافظ السخاوي: وقد روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا الحافظ الشهير صاحب التصانيف؛ فلكون الحارث أكبر منه قال فيه مرة: عبد الله بن عبيد، ومرة: عبيد الله بن سفيان، ومرة: أبو بكر بن سفيان، ومرة: أبو بكر الأموي.

قال الخطيب: وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم وترك الحمية.

السبب الثالث: أن يكون الشيخ الذي روى عنه المدلس تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه.

السبب الرابع: أن يكون الراوي المدلس قد أكثر من الرواية عن شيخه؛ فيغير وصفه ويذكره بغير المعروف به؛ لأنه لا يحب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة، أو ليوهم بذلك العمل كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم؛ حتى يُظن الواحد جماعة.

وإلى ذلك أشار الخطيب بقوله: أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة؛ فلا يحب تكرار الرواية عنه؛ فيغير حاله لذلك.

السبب الخامس: خوف المدلس من عدم أخذ الحديث عنه وانتشاره مع الاحتياج إليه: فقد يكون الشيخ الذي سماه أو كناه بغير ما عرف به تكلم فيه علماء الجرح والتعديل بما يعلم الراوي المدلِّس أنه بريء مما اتهم به؛ فيفعل ذلك حتى لا يُفطن إليه ويقبل الناس حديثه.

السبب السادس: اختبار المخاطبين ولفت أنظارهم إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم ونسبتهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحِرَفهم وألقابهم وكناهم وكذا الحال في آبائهم.  قال الحافظ ابن حجر: وقد بلغنا أن كثيرًا من الأئمة الحفاظ امتحنوا طلبتهم المهرة بمثل ذلك؛ فشهد لهم بالحفظ لما يسرعون بالجواب عن ذلك.

قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة، وهي: امتحان الأذهان في استخراج ذلك، وإلقائه إلى من يريد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال، وفيه مفسدة من جهة أنه قد يخفى؛ فيصير الراوي المدلَّس مجهولًا لا يعرف؛ فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلًا في نفس الأمر.

السبب السابع: قد يقع التدليس من الراوي لكون الراوي الذي دلس اسمه حيًّا، وعدم التصريح به أبعد من المحظور الذي نهى الشافعي وغيره من العلماء عنه؛ حيث حذروا من التحديث عن الأحياء؛ خوفًا من أن يكون هذا الحي قد نسي ما حدث به؛ فينكر على من يروي عنه.

السبب الثامن: ومن أقسام تدليس الشيوخ: أن يسمي الراوي شيخه أو يكنيه باسم شيخ آخر مشهور؛ كما فعل ابن السبكي؛ فكان يقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -يعني: الذهبي- تشبهًا بالبيهقي؛ حيث يقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -يعني: به الإمام الحاكم صاحب (المستدرك) -رحمه الله.

السبب التاسع: أن يوهم الراوي المدلس كثرة الرحلة واللقاء؛ كأن يقول: حدثنا من وراء النهر، يوهم نهر جيحون، ويريد عيسى ببغداد، أو نهر الجيزة بمصر.

قال السيوطي: عقب ذكر هاتين الصورتين؛ وليس ذلك بجرح قطعًا؛ لأن ذلك من المعاريض لا من الكذب.

حكم تدليس الشيوخ:

يختلف حكم تدليس الشيوخ باختلاف الغرض الحامل على التدليس؛ فإن كان الغرض إخفاء الراوي عن النقاد لكونه ضعيفًا حتى يقبل حديثه؛ فهذا حرام لما فيه من غش وتلبيس، وهذا القسم شر أنواع تدليس الشيوخ، وقد سبق حكم هذا القسم عقب ذكره؛ ومع ذلك؛ فهذا القسم أخف من تدليس الإسناد. أما إذا كان الباعث على التدليس غير ذلك؛ كأن يكون الشيخ الذي روى عنه أصغر منه أو غير ذلك من البواعث على التدليس؛ فإنه؛ مع ما فيه من تغطية الراوي وتوعير طريق معرفته؛ إلا أنه لا يكون حرامًا؛ بل يكون مكروهًا؛ لأن الراوي لما ذكر الشيخ بغير ما عرف به جعله كمجهول العين والحال؛ وفي هذه الحالة لا يقبل خبره إلا إذا وقفنا عليه وعرفنا أنه عدل ضابط.

وإنما كان تدليس الشيوخ أسهل من تدليس الإسناد وحكمه أخف؛ لأن تدليس الشيوخ لا يخفى على الأئمة الحذاق المهرة المطلعين على الأسانيد العارفين بالرجال غالبًا؛ أما تدليس الإسناد فلا يعرف إلا باعتراف الراوي المدلس بأنه لم يسمع هذا الحديث من ذلك الشيخ، أو بأن يرويه مرة أخرى؛ فيدخل بينه وبين من حدث عنه واسطة وهو الذي أسقطه.

قال الإمام النووي: وأما القسم الثاني من التدليس؛ فإنه يسمي شيخه أو غيره أو ينسبه أو يصفه أو يكنيه بما لا يُعرف به؛ كراهة أن يُعرف، ويحمله على ذلك كونه ضعيفًا أو صغيرًا أو يستنكف أن يروي عنه لمعنى آخر، أو يكون مكثرًا من الرواية عنه؛ فيريد أن يغيره كراهة تكرير الرواية عنه، على صورة واحدة، أو لغير ذلك من الأسباب. وكراهة هذا القسم أخف وسببها توعير طريق معرفته.

error: النص محمي !!