Top
Image Alt

ترتيب الأدلة وميلاد دليل الإجماع، وحقيقة الإجماع لغةً واصطلاحًا

  /  ترتيب الأدلة وميلاد دليل الإجماع، وحقيقة الإجماع لغةً واصطلاحًا

ترتيب الأدلة وميلاد دليل الإجماع، وحقيقة الإجماع لغةً واصطلاحًا

ترتيب الأدلة:

الإجماع مصدر تشريعي، أو أصل من الأصول المتفق عليها، أو دليل من الأدلة الشرعية المتفق عليها، فكلمة “أصل” أو “دليل” أو “مصدر” مترادفة، ومعناها واحد، ويأتي الإجماع بعد القرآن الكريم والسُّنة النبوية؛ يقول الله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ} [النساء: 59] قال أهل العلم: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن أدلة التشريع هي: القرآن، والسُّنة، والإجماع، والقياس، والقياس يمثل الأدلة المختلف فيها.

 فقول الله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ} أي: اعملوا بكتاب الله؛ فطاعة الله العمل بكتابه، {وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ} العمل بالسنة، {وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ} العمل بالإجماع عند من فسر {وَأُوْلِي الأمْرِ}  بـ: العلماء والمجتهدين، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ} هذا أمر بالقياس.

2. ميلاد دليل الإجماع:

الإجماع لا وجود له في عهد النبي صلى الله عليه  وسلم لأنَّ مصدر التشريع في عهد النبي وفي عصر الرسالة منحصر في الوحي بقسميه: وحي متلوٌّ، وهو القرآن، ووحي غير متلوّ، وهو السُّنة النبوية؛ فالأحكام الشرعية كانت تُتلقى عن طريق الوحي إما بنص قرآني، وإما عن طريق سُنة النبي صلى الله عليه  وسلم فلا حاجة في عهد الرسول صلى الله عليه  وسلم إلى مصدرٍ زائدٍ على الوحي؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم يستطيع أن يعرف الأحكام الشرعية بسؤال الوحي.

إن الإجماع معناه: اتفاق آراء المجتهدين على حكمٍ معين؛ ولا يجوز أن يؤخذ بالإجماع في عهد النبي صلى الله عليه  وسلم لأنه لا اعتبار بقول الصحابة إن خالف رأي النبي؛ فالقول قول النبي.

أما بداية ميلاد الإجماع؛ فهذا يصوره لنا ابن القيم -رحمه الله- في كتابه القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين) لما ذكر منهج الصحابة رضي الله  عنهم في معرفة الحكم الشرعي للمسألة، فقد ذكر -رحمه الله- أن الصحابة رضي الله  عنهم كان منهجهم في معرفة الحكم الشرعي: النظر أولًا في كتاب الله، فإن لم يجدوا الحكم في القرآن؛ انتقلوا إلى سُنة النبي صلى الله عليه  وسلم وهذا كان منهج الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله  عنه مع ملاحظة أن أبا بكر رضي الله  عنه لم يكن حافظًا لكل أحاديث النبي، وإنما كان يسأل الصحابة في ما لا يعرفه، ومثلوا لذلك بحديث ميراث الجدة لأبي بكر، فإن لم يجد أبو بكر الصديق الحكم في القرآن ولا في السنة؛ كان يجمع علماء الصحابة ليشاورهم في حكم هذه المسألة المعروضة عليه؛ فكان كل واحد من الصحابة يصرح برأيه، وفي النهاية يجمع هذه الآراء، فإن اتفقت كلمة الصحابة ورأي الصحابة على حكمٍ معين قضى أبو بكر بهذا الحكم، وهذا الذي يُعرف بالإجماع.

ولو أن الصحابة لم تتفق كلمتهم وتعددت آراؤهم، كان منهج الصحابة حينئذٍ أن كل واحدٍ يُفتي برأيه ولا يعيب واحد منهم على الآخر طالما أن المسألة مسألة اجتهادية، وهذا الذي عُرِفَ فيما بعد بالرأي أو بالاجتهاد.

وهذا المنهج الذي سار عليه الصحابة في معرفة الحكم الشرعي بيّن لنا أن الأدلة اكتملت في صورتها النهائية في عصر الصحابة رضي الله  عنهم؛ لأن التشريع الإسلامي مر بمرحلتين أساسيتين:

  1. مرحلة حياة النبي صلى الله عليه  وسلم حيث التشريع منحصر في القرآن والسُّنة.
  2. مرحلة الصحابة رضي الله  عنهم وأضيف إلى القرآن والسُّنة فيها: الإجماع، والرأي، الذي هو أعم من القياس.

وهكذا كان ميلاد الإجماع الذي هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي.

فقد اتفق جميع المسلمين على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وهذه صورة من صور الإجماع.

3. حقيقية الإجماع لغةً واصطلاحًا:

أ. تعريف الإجماع لغةً:

الإجماع في لغة العرب يطلق على معنيين:

المعنى الأول: العزم على الشيء والتصميم عليه. يقال: أجمع فلانٌ على كذا، بمعنى: عزم عليه، ومنه قول الله تعالى: {فَأَجْمِعُوَاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} [يونس: 71] أي: اعزموا عليه، وقوله الله تعالى: {وَأَجْمَعُوَاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبّ} [يوسف: 15] أي: عزم إخوة يوسف على أن يجعلوه في غيابة الجب، ومن ذلك قوله تعالى: {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمّ ائْتُواْ صَفّاً} [طه: 64] والمعنى: أي اعزموا على كيدكم. ومن ذلك أيضًا قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((لا صيام لمن لم يجمِّع الصيام قبل الفجر)) والمعنى: لمن لم يعزم. والحديث رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي وغيرهم.

المعنى الثاني: الاتفاق، وهذا المعنى الثاني هو المعنى المناسب للمعنى الاصطلاحي الشرعي، ومعنى الاتفاق، يعني: على أي شيء، فيقال مثلًا: أجمع القوم على كذا، أي اتفقوا عليه، ومنه قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) كما رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي والمعنى: أي لا يتفقون عليها.

الفرق بين المعنيين: الإجماع بمعنى العزم، والإجماع بمعنى الاتفاق:

  1. أن الإجماع بمعنى العزم متصوَّر من واحد كما يُتصور من متعدد؛ أما الإجماع بمعنى الاتفاق فلا يُتصور إلا من الاثنين فما فوقهما.
  2. أن العزم فيه جمع للخواطر؛ أما الاتفاق ففيه جمع للآراء.
  3. أن الإجماع بمعنى العزم يتعدَّى بنفسه كما يتعدى بحرف الجر “على”؛ تقول: أجمع الأمرَ، وأجمع على الأمر؛ أما الإجماع بمعنى الاتفاق؛ فلا يتعدى إلا بعلى ولا يتعدى بنفسه، فإذا قلت: أجمعوا على كذا، بمعنى: اتفقوا. هذا حاصل المعنى اللغوي لكلمة الإجماع.

ب. تعريف الإجماع اصطلاحًا:

التعريف الأول:

إن معنى الإجماع المناسب للمعنى الاصطلاحي هو المعنى الثاني -الاتفاق- وقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الإجماع اصطلاحًا، فعرَّفه بعض العلماء بأنه: اتفاق أهل الحل والعَقد من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم على أمر من الأمور، وهذا التعريف للقاضي نصر الدين البيضاوي في كتابه (منهاج الوصول إلى علم الأصول).

وكلمة: “أهل الحل والعقد” تساوي كلمة: “المجتهدين” تساوي كلمة: “العلماء”، فقد تجد في تعريفات الأصوليين للإجماع بعضهم يُعبر بأهل الحل والعَقد، وبعضهم يُعبر بالمجتهدين، وبعضهم يُعبر بالعلماء، والتعبير الأولى والأوضح والأبين هو التعبير بـ”المجتهدين”؛ لأن الاتفاق إنَّما يكون مُعتبرًا إذا كان من المجتهدين. فمعناه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم على أمرٍ من الأمور.

التعريف الثاني: اتفاق أمة محمد صلى الله عليه  وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية. ذكر ذلك الغزالي في (المستصفى) -رحمه الله.

التعريف الثالث: عرّفه النَّظَّام -وهو من أكابر شيوخ المعتزلة، وله رأي غير سديد في الإجماع، وفي مفهوم الإجماع، وفي حجية الإجماع- بأنه: كلُّ قولٍ قامت حجته حتى قول الواحد. وهذا التعريف تعريفٌ باطلٌ؛ لأن حاصل كلام النَّظَّام: أن كل رأي ثبتت حجته بالقرآن أو بالسُّنة إجماع، وهذا خطأ، وأيضًا تعريف النَّظَّام للإجماع مخالف للعرف في إطلاق اسم الإجماع على الرأي الواحد. فالعرف يقضي أن الإجماع يتحقق من أكثر من واحد؛ فكيف يجعل النَّظَّام رأي الواحد إجماعًا؟ هذا مخالف للعرف.

التعريف الرابع: عرفه ابن قدامة في (الروضة): ومعنى الإجماع في الشرع: اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم على أمر من أمور الدين.

التعريف الخامس تعريف جامع: هناك تعريفٌ خامس نختاره كتعريفٍ جامعٍ، وهو: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على أمرٍ من الأمور. سواء كانت هذه الأمور: دينية، أو شرعية، أو لغوية، أو عقلية، أو أمور دنيوية.

شروط المجتهد:

هذا المجتهد لا بد أن تتوافر فيه عدة شروط:

الشرط الأول: أن يكون عالمًا بآيات الأحكام في القرآن الكريم.

الشرط الثاني: أن يكون عالمًا بأحاديث الأحكام في السُّنة النبوية.

الشرط الثالث: أن يكون عارفًا بمواقع الإجماع والمسائل التي أجمع عليها الفقهاء؛ حتى لا يفتي بخلاف المُجمع عليه.

الشرط الرابع: أن يكون عارفًا بلسان العرب -أي: تكون له دراية باللغة العربية تمكنه من فهم النصوص فهمًا صحيحًا.

الشرط الخامس: أن يكون عارفًا بالناسخ والمنسوخ من النصوص؛ وذلك حتى لا يفتي بالمنسوخ وقد بطل حكمه.

الشرط السادس: أن يكون عالمًا بعلم أصول الفقه ومباحث أصول الفقه؛ لأنه العمدة في الأحكام.

الشرط السابع: أن يكون عارفًا بالقياس، وأركان القياس، وشرائط القياس وأقسامه.

هذه شروط سبعة اتفق أهل العلم عليها، وهناك شروط أخرى مختلف فيها.

وعليه؛ فلا يدخل في نطاق المجتهدين: العوام، ولا طلاب العلم الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، ولا مَنْ حصّل جزءًا من العلم دون الجزء الآخر… وهكذا.

فالمراد بأهل الحل والعَقد: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا في الأحكام الشرعية الموجودون في عصرٍ واحد. وعلى ذلك؛ فلا عِبرة باتفاق غير المجتهدين كالمقلدين.

إذن شرط في الإجماع أن يكون الإجماع حاصلًا من المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم، وعلى هذا؛ فاتفاق سائر الملل والديانات لا يكون إجماعًا.

وقولنا: بعد وفاته صلى الله عليه  وسلم أي: الإجماع لا يتحقق إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأن التشريع ينزل في عهد الرسول وفي حياته عن طريق الوحي.

وقولنا في التعريف: “في عصرٍ من العصور” المراد بالعصر: عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة.

وقولنا: “على أمرٍ من الأمور”، بعض الأصوليين يقول: على أمرٍ ديني، أو على حكمٍ شرعي، أو على أمرٍ من أمور الدين.

error: النص محمي !!