Top
Image Alt

ترتيب اللقاء، وحضور العبّاس البيْعة، وتعيِين النّقباء

  /  ترتيب اللقاء، وحضور العبّاس البيْعة، وتعيِين النّقباء

ترتيب اللقاء، وحضور العبّاس البيْعة، وتعيِين النّقباء

عند مقْدم الوفد مع حجَّاج قومه، قاموا باتِّصالات سرِّيَّة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحديد زمان ومكان الاجتماع.

قال جابر بن عبد الله : “إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشْر سنين يتبع الناس فِي منازلهم: مِجنَّة وعكاظ، وفي المواسم بمنى، يقول: ((مَن يُؤويني؟ ومَن ينصُرني؟ حتَّى أبلِّغ رسالة ربِّي، وله الجنة))، فلا يجد أبدًا أحدًا يُؤويه ولا ينصره، حتى أنَّ الرجل ليَرحل مِن مضر أو مِن اليمن، فيأتيه قومه وذوو رَحِمه فيقولون: احذرْ فتَى قريش، لا يَفْتنك!.

يمضي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله إليه مِن يثرب، فيأتيه الرجل فيؤمن به، ويُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسْلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار مِن دور يثرب إلَّا وفيها رهط مِن المسلمين يظهرون الإسلام.

 ثم بعثنا الله تعالى، فأتمرنا واجتمعنا فقلنا: متى نذَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف فِي جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منَّا سبعون، حتى قدموا عليه فِي الموسم، فواعدناه شِعب العقبة، فاجتمعنا فيه مِن رجُل ورجليْن، حتى توافيناه عنده، فقلنا: يا رسول الله، علام نُبايعك؟ قال: ((تُبايِعوني على السَّمع والطاعة، فِي النَّشاط والكسَل، وعلى النَّفقة فِي العسر واليُسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أنْ تقولوا فِي الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أنْ تنصروني إذا قدِمْتُ عليكم يثرب، تمنعوني ممَّا تمنعون منه أنفسَكم وأزواجَكم وأبناءكم، ولكم الجنّة)).

فقمنا نبايِعُه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السَّبعِين رجلًا، فقال: رويدًا، يا أهل يثرب! فإنَّا لم نضرب إليه أكباد المطيِّ إلَّا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنَّ إخراجَه اليوم: مفارقة العرب كافَّة، وقتْل خيارِكم، وأنْ تعضَّكم السيوف؛ فإمَّا أنتم قوم تصبرون على عضِّ السيوف إذا مسَّتْكم، وعلى قتْل خياركم، وعلى مفارقة العرَب كافَّة، فخذوه وأجرُكم على الله! وأمَّا أنتم تخافون مِن أنفسكم خيفة، فذروه؛ فهو أعذر لكم عند الله! فقلنا: ابسطْ يدك يا سعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيْعة ولا نستقِيلها، فقمنا إليه نبايعه رجلًا رجلًا، يأخذ علينا شَرْطه ويعطينا على ذلك الجنَّة”، رواه أحمد والبيهقي.

حضور العبَّاس البيْعة:

عن كعب بن مالك، قال: “خرجْنا إلى الحجِّ، وواعدَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، مِن أوسط أيام التشريق، ليلة النَّفْر الأوَّل، إذا هدأت الرِّجْل، أن يُوافوه فِي الشِّعب الأيمن إذا انحدروا مِن منى بأسفل العقَبة، وأمرَهم أنْ لا يُنبِّهوا نائمًا، ولا ينتظروا غائبًا، قال: فلمَّا فرغنا مِن الحجِّ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام، أبو جابر، سيد مِن ساداتنا وشريف مِن أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم مَنْ معنا مِن قومنا مِن المشركين أمْرنا، فكلَّمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيِّد مِن ساداتنا، وشريف مِن أشرافنا، وإنَّا نرغب بك عمَّا أنت فيه أنْ تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام، فأسلم وشهد معنا العقَبة، وكان نقيبًا.

قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا فِي رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا مِن رحالنا بميعاد الرسول صلى الله عليه وسلم، نتسلَّل تسلَّل القطا، مُستخفِين، حتى اجتمعنا فِي الشِّعب عند العقبة؛ ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان مِن نسائنا: نُسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو، فاجتمعنا فِي الشِّعب ننظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دِين قومه، إلَّا أنه أحبَّ أنْ يحضر أمْر ابن أخيه، ويتوثَّق له، فلما جلس، كان أوَّل مَنْ تكلَّم: العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج -وكانت العرب تسمي الأوس والخزرج بالخزرج-، إن محمدًا منَّا حيث علِمْتم، وقد منعناه مِن قومنا مِمَّن هو على مثْل رأينا فيه؛ فهو فِي عزَّة فِي قومه ومنَعَة فِي بلده، وإنه قد أبى إلَّا الانحياز إليكم واللُّحوق بكم، فإن كنتم تروْن أنَّكم وافون له بما دعوْتموه إليه ومانعوه مِمَّن خالَفه، فأنتم وما تحمَّلتُم مِن ذلك! وإن كنتم تروْن أنكم مُسْلموه وخاذلوه بعْد الخروج إليكم، فمِن الآنَ فدَعوه؛ فإنَّه فِي عزٍّ ومنَعَةٍ مِن قومه وبلده.

وفي رواية: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فِي بداية ذلك المجلس: ((لِيتكلَّم مُتكلِّمُكم ولا يُطل الخطبة، فإنَّ عليكم مِن المُشركين عينًا)). فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلَّمْ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ((أُبايِعُكم على أنْ تمنعوني ممَّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم)). فأخذ البراء بن معرور يده فقال: نعم، فوالله الذي بعثك بالحقِّ لنمنعنَّك ممَّا نمنع منه أزُرنا، فبايِعْنا يا رسول الله؛ فنحن والله أبناء الحرب، وأهل الحلفة ورثناها كابر عن كابر.

وتكلَّم أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إنَّ بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها -يعني اليهود-؛ فهل عسيْت إنْ نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدَعَنا.

قال: فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((بل الدَّم الدَّم! والهدْم الهدْم!))، أي: ذمَّتي ذمَّتكم، وحُرمتي حُرمتكم، أنا منكم وأنتم منِّي حتى أحارب مَنْ حاربْتُم، وأُسالم مَنْ سالمْتُم.

تعيِين النُّقباء:

النقيب: هو الكفيل والعريف، وشاهد القوم.

وذُكر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طلَب مِن الأنصار أنْ يُخرجوا اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. وقد روى الإمام مالك والبيهقي، عن شيخ مِن الأنصار: أنَّ جبريل عليه السلام كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَنْ يجعله نقيبًا ليلة العقَبة.

وروى أبو نعيم، عن عبد الله بن عمر، قال: لمَّا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء، قال: ((لاَ يجِد امرؤ فِي نفْسه شيئًا، إنَّما أخذتُ مَنْ أشار إليه جبريل)).

أسماء النقباء:

1. أبو أمامة أسعد بن زرارة، نقيب بني النجار مِن الخزرج.

2. رافع بن مالك بن عجلان، نقيب بني زُريق من الخزرج.

3، 4. سعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، نقِيبَا بني الحارث من الخزرج.

5، 6. وسعد بن عبادة. والمنذر بن عمر، نقيبَا بني ساعدة.

7. البراء بن معرور.

8. عبد الله بن عمرو بن حرام.

9. عبادة بن الصامت.

وهؤلاء كلُّهم مِن الخزرج.

10. أسيد بن حضير، نقيب بني عبد الأشهل، الأوس.

11، 12. رفاعة بن المنذر، وسعد بن خيثمة، نقيبا بني عمرو بن بن عوف، الأوس.

وبعد ما تمَّ تعْيين النُّقباء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: ((أنتم على قومكم بما فيهم: كُفلاء، ككفالة الحواريِّين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي)).

وروي أنه صلى الله عليه وسلم نقَّب على النقباء أسعد بن زرارة، فلمَّا تُوفِّي والمسجد يُبنى، اجتمع بنو النَّجَّار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أنْ يجعل منهم شخصًا نقيبًا عليهم، فقال لهم: ((أنتم أخوالي، وأنا نقيبُكم)).

وقال السهيلي: وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم اثنيْ عشر نقيبًا اقتداءً بقول الله تعالى فِي قوم موسى: {وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} [المائدة: 12].

وقد اختلف فِي أوَّل مَنْ ضرب على يَد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمبايعة؛ فقِيلَ: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وقِيلَ: أبو الهيثم بن التيهان، وقِيلَ: البراء بن معرور.

ولمَّا تمت البيْعة، صرخ الشيطان فقال: يا أهل الحباحب -جبال مكة- أو أسواقها، أو مَنحر منى، هل لكم فِي مذمِّم والصّباة معه قد اجتمعوا على حرْبكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا أزبُّ العقبة))، ثم قال: ((انصرفوا إلى رِحالكم!)). فقال له العباس بن عبادة: والله الذي بعثك بالحق! إنْ شئت لنميلنَّ على أهل منى غدًا بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لمْ نؤمَر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم!)). فرجع القوم، ونام كلٌّ منهم على فراشه كأن لمْ يكن شيئًا”.

error: النص محمي !!