Top
Image Alt

ترجمة الإمام ابن حجر، ومعالم منهجه في تصنيفه لكتاب (الإصابة)

  /  ترجمة الإمام ابن حجر، ومعالم منهجه في تصنيفه لكتاب (الإصابة)

ترجمة الإمام ابن حجر، ومعالم منهجه في تصنيفه لكتاب (الإصابة)

ابن حجر: هو أحمد بن علي بن الفضل العسقلاني المصري، ولد سنة 773 هجرية، وتوفي سنة 852 هجرية.

شيوخه كبار كُثر: منهم: العراقي والهيثمي وابن الملقن وغيرهم، ولا يحصون كثرة؛ لأنه طوف في البلاد.

ومؤلفاته في كل فن من الفنون نحن عيال عليها؛ ومنها: في الرجال (تهذيب التهذيب) وتلخيصه (التقريب)، و(لسان الميزان)، و(تعجيل المنفعة)، وفي الشروح شرحه سيد شروح البخاري (فتح الباري)، وكتابه في الصحابة هو سيد كتب الصحابة، وله أيضًا (الدرر الكامنة)، و(رفع الإصر عن قضاة مصر).

ومن أَجَلِّ كتب ابن حجر -رحمه الله- كتابه (الإصابة في معرفة الصحابة).

وقد بدأه بمقدمة حمد فيها الله تعالى، وصلى وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي موجزة، ثم قال:” أما بعد، فإن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي، ومن أجل معارفه تمييز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن خلف بعدهم”، وكأنها عبارة ابن عبد البر التي بدأ بها كلامه الذي أشرنا إليه.

وقد استعرض المؤلفات التي كانت قبله إلى أن وصلت إلى عصره، وإلى أن وصل إلى كتاب (أسد الغابة) الذي يقول عنه: “جمع فيه كثيرًا من التصانيف المتقدمة، إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيًّا بهم، وأغفل كثيرًا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم”، ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبي، وأعلم (بمعنى وضع علامة) لمن ذُكر غلطًا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب، وقد وقع لي بالتتبع كثيرٌ من الأسماء التي ليست في كتابه، ولا أصله على شرطهم، فجمعت كتابًا كبيرًا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم”.

إذًا هو سماه (الإصابة في تمييز الصحابة)، ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعًا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي قال: توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية، قال ابن فتحون في (ذيل الاستيعاب) بعد أن ذكر ذلك: أجاب أبو زرعة بهذا عن سؤال من سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم؟!

يقول ابن حجر: “وقرأت بخط الحافظ الذهبي من ظهر كتاب (التجريد): لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا، ثم رأيت بخطه أن جميع من في (أسد الغابة) سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون نفسًا، ومما يؤيد قول أبي زرعة ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة تبوك: “والناس كثير لا يحصيهم ديوان”، وثبت عن الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: “من قدم عليًّا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفًا، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ”، فقال النووي: “وذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر عامًا، بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح الكثير ممن لم يضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام وعمواس، وغير ذلك ما لا يحصى كثرة، وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع. والله أعلم.

إذًا، هو قد اجتهد في الاستدراك على الكتب السابقة وأراد أن يضيف إليها، وأن يجتهد في جمع الصحابة، ومع ذلك لم نصل إلى عشر ما رُوي عن أبي زرعة وعن غيره، من أن الصحابة كثيرون، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حضر معه حجة الوداع مائة ألف أو يزيدون، ودللت على ذلك بعض الروايات.

عناصر منهج ابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة):

قسم كتابه إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء كانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأيّ طريق كان، ثم كان يميز داخل كل الترجمة: كيف ثبتت صحبته؟

القسم الثاني: فيمن ذكر من الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة من النساء والرجال ممن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهم دون سن التمييز.

القسم الثالث: فيمن ذكر في الكتب المذكورة -أي: في المصادر التي اعتمد عليها قبل ذلك ابن حجر- من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا رأوه؛ سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث، وإن كان بعضُهم قد ذكر بعضَهم في كتب معرفة الصحابة؛ فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا لمقاربتهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها.

القسم الرابع: فيمن ذُكر في الكتب المذكورة- أي مصادره- على سبيل الوهم والغلط، وبيان ذلك البيان الظاهر الذي يعوّل عليه على طريق أهل الحديث؛ أي: سيذكر الأدلة عبى ذلك.

هذا تقسيم ابن حجر لكتابه، ثم في كل قسم يبدأ ترتيبًا على حروف المعجم، فمثلًا: حرف الألف: القسم الأول، القسم الثاني، القسم الثالث، القسم الرابع، حرف الباء: القسم الأول، القسم الثاني، القسم الثالث، القسم الرابع… وهكذا، ففي كل حرف يذكر الأقسام الأربعة.

إذًا، كتابه مرتب على حروف المعجم، ثم في كل حرف يذكر الأقسام الأربعة التي قسّم عليها كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة)، الذي قصد به أن يستدرك على من سبقوه من حيث العدد، ومن حيث التصويب.

ثم قبل الشروع في الأقسام المذكورة يذكر فصولًا مهمة، فتكلم عن تعريف الصحابي وشرح ذلك التعريف، وذكر أقوال العلماء في هذا.

وأيضًا الفصل الثاني: في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيًّا، أي: بم تثبت الصحبة؟

ثم ختم الكلام بفائدة وهي أن أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة وذكرهم، ثم يليهم عشرون يؤخذ من كلامهم قليل، ثم بعد ذلك مائة وعشرون مقلون في الفتيا جدًّا.

ثم يقول: “وسأذكر في ترجمتي كل من ذكر من هذا القسم أن ابن حزم ذكر أنهم فقهاء الصحابة، فإن ذلك من جملة المناقب، وقد جعلت علمًا – أي: علامة- على كل اسم أوردته زائدًا على ما في تجريد الذهبي وأصله– أي: يضع حرف زاي- والله المسئول أن يهدينا سواء الطريق، وأن يسلك بنا مسالك التحقيق، وأن يرزقنا التسديد والتوفيق، وأن يجعلنا في الذين أنعم عليهم مع خير فريق وأعلى رفيق، آمين آمين”، ثم بدأ بحرف الألف.

ذكر التراجم في الكتابين، ثم المقارنة بينهما؛ لبيان ملامح المنهج عند كل من ابن عبد البر، وابن حجر رحمهما الله تعالى:

نذكر بعض الأرقام قبل أن نشرع في التفاصيل: مجموع ما كتاب ابن حجر 12267 ترجمة، من الذين ذكروا بأسمائهم، ومن الذين ذكروا بكناهم، ومن أسماء النساء.

وكتاب ابن حجر لا نستطيع أن نوفّيه حقه من الثناء، ويكفي أننا جميعًا نعتمد عليه في التراجم للصحابة حين نحتاج إلى ترجمة أحدهم، بالإضافة إلى الكتب الأخرى التي للصحابة أو لهم ولغيرهم.

error: النص محمي !!