Top
Image Alt

ترجمة عثمان، وأهم أعماله رضي الله عنه

  /  ترجمة عثمان، وأهم أعماله رضي الله عنه

ترجمة عثمان، وأهم أعماله رضي الله عنه

عشر أعمال اختبأها عثمان لنفسه عند ربه:

هناك مقوله لعثمان رضي الله  عنه يقول فيها: “لقد اختبأت لي عند ربي عشرًا: إني لرابع أربعة في الإسلام، ولقد ائتمنني رسول الله صلى الله عليه  وسلم على ابنته، ثم توفِّيت فزوجني الأخرى، ووالله ما سرقت ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله -يعني: حفظه، وليس المقصود بالجمع الذي حدث بعد ذلك في عصره أو في عصر الصديق- ولا مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة، فإن لم أجد فيها رقبة أعتقت في التي تليها رقبتين”، هذه عشر نقاط اختبأها لنفسه عند ربه، يعني: يريد أجرها وثوابها عند الله سبحانه وتعالى يوم العرض عليه، وهي عشر قام بها عثمان في حياته.

نسب عثمان:

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أما أمه، فهي: أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأم أروى هي: البيضاء بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه  وسلم وتوأمة أبيه عبد الله، وعثمان بذلك يلتقي نسبه مع النبي صلى الله عليه  وسلم من جهة أبيه ومن جهة أمه، بل هو أقرب الخلفاء الراشدين رحمًًا من النبي صلى الله عليه  وسلم، ولكن بعد علي بن أبي طالب رضي الله  عنه.

مولده:

وُلِدَ عثمان في سنة 575 ميلادية، أو بعد عام الفيل بخمس سنوات، فهو بذلك أصغر من النبي بخمسة أعوام.

إسلامه:

كان رضي الله  عنه من السابقين إلى الإسلام، بل هو كان رابع أربعة أسرعوا إلى الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه  وسلم، وكان إسلامه على يد أبي بكر الصديق رضي الله  عنه فقد استجاب لدعوته إياه إلى الدخول في هذا الدين، الذي يدعو إليه محمدٌ لما كان بينهما من صلة وثيقة.

وما إن علم بإسلامه عمه -وهو الحكم بن أبي العاص- حتى أوثقه -قيده- بقيود الحديد وخلافه، وقال له: ترغب عن دين آبائك إلى دين محدث؟! والله لا أدعك حتى تدع ما أنت عليه. فأجابه عثمان في صلابة المؤمن: والله لا أدعه أبدًًا، ولا أفارقه. وهكذا لم يجد تهديد الحكم ووعيده صدًًى في نفس عثمان، فتركه ولم يستطع أن يضغط عليه بشيء أكثر من ذلك. وإلى جانب صلابة عثمان في الحق فقد عُرِفَ بين قومه بالحلم، والحياء، ولين الجانب، والكرم الوافر، وتقول الروايات: أنه جمع في نفسه سائر المكارم والشيم الحميدة.

كان لعثمان جهاد عظيم في الإسلام، وهو من أبرز صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم الذين أبلوا أعظم البلاء في سبيل الله؛ فهو ممن هاجر من مكة إلى الحبشة الهجرة الأولى، والهجرة الثانية، وبصحبته فيهما امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

هذه بنت رسول الله صلى الله عليه  وسلم وتتحمل عبء الدعوة، وتتحمل عبء الجهاد لهذا الدين، ونشر هذا الدين، وتخرج في سبيل الله، وتخرج للدعوة، وتخرج هروبًا بدينها أيضًًا مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله  عنه تخرج إلى الحبشة ليست مرة واحدة، بل مرتين، وهي تخرج مع زوجها جهادًا في سبيل الله ودعوة لهذا الدين العظيم.

هذه كلها دلائل تشير إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم جاء بهذا الدين من عند ربه لدعوة العالمين، هو لم يأتِ بهذا الدين لراحته، أو لراحة أولاده، أو لعزه وعزة أولاده، أو مجدهم، أو حصولهم على مكاسب الدنيا -والعياذ بالله- وإلا ما تعبوا هذا التعب، وما شقوا هذا الشقاء، وما بذلوا هذا الجهد العظيم، أولاد رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهم يعانون هذه المعاناة.

وأذكر في هذا الإطار أيضًًا زينب بنته صلى الله عليه  وسلم عندما كانت مع أحد القرشيين، وكان على الكفر، وفرق بينهما رسول الله صلى الله عليه  وسلم هذه المعاناة في بيت رسول الله صلى الله عليه  وسلم، فهكذا عانوا في سبيل نصرة هذا الدين. وكذلك بعد الهجرة إلى المدينة واستقرار دولة الإسلام فيها، وبدء الجهاد المسلح ضد المشركين نجد أن عثمان يشارك في كل الغزوات والسرايا، ولا يتخلف رضي الله  عنه عن رسول الله في موقف من هذه المواقف.

عثمان لم يشترك في غزوة بدر:

تذكر الروايات أن عثمانَ لم يشاركْ في بدر، وهذه حقيقة. فما السبب في ذلك؟

الواقع أنه أثناء غزوة بدر كانت زوجة عثمان -وهي رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه  وسلم مريضة حتى إنها توفِّيت في يوم عودة المسلمين بالنصر من بدر، ومن ثم أمر رسول الله صلى الله عليه  وسلم عثمان بالبقاء معها، وتمريضها، ويلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم اعتبره من المقاتلين ومن المجاهدين، نيته كانت الخروج والجهاد والقتال، ولكن رسول الله صلى الله عليه  وسلم طلب منه هذا الأمر: أن يبقى، وأن يمرض السيدة رقية زوجته، ومن ثم تقول الروايات ومصادر التاريخ: أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أسهم له في غنائمها تمامًا كالذين حضروها: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، ولولا تكليف رسول الله صلى الله عليه  وسلم له بالبقاء مع رقية، وتمريضها لكان عثمان من أول الأوائل الذين خرجوا في بدر دفاعًا عن رسول الله ودفاعًا عن الإسلام وقتالًا للكفر وأهله، ثم بعد وفاة السيدة رقية زوَّجه النبي صلى الله عليه  وسلم من ابنته الثانية أم كلثوم؛ ولذلك كان رضي الله  عنه يُلقب بذي النورين لجمعه شرف المصاهرة بكريمتي الرسول صلى الله عليه  وسلم.

وتقول الروايات: أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال له -عند وفاة أم كلثوم في السنة التاسعة للهجرة-: “لو كانت لنا ثالثةٌ لزوجناكها يا عثمان”: يعني: ما حرمه رسول الله، صلى الله عليه  وسلم؛ بل وما مانع في أن يتزوج الثالثة بعد أن تزوج اثنتين من بنات رسول الله؛ فأي شرف يستحقه، وأي شرف يناله هذا الذي تزوج ببنتي رسول الله صلى الله عليه  وسلم ليس هذا فحسب، بل ورسول الله صلى الله عليه  وسلم يخبره بأنه لو كانت عنده ثالثة لزوجه إياها أيضًًا كأختيها.

يضاف إلى ما سبق: أن شخصية عثمان كانت من الشخصيات ذات القدر المرموق بين قريش، فضلًًا عن مكانته هذه بين أصحاب النبي صلى الله عليه  وسلم؛ ونظرًا لمكانة عثمان في قريش، فقد أوفده الرسول سفيرًا إلى قريش يوم الحديبية؛ ليقوم بتوضيح موقف النبي والمسلمين لزعماء مكة، وتقول الروايات والمصادر: إن الرسول صلى الله عليه  وسلم كان سيختار الفاروق عمر، والفاروق عمر أشار بعثمان نظرًًا لمكانة عثمان بين القرشيين، فهم سيسمعون له، سوف يتقبلون منه موضوع المفاوضات والصلح وخلافه.

على أية حال، ذهب عثمان إلى قريش لأجل هذه المفاوضات، ولكن أشيع بين المسلمين أن قريشًا قتلت عثمان، وهنا تحرك رسول الله صلى الله عليه  وسلم وبايع أصحابه تلك البيعة العظيمة التي عُرِفَتْ ببيعة الرضوان تحت الشجرة على أن يقدموا أنفسهم في سبيل الله، ويُنزِلوا بقريش ما تستحقه من عقاب جزاء ما ارتكبوا من غدرٍ في حق عثمان والمسلمين، فكانت هذه البيعة التي باركها الله تعالى، وكلُّنا لا ينسى قول الله سبحانه وتعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، ففي أثناء هذه البيعة تقول الروايات: أن النبي صلى الله عليه  وسلم ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: ((هذه يد عثمان))، فكانت يد النبي لعثمان خيرًًا من أيدي المبايعين لأنفسهم، و هذا الموقف يدل إلى أي مدى كان الرسول صلى الله عليه  وسلم يحب عثمان، ويقرب عثمان، ويعتز بعثمان، حتى يضرب بيده على الأخرى، ويقول: ((هذه يد عثمان)).

مال عثمان:

من المعروف: أن عثمان أوتي حظًّا موفورًا من المال يقابله حظٌّ أوفر من البذل والعطاء في سبيل الله، وكم من الناس يملك الأموال، ولكنه عندما يكون في موقف يشعر فيه بحاجة المسلمين الأقربين لهذه الأموال يشح ويمتنع ويبخل، لكن عثمان أوتي حظًّا وافرًا من المال، وأوتي بحظٍّ أوفر من البذل والعطاء في سبيل الله: لقد كان رضي الله  عنه الفارس الذي لا يبارى في الإنفاق على تجهيز جيش المسلمين الزاحف إلى تبوك في ساعة العسرة، مَن ينسى هذه الأوقات العصيبة في تاريخ الإسلام عندما طلب رسول الله من المسلمين تجهيز جيش العسرة، فيذكرون: أنه أمد هذا الجيش بأكثر من ثلاثمائة بعير، وخمسين فرسًًا، وألف دينار، فلما رأى النبي صلى الله عليه  وسلم ذلك منه قال: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)) هكذا كان موقف عثمان، وهكذا كان موقفه من الأموال لم يغتر ولم يبخل في يوم من الأيام.

بل من الأمور العظيمة التي قام بها عثمان رضي الله  عنه لصالح ولجماعة المسلمين جميعًا -وفيما يخص موضوع الأموال-: شراؤه بئر رومة ذات الماء العذب التي كان يملكها أحد اليهود، ويقوم ببيع مائها لأهل المدينة بثمن باهظ لا يستطيع كثير من الناس أن يدفعوا مثل هذه الأموال، فتقول الروايات: إنهم كانوا يضطرون للتزود من المياه من آبار أخرى ماؤها ليس بالدرجة التي فيها ماء بئر رومة، فقال النبي صلى الله عليه  وسلم لأصحابه: ((مَن يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم؟)) يعني: يكون مثلهم، لا يشتريها لنفسه، ولكن لجماعة المسلمين.

وطلب عثمان من هذا اليهودي شراء البئر؛ فرفض اليهودي أن يبيع كل البئر، فاشترى منه عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم، واتفق على أن يكون لكلٍّ منهما يومٌ معلومٌ في استغلال البئر، فكان المسلمون يأخذون حاجاتهم من الماء في يوم عثمان، واليوم التالي يكون لليهودي لوحده، ومن ثم شعر اليهودي بأنه -بهذه الصورة- هو لن يستفيد من البئر في شيء، فهذا اليوم الذي خُصص لعثمان أصبح كل المسلمين يتزودون فيه بالمياه، وفي اليوم التالي لا يحتاجون إلى مياه هذه البئر؛ ولذلك عرض اليهودي على عثمان أن يشتري عثمان منه النصف الآخر، وبالفعل اشتراه منه بثمانية آلاف درهم، وبهذه الصورة أصبحت تلك البئر -كل البئر جميعها- ملكًا خالصًا للمسلمين. وهكذا جعلها عثمان ملكًا خالصًا للمسلمين.

نضيف إلى ذلك -من جهة أخرى- أن عثمان كان واحدًا من الصحابة القلائل، الذين حفظوا القرآن على عهد الرسول صلى الله عليه  وسلم، وهذا هو المقصود بجمعه للقرآن.

وكما يضاف إلى ذلك: أنه كان أحد كتَّاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه  وسلم، وأنه لكلِّ هذه المناقب الرفيعة والفضائل الجليلة التي اجتمعت له: كان عثمان أحدَ العشرة، الذين بشَّرهم النبي صلى الله عليه  وسلم بدخول الجنة من بين جميع صحابته الأكرمين.

يضاف لما سبق: أن عثمان بعد ذلك يُعدُّ واحدًا من رواة الحديث عن النبي صلى الله عليه  وسلم.

يضاف إلى ما سبق: أنه كان أحد الرجال الذين يعول الشيخان على رأيهم في مهام الأمور، وقد مرت بنا نماذج حية تؤكد أن عثمان بن عفان كان أحد كبار رجال الدولة الإسلامية يومئذ، بل لقد انعكس صدى ما يتمتع به من مكانة عالية بين كبار القوم، فأصبح عثمان مثلًًا عاليًَا لدى الأمهات في مجتمع المدينة، فكانت الأم تدلل وليدها، وتقول له:

أحــــبـــــــك والــــــرحـــــــمــــــــن

* حـــــــب قــــــــريـــش لــعــثــمــــان

error: النص محمي !!