Top
Image Alt

ترجمة محمد بن سعد -رحمه الله تعالى-

  /  ترجمة محمد بن سعد -رحمه الله تعالى-

ترجمة محمد بن سعد -رحمه الله تعالى-

هو الحافظ العلامة الحجة: محمد بن سعد بن منيع، كنيته: أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي، مصنِّف الطبقات الكبير، ولد بعد الستين ومائة، هكذا قال الذهبي -رحمه الله- في السير، وقيل: مولده سنة 168، سمع من شيوخ كثيرين. وشيوخه في الطبقات أكثر من ستين شيخًا.

سمع من هشام بن بشير، وابن عيينة، وأبي معاوية، ووكيع، وأنس بن عياض، وإسماعيل بن علية، والواقدي، وأبو مسهر.

وحدّث عنه كثيرون أيضًا، منهم: أبو بكر بن أبي الدنيا، والحارث بن أبي أسامة، وهو الذي روى الطبقات، وأحمد بن يحيى البلاذري، وغيرهم كثير.

وهو من أوعية العلم الكبار، له باع طويل في علوم شتى؛ في النسب، وفي الشعر، وفي الرجال، وفي السير، والمغازي… إلى آخره.

قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه! فقال: صدوق.

توفي- رحمه الله تعالى- يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، وقيل غير هذا، لكن على الأعمّ الأغلب هذا الموجود عند معظم المترجمين.

قال ابن حجر عنه -رحمه الله- في (التقريب): صدوق فاضل.

منهج ابن سعد في كتابه، ومصادره التي اعتمد عليها:

أثناء حديثنا عن الصحابة اعتبرنا كتاب ابن سعد من المؤلفات في الصحابة، وإن لم يكن خالصًا لهم، أي: ليس كـ(الاستيعاب) مثلًا، أو (الإصابة)؛ اللذان هما كتابان خالصان للكلام في الصحابة فقط.

 تقسيم كتاب (الطبقات): بدأ رحمه الله تعالى بجزءين من كتابه في السيرة النبوية الكريمة، تناول فيهما حياة النبي صلى الله عليه وسلم منذ مولده إلى التحاقه بالرفيق الأعلى، مرورًا بكل تفصيلات حياته صلى الله عليه وسلم من هجرة وغزوات، والإيذاء الذي تعرض له… إلى آخره، ما تتناوله كتب السيرة عامة.

وقبل نهاية الجزء الثاني بقليل ذكر من كان يفتي بالمدينة ويُقتدى به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك، وإلى من انتهى علمهم، وذكر منهم أبا بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب وابن مسعود وأبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.

ثم ذكر من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر منهم أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء، ويزيد بن ثابت، وسعد بن عبيد، وعثمان بن عفان وتميم الداري، وغيرهم.

ثم انتقل إلى مَن كان يفتي بالمدينة بعد جيل الصحابة من التابعين، فذكر ابن سيرين، والزهري، وعِكرمة، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، وعمرة بنت عبد الرحمن…

ثم انتقل إلى ترجمة الصحابة ومن بعدهم، في الجزء الثالث إلى السابع.

وخصص الأخير -وهو الثامن- للنساء.

يبدأ في ذكر الصحابة من الجزء الثالث يقول مثلًا في العنوان: طبقات البدريين من المهاجرين.

فقسم الصحابة إلى خمس طبقات، جعل الطبقة الأولى البدريين، ثم من لهم إسلام قديم ولم يشهدوا بدرًا، لكنهم هاجروا إلى الحبشة أو شهدوا أحدًا، ثم الذين أسلموا قبل فتح مكة، ثم مسلمة الفتح ومن أسلم بعدهم، ثم الذين توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وهم أحداث، وهناك من يجعلها ثلاث طبقات، لكن المطبوع بين أيدينا يجعلنا نقول: إنها خمس طبقات على التقسيم الذي ترجم لهم فيه من خلال كتابه الموجود بين أيدينا الآن.

وكما قلنا: خصص المجلد الأخير من طبقاته للنساء، مراعيًا النسب في النساء، والنساء لم يقسمهنّ إلى طبقات، وإنما راعى النسب؛ فبدأ بتراجم بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدّم خديجة، ثم ذكر بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عمته وبنات عمومته، ثم ذكر أزواجه وعلى رأسهنّ أيضًا أمنا خديجة مرة أخرى، ثم من تزوجهنّ ولم يجتمع بهنّ، وبين من فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلق، ومن خطب ولم ينكح، ثم بعد ذلك المسلمات المبايعات من قريش وحلفائهم ومواليهم؛ فغرائب نساء العرب المهاجرات المبايعات، أي: من غير قريش.

إذًا نستطيع أن نقول: إنه رتّب النساء على صلة قرابتهن بالرسول صلى الله عليه وسلم والرواية عنه، ولم يجمعهن في موطن أو بلد معين، كما فعل الإمام مسلم في طبقاته إذ قد انفرد بذكر أوطان النساء.

وقبل نهاية الجزء الثاني بقليل تكلم عمّن كان يفتي وعمّن جمع القرآن… إلى آخره، ثم ينتقل إلى تراجم الصحابة، فيجعل العنوان مثلًا: ذكر تسمية من أحصينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ومن كان بعدهم من أبنائهم وأتباعهم من أهل الفقه والعلم والرواية والحديث، وما انتهى إلينا من أسمائهم وأنسابهم وكناهم وصفاتهم طبقة طبقة، هذا عنوان الكتاب ككل بعد السيرة، وبعد المباحث التي أشرنا إليها مَن جمع القرآن، ومن أفتى، إلى آخره.

وهذه تبين ملامح منهجه: الاهتمام بالأسماء والأنساب والكنى -كما سنذكر- وصفاتهم طبقة طبقة، ثم يذكر أسانيده كاملة إلى هذه الروايات، ويختمها بقوله: فكل هؤلاء قد أخبرني في تسمية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان بعدهم من التابعين من أهل الفقه والرواية للحديث بشيء، فجمعت ذلك كله، وبينت من أمكنني تسميته منهم في موضعه.

بعد هذا يبدأ بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صفحة واحدة، يقول في مطلعها: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب المبارك، سيد المرسلين وإمام المتقين، رسول رب العالمين بن عبد الله بن عبد المطلب… إلى آخره، ثم يذكر حمزة أسد الله، ثم علي بن أبي طالب ويطيل في ترجمته، ويذكر قصة إسلامه وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، ويذكر لباسه وبيعته… إلى آخره، ثم يذكر زيدًا الحِب، ثم أبا مرثد الغنوي، وهو هنا يتكلم عن البدريين، ثم ذكر من قيل من طبقات البدريين من الأنصار، ثم النقباء، وذكر قومًا ذكروا في شهود بدر، أي: مَن الذين قيل: إنهم شهدوا بدرًا، ولم يثبت ذلك.

ويذكر محمد بن سعد في الطبقة الثانية أيضًا: المهاجرين والأنصار؛ فيذكر منهم العباس، أي: الطبقة الأولى من أهل بدر، والطبقة الثانية على ما ذكرناه قبل ذلك من منهجه، قوم لهم إسلام قديم ولم يشهدوا بدرًا، لكنهم هاجروا إلى الحبشة، أو شهدوا أحدًا، ويذكر منهم العباس وجعفر وعقيل والفضل بن عباس وأسامة الحب وسلمان الفارسي وأبو سفيان بن الحارث… إلى آخره، ثم الصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكة.

ينتقل بعد ذلك إلى الطبقة الأولى من أهل المدينة من التابعين: فراعى المكان بأن تكلّم عن أهل المدينة، وراعى النسب بنسبة الأغلبية وإن لم تكن مطلقة، ثم قبل أن ينتقل إلى بقية الصحابة لشرف المدينة تكلّم عن التابعين الطبقة الأولى من أهل المدينة من التابعين، منهم مروان بن الحكم وأبو سهل الساعدي وعبد الله بن عامر ومحمد بن طلحة، وغيرهم، ومن هذه الطبقة من روى عن عثمان وعلي وابن عوف وطلحة وسعد، ثم الطبقة الثانية من التابعين، والطبقة الثالثة من أهل المدينة من التابعين.

فاستغرق ثلاثة أجزاء كاملة في المدينة وأهلها من الصحابة من المهاجرين والأنصار على ترتيب الطبقات الذي ذكرناه، وملاحظة النسب أيضًا، في الأعم الأغلب، ثم تكلم عن التابعين ومن بعدهم.

ثم انتقل إلى مكة، فذكر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويقسمهم إلى طبقات كما فعل، ثم مَنْ نزل بالطائف واليمن واليمامة والبحرين.

أي: بعد أن فرغ من المدينة انتقل إلى مكة، ومكة هي المكان الثاني بالنسبة لمرحلة الدعوة الإسلامية، لكن هي أفضل الأماكن؛ لأن بها الكعبة المشرفة، وبعد أن انتقل إلى مكة لم يغادر الحجاز إلّا بعد أن تكلّم عن مدنه: الطائف واليمامة والبحرين… إلى آخره.

ثم انتقل إلى الكوفة التي استغرقت مجلدًا كاملًا؛ نظرًا لكثرة العلماء بها، والكوفة نزل بها كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبها طبقات كثيرة من العلماء من التابعين ومن بعدهم.

ثم البصرة التي استغرقت مساحة كبيرة من المجلد السابع حسب المطبوع إلى صفحة 309 تقريبًا، ثم واسط، فالمدائن، فخراسان، فالري، فهمدان، فقم الأنبار، فالشام، فمصر، ثم أيلة وإفريقية والأندلس.

ونستطيع أن نقول: إنه لاحظ البعد الجغرافي في ترتيب المدن التي يرتبها في كتابه، فبدأ بالأهم: المدينة ثم مكة ثم بقية مدن الحجاز، ثم انتقل إلى الشرق وتتبعه، ثم انتقل إلى الغرب وتتبعه.

يتميز محمد بن سعد أيضًا بالرواية بالسند، وهي طريقة علمية موضوعية جدًّا ودقيقة؛ ففيها توثيق المعلومات، وهو منهج علمه علماؤنا لكل أبناء الأرض.

والطبقة عنده عشرون سنة تقريبًا وفقًا لما قاله محقق الكتاب الأستاذ إحسان عباس؛ وقد ذكر بعض التواريخ التي تؤكد أو ترجّح هذا.

وابن سعد يتدخل بآرائه كثيرًا، وهذا يدل على دوره، أي: لم يكن مجرّد ناقل من الكتب أو من أفواه المشايخ فقط، بل يتدخّل ليصحح المعلومة، أو ليضيف معلومات مهمة للمسألة… إلى آخره.

فمثلًا رواية هشام بن محمد الكلبي أنّ والد الرسول صلى الله عليه وسلم توفي وعمر الرسول كان ثمانية وعشرين شهرًا.

فخطّئ ابن سعد هذه الرواية، وبيّن أنه كان حملًا لم يكن ابن ثمانية وعشرين شهرًا.

ويذكر الرواية في أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بكَى عند قبر أمه بمكة.

ويخطّئ ذلك ويقول: الصواب أن قبرها بالأبواء.

وفي وفاة حميد بن عبد الرحمن ينقل أنه توفّي سنة 105.

ويعقّب: هذا خطأ وغلط، لا يمكن أن يكون كذلك، والأشبه أنه سنة 95 هجريًّا.

وأيضًا ينقل عن هشام الكلبي أنّ الذي حضر بدرًا السائب بن مظعون، وليس السائب بن عثمان بن مظعون.

ويخطّئ ذلك ويقول: إنه السائب بن عثمان بن مظعون.

ومصادر ابن سعد -رحمه الله- في كتابه متعددة.

اعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، محمد بن عمر، المتوفّى سنة 207، وكما قلنا: الواقدي نفسه له كتاب (الطبقات)، وكثير من الباحثين يعتبرونه أقدم كتاب في الطبقات، لكن يقينًا يزيد ابن سعد كثيرًا عن كتاب الواقدي؛ باهتمامه بالمحدثين والإخباريين والنسابين وأهل العلم.

واعتمد على رواية هشام بن محمد السائب بن السائب الكلبي، في السيرة خصوصًا، فيما يتعلّق بتاريخ الأنبياء، وفي الأنساب القديمة.

واعتمد أيضًا على كتب الواقدي الأخرى مثل كتاب (أزواج النبي صلى الله عليه وسلم)، وكتاب (وفاة النبي صلى الله عليه وسلم)، وكتاب (أخبار مكة)، وكتاب السيرة والمغازي… إلى آخره.

وبعض العلماء يقولون: إنه وضع كتب الواقدي في كتابه، وهذا قد يكون له قدر من الصحة، لكنه لم يعتمد عليه فقط، فكتابه أكبر وأضخم من هذه الكتب، وأوسع في موضوعاته وفي تراجمه.

وكتاب (السيرة والمغازي) للواقدي أدخله في كتابه ضمن طبقاته. وأيضًا في المغازي أخذ عن رويم بن يزيد المقري، أخذ عنه مغازي ابن إسحاق، وأبا معشر السندي.

وأيضًا من مشايخه إسماعيل بن عبد الله بن أويس، أخذ عنه مغازي ابن عقبة، أي: لم يسمع من ابن عقبة؛ لأن ابن عقبة مات 141، ولم يسمع من ابن إسحاق المتوفّى 151 أو 152 وبينه وبينهم واسطة، فأخذ كتبهم منها.

إذًا اعتمد على كتب سابقة؛ على كتب الواقدي، على كتاب ابن إسحاق، على كتب موسى بن عقبة، على كل كتاب تمكن من الوصول إليه، إذ كان التأليف قد وصل إلى مرحلة كبيرة.

إذًا ابن سعد من مصادره الواقدي كراوية عنه، ويقولون: هو راوية الواقدي، وككتب الواقدي، وأخذ عن مغازي بن إسحاق بواسطة، وأيضًا مغازي أبي معشر، وأيضًا إسماعيل بن عبد الله بن أويس، أخذ عنه مغازي موسى بن عقبة، وله شيوخ آخرون كثيرون -كما ذكرنا- أكثر من ستين شيخًا.

ويستطيع أي باحث أن يحصيهم من خلال تتبعه لهم؛ لأننا سنحتاج إلى هذا إذا وجد ثلاثة من شيوخه تكلّم فيهم بالضعف، فيبقي له أكثر من خمسة وخمسين شيخًا كلهم من المقبولين، بل بعضهم من كبار العلماء.

وابن سعد أيضًا -رحمه الله- له طريقة في سياق الترجمة فيتكلم عن ترجمة الرجل بذكر نسبه لأبيه وأمه، وبتعداد أولاده من بنين وبنات، ذكر أمهاتهن وسرد أنسابهن، ويرجع بسلسلة النسب إلى ما قبل الإسلام، ويذكر اسم الرجل ووالده وكنيته ولقبه، والمهنة التي يزاولها، ويذكر في كثير من الأحيان معلومات دقيقة عن الشخص، مبينًا فيها بعض الجوانب المتعلقة بالصفات الخلقية أو العقيدة… إلى آخره، ويستعرض الأحداث المهمة التي وقعت له، ويحدد المكان الذي كان يسكنه من المدينة أو ضواحيها، ويذكر الشيوخ والتلاميذ.

وإطالة الترجمة أو قصرها كلّ ذلك يعتمد على منزلة صاحب الترجمة من العلم، وذكرنا أنه يسوق الروايات بأسانيدها، ويختم الترجمة في الأعمّ الأغلب بما يظهر له من حال الراوي جرحًا أو تعديلًا، وقد يسكت عن ذلك إذا لم يجد شيئًا، وكلام ابن سعد في الرجال من المصادر التي اعتمد عليها كل من جاء بعده من القدامى ومن المحدثين، وستجد أن البلاذري في (فتوح البلدان)، و(أنساب الأشراف) وأبا نعيم في (دلائل النبوة)، وكذلك البيهقي قد اعتمدوا عليه، وكذلك كتب الصحابة كلها ومن ذلك: (الاستيعاب) و(أسد الغابة).

أثر ابن سعد فيمن بعده:

أثر ابن سعد فيمن بعده من زاويتين: الزاوية الأولى: الاستفادة بكتابه.  فلا يوجد كتاب مشترك معه في الفن، سواء في الصحابة أو في طبقات الرواة وإلا نجد أن المتأخرين استفادوا منه؛ مثل الذهبي وابن حجر رحمهما الله تعالى.

الزاوية الثانية: أقواله في التوثيق والتجريح يعتمد عليها، وإن قال اليعض عنه: إنه من المتساهلين، لكنهم يعدون أقواله من أقوال العلماء المهمة، ومن يقرأ في كتب الرجال للذهبي وابن حجر وغيرهما، يجدونهم قد اعتمدوا كثيرًا على أحكام ابن سعد.

هذا بالإضافة إلى أن كتب الصحابة كلها: (الاستيعاب)، (أسد الغابة)، (الإصابة) التي نعتبرها أهمّ ثلاثة مصادر للصحابة، مليئة بأقوال ابن سعد، والاعتماد عليها فيما ذكره من عناصر الترجمة، وزادوا عليه ما وقفوا عليه عند غيره، وما لم يذكره من تراجم الصحابة بعد ذلك.

error: النص محمي !!