Top
Image Alt

ترجمة موجزة للإمام ابن عبد البر، ومعالم منهجه في تصنيفه لكتابه (الاستيعاب)

  /  ترجمة موجزة للإمام ابن عبد البر، ومعالم منهجه في تصنيفه لكتابه (الاستيعاب)

ترجمة موجزة للإمام ابن عبد البر، ومعالم منهجه في تصنيفه لكتابه (الاستيعاب)

ترجمة موجزة لابن عبد البر رحمه الله تعالى:

هو الإمام الحافظ أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، الأندلسي، القرطبي، ولد -رحمه الله- عام ثمانية وستين وثلاثمائة، في خلافة هشام بن عبد الحكم في قرطبة، ونشأ في بيت علم؛ وكان جده محمد بن عبد البر عابدًا منقطعًا للعبادة، وكان والده محدّثًا رفيع المكانة.

وقد عمَّر ابن عبد البر خمسًا وتسعين سنة؛ وعاش في أزهى عصور التقدم والرقي، حين بلغت حضارة الأندلس ذروتها، والعلم والثقافة يدور في فلك قرطبة وإشبيلية وغيرها.

وقد تلقى العلم على كثير من المشايخ، وتوفي سنة 463، وهو نفس العام الذي توفي فيه الخطيب البغدادي رحمه الله، ولما توفيَا في عام واحد قيل: توفي عالم المشرق وعالم المغرب؛ عالم المشرق: الخطيب البغدادي، وعالم المغرب: ابن عبد البر رحمهما الله تعالى.

وللإمام ابن عبد البر مصنفات كثيرة جدًّا؛ منها: دراسات حول (الموطأ) في (الاستذكار) وفي (التمهيد)، وكلاهما أكثر من عشرين مجلدًا، حسب الطبعات المختلفة، وله (الاستيعاب) في الصحابة، وله (جامع بيان العلم وفضله)، وله كتب كثيرة، فهو من العلماء الكبار أحد أفذاذ الإسلام رحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا.

هذا وقد بدأ كتابه (الاستيعاب) في الصحابة بقوله: “بحمد الله أبتدئ، وإياه أستعين وأستهدي، وهو ولي عصمتي من الزلل في القول والعمل، وهو ولي توفيقي لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا به، الحمد لله رب العالمين، جامع الأولين والآخرين ليوم الفصل والدين، حمدًا يوجب رضاه، ويقتضي المزيد من فضله ونعماه، وصلى الله على محمد نبي الرحمة وهادي الأمة وخاتم النبوة، وعلى آله أجمعين وسلَّم تسليمًا… ثم أما بعد:

فإن أولى ما نظر فيه الطالب وعني به العالم بعد كتاب الله عز وجل سنن رسوله صلى الله عليه وسلم، فهي المبينة لمراد الله عز وجل من مجملات كتابه، والدالة على حدوده والمفسرة له والهادية إلى الصراط المستقيم صراط الله، من اتبعها اهتدى، ومن سلك غير سبيلها ضل وغوى، وولاه الله ما تولى، ومن أوكد آلات السنن المعينة عليها والمؤدية إلى حفظها معرفة الذين نقلوها عن نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وحفظوها عليه وبلغوها عنه، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين، حتى كمل بما نقلوه الدين، وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس…”، إلى آخره.

ثم تكلم عن عدالة الصحابة، وذكر في ذلك كلامًا طويلًا، واستدل على عدالتهم بالقرآن والسنة، وذكر بعض الأدلة الواردة في فضل بعضهم على وجه التحديد، ومنهم العشرة المبشرين بالجنة، والخلفاء الراشدين…، وانتهى من كل هذه الدراسة السابقة إلى قوله: “أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول، فواجب الوقوف على أسمائهم، والبحث عن سيرهم وأحوالهم؛ ليهتدى بهديهم، فهم خير من سلك سبيله واقتدي به، وأقل ما في ذلك معرفة المرسل من المسند؛ ولا خلاف بين العلماء على أن الوقوف على معرفة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم أهل الخير، وبه ساد أهل السير، وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم معنيون بمعرفة أصحاب أنبيائهم؛ لأنهم الواسطة بين النبي وأمته”.

هذا، وقد أنهى كلامه عن الصحابة ببيان منزلتهم وعدلهم وعدالتهم…

يقول: “وقد جمع قومٌ من العلماء في ذلك كتبًا صنفوها، ونظرت إلى كثير مما صنفوه في ذلك وتأملت ما ألفوه، فرأيتهم -رحمة الله عليهم- قد طولوا في بعض ذلك، وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات، وهذا وإن كان له وجه فهو تطويل على من أحب علم ما يُعتمد عليه من أسمائهم ومعرفتهم، وهم مع ذلك قد أضربوا عن التنبيه عن عيون أخبارهم التي يُوقف بها على مراتبهم…

ثم يبين لماذا تحتاج كتب السابقين إلى تكملة، فيقول: “فرأيت أن أجمع ذلك وأختصره وأقربه على من أراده، وأعتمد في ذلك على النكت التي هي البغية من المعرفة بهم، وأشير إلى ذلك بألطف ما يمكن، وأذكر عيون فضائل أهل الفضل منهم وسابقته ومنزلته. أبين مراتبهم بأوجز ما تيسر وأبلغه؛ ليستغني اللبيب بذلك ويكفيه عن قراءة التصنيف الطويل فيه، وجعلته على حروف المعجم”.

عناصر منهجه:

يقول: “وجعلته على حروف المعجم؛ ليسْهُل على من ابتغاه، ويقرب تناوله على طالب من أحب منهم رجاء ثواب الله عز وجل، وإلى الله أرغب في سلامة النية…

واعتمدت في هذا الكتاب على الأقوال المشهورة عند أهل العلم بالسير، وأهل العلم بالأثر والأنساب، وعلى التواريخ المعروفة التي عول عليها العلماء في معرفة أيام الإسلام وسير أهله”.

ثم ذكر أسانيده إلى أصحاب الكتب وإلى العلماء، كأنه لم يفته كتاب مما سبقه، لا في الصحابة ولا في غيرهم، ممن تعرض لذكر الصحابة، وإن لم يكن الكتاب خالصًا للصحابة.

فهل رأيتم منهجًا علميًّا في شرق أو غرب مثل هذا في الدقة؟ في العزو العلمي الدقيق، وفي بيان المصادر التي اعتمد عليها، وفي توثيق المعلومات؛ كل معلومة من أين جاء بها؟ وما مصدره فيها؟

وهذا منهج اتبعه المحدّثون في كل كتبهم، ليس في الكتب التي رَوت الأحاديث فقط.

فمع أنه يتكلم عن الصحابة، إلا أنه يعتمد أيضًا على الرواية بالأسانيد.

ثم يذكر فوائد وتعليقات عن الشيوخ يرويها بالإسناد، وهذا أيضًا من معالم منهجه:

يقول: “ولم أقتصر في هذا الكتاب على ذِكر من صحت صحبته ومجالسته، حتى ذكرنا من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ولو لقيه مرة واحدة مؤمنًا به، أو رآه رؤية، أو سمع منه لفظة فأداها عنه، واتصل ذلك بنا على حسب روايتنا.

وكذلك ذكرنا من ولد على عهده من أبوين مسلمين، فدعا له أو نظر إليه وبارك عليه، ونحو هذا، ومن كان مؤمنًا به قد أدى الصدقة إليه، ولم يرد عليه.

وبهذا كله يستكمل القرن الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم…

وقد ذكرنا أنساب القبائل من الرواة من قريش والأنصار وسائر العرب في كتاب (الإنباه على القبائل الرواة)، وجعلناه مدخل هذا الكتاب؛ ليغنينا عن الرفع في الأنساب، ويعيننا على ما شرطناه من الاختصار والتقريب، وبالله العون لا شريك له”.

هذه مقدمة ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب)، وبينا خلالها هدفه من الكتاب وأهميته، وبعض عناصر المنهج الذي اعتمده فيه.

فقد ألفه على حروف المعجم، ثم تناول النساء في أواخر كتابه، ومصادره كل الكتب التي سبقته، واعتمد في الأنساب على كتاب (الإنباه على القبائل الرواة)، وأيضًا كل الكتب ذكر إسناده إليها.

أيضًا من ضمن مصادره ومن منهجه أنه اعتمد على الروايات التي رواها بالأسانيد إلى من قالها، وبيّن أنه حاول أن يستوعب في الصحابة، فذكر حتى الذين وُلدوا على عهده صلى الله عليه وسلم، حتى الذين حُملوا إليه، وحتى الذين ولدوا من أبوين مسلمين، وإن كان البعض قد عاب على ابن عبد البر هذا -كما سنذكره عند الكلام عن أهم المآخذ على الكتاب.

وقد بدأه بالطبع بالكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشيء يسير من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، ثم بدأ بالكلام عن ابنه إبراهيم، ثم انتقل إلى الكلام عن بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم انتقل إلى الكلام عن الصحابة مرتبين على حروف المعجم.

إذًا لم يفت ابن عبد البر كتابًا ألف في الفن خصيصًا في الصحابة، أو غير مخصص للصحابة- إلا واطلع عليه، وضمن كتابه مقدمة مهمة جدًّا تضمنت سبب تأليف الكتاب، وأهمية معرفة علم الصحابة، والكلام عن عدالة الصحابة.

وبيّن أنه سيتكلم عن: من هم الصحابة؟ وتكلم عن أسانيده، وعن أنه رتبه على حروف المعجم، وعن مصادره التي اعتمد عليها، وبين أن الذين شهدوا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من 1400 إلى 1500.

وعدد تراجم الكتاب تقريبًا حوالي 3500، رغم أنه ظن أنه قد استوعب  إلا أنه كما قال ابن حجر في المقدمة: “قد فاته الكثير”، ولذلك وصلت التراجم إلى أضعاف هذا العدد عند ابن حجر رحمه الله تعالى.

بعض الملاحظات المهمة على كتاب ابن عبد البر:

رغم أنه سماه (الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، وكلمة “الاستيعاب” تعني أنه استوعب جميع الصحابة، إلا أنه -كما رأينا- قد فاته الكثير منهم، وهذه أول ملحوظة عليه، وإنما عُدّت عليه؛ لأنه قصد أن يستوعب في كتابه، ولو لم يقل “الاستيعاب”- لما عددناها عليه؛ لأننا نحاسبه على منهجه؛ وهو قصد “الاستيعاب”، وصرح بذلك في المقدمة، لكن فاته الكثير.

لم يقتصر أيضًا على ذكر من صحت صحبته ومجالسته -على حد تعبيره- بل ذكر من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة، ومن حُمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم… إلى آخره.

وأيضًا وقف كثيرًا عند ما شجر بين الصحابة.

وأخذ عليه ايضًا أنه أضاف إلى الصحابة ما ليس منهم، ولو على سبيل الاحتمال، إلا إذا كان يعتبر مجرد الرؤية أو الوجود في الزمن منقبة، ولعل ذلك يعتبر من باب الوفاء بشرط التزمه هو، كما قاله في كلامه الذي ذكرناه آنفًا.

ونستطيع بصدق ألا نعتبرها ملحوظة؛ لأن ذلك هو المنهج الذي اختطه لنفسه.

ومهما يكن من أمر، فإنه رأى أن يستوفي كل من كان في قرن النبي صلى الله عليه وسلم، من كان في جيله، من كان في عصره؛ فضم إليهم حتى الذين بعثوا إليه الصدقة ولم يَرِدُوا عليه، مع أنهم باتفاق ليسوا من الصحابة؛ لأنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا موجودين في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل هم من المخضرمين؛ أي: طبقة خاصة من التابعين، لكنهم من ناحية الرواية من التابعين؛ لأنهم لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.

هذا منهج ابن عبد البر في كتابه، وهذه أهم الملحوظات التي تؤخذ على كتاب ابن عبد البر. وابن عبد البر أحد علماء الأمة الأفذاذ، رحمه الله تعالى وجزاه عن كتابه هذا وعن سائر كتبه وعن خدمته للإسلام خير الجزاء.

error: النص محمي !!