Top
Image Alt

ترك الوضوء قبل الطعام

  /  ترك الوضوء قبل الطعام

ترك الوضوء قبل الطعام

ما جاء في ترك الوضوء قبل الطعام وبعده:

الأحاديث كثيرة، تدل على الوضوء قبل الطعام وبعد الطعام، والمراد بالوضوء، هل الوضوء الكامل؟ أي: كوضوء الصلاة، أم المراد من الوضوء غسل اليدين فقط قبل الطعام وبعده؟ كلام كثيرٌ للعلماء.

روى الإمام الترمذي بسنده فقال: حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا قيس بن الربيع، وحدثنا قتيبة، حدثنا عبد الكريم الجرجاني، عن قيس بن الربيع -المعنى واحد- عن أبي هاشم، عن زاذان، عن سلمان قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قرأت في التوراة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده)).

قال: في الباب عن أنس وأبي هريرة، قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس يضعَّف في الحديث، وأبي هاشم الرماني، اسمه: يحيى بن دينار.

هذا الحديث الذي رواه الترمذي يثبت الوضوء قبل الطعام وبعده، وحديث الباب المراد في ذلك العنصر هو تحت عنوان: باب في ترك الوضوء قبل الطعام، وقد وضع الترمذي هذا العنوان، ثم قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، فقرب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)).

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس، وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: “كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام، وكان يكره أن يوضع الرغيف تحت القصعة”.

هذا الحديث الذي جاء في ترك الوضوء قبل الطعام أصح من الحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده))، ومع أنه فيه ضعف، فإنه يعمل به، فهو إخبار عن بركة الطعام، فمن أراد بركة الطعام فليتوضأ قبل أن يأكل وبعد أن يأكل، وهذا من نظافة الإسلام، ودعوته إلى النظافة في الطعام والملبس والمأكل والمشرب.

وإسماعيل بن إبراهيم الذي في رواية ترك الوضوء قبل الطعام هو المعروف بابن عُلية يروي عن أيوب؛ هو أيوب السختياني.

وابن أبي مليكة في (التقريب): هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية بالتصغير، ابن عبد الله بن جدعان.

قال صاحب (التقريب): اسم أبي مليكة: زهير التيمي المدني، أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ثقة فقيه من الطبقة الثالثة.

تقول الرواية: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلاء)) الخلاء بفتح الخاء ممدودًا، المكان الخالي، وهو هنا كناية عن موضع قضاء الحاجة.

((فقالوا))؛ أي قال بعض الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا نأتيك بوَضوء؟)) بفتح الواو؛ أي: بماء تتوضأ به، ومعنى الاستفهام هنا على العرض نحو: ألا تنزل عندنا؟ والمعنى: ألا تتوضأ، كما في رواية- ظنًّا منهم أن الوضوء واجب قبل الأكل، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما أمرت))؛ أي: وجوبًا. ((بالوضوء))؛ أي: بعد الحدث ((إذا قمت إلى الصلاة))، يعني الوضوء لا يكون واجبًا إلا لمن أراد أن يصلي، ((إذا قمت إلى الصلاة))؛ أي: أردت القيام لها، وهذا باعتبار الأعم الأغلب، وإلا فيجب الوضوء، عند سجدة التلاوة، ومس المصحف، وحال الطواف.

وكأنه صلى الله عليه وسلم علم من السائل أنه اعتقد أن الوضوء الشرعي قبل الطعام واجب مأمور به، فنفاه على طريق الأبلغ؛ حيث أتى بأداة الحصر، وأسند الأمر لله -تبارك وتعالى- وهو لا ينافي جوازه بل استحبابَهُ فضلًا عن استحباب الوضوء العرفي سواء غسل يديه عند شروعه في الأكل أم لا، والأظهر أنه صلى الله عليه وسلم ما غسلهما لبيان الجواز مع أنه أكد لنفي الوجوب المفهوم من جوابه صلى الله عليه وسلم.

وفي الجملة لا يتم استدلال من احتج به على نفي الوضوء مطلقًا قبل الطعام، مع أن في نفس السؤال إشعارًا بأنه كان الوضوء عند الطعام من دأبه صلى الله عليه وسلم، وإنما نفى الوضوء الشرعي فبقي الوضوء العرفي، وهو مجرد غسل اليدين باقٍ على حاله، والذي نفي هو الوضوء الاصطلاحي العرفي للصلاة.

ويؤيده المفهوم أيضًا، فمع وجود الاحتمال سقط الاستدلال، كذا قال القاري في (المرقاة).

قال الشارح: وفي بعض كلامه نظر كما لا يخفى.

أما قوله: هذا حديث حسن؛ قال الشارح: أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقد رواه عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث، ويقال: ابن أبي الحويرث المكي، مولى السائب، وهو ثقة من الرابعة، عن ابن عباس، وحديث ابن عباس هذا أخرجه مسلم في (صحيحه) بهذا الطريق.

وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد، كان سفيان الثوري يكره … إلى آخره.

قال النووي في شرحه حديث ابن عباس: “المراد بالوضوء الوضوء الشرعي؛ يعني كان يكره سفيان أن يتوضأ الإنسان للطعام وضوءًا شرعيًّا بأن يغسل وجهه ويديه، ورأسه ورجليه، هذا ما كرهه سفيان؛ لكنه لم يكره بل كان يدعو ويعمل بمجرد غسل اليدين وهو الوضوء اللغوي قبل الطعام وبعده.

قال النووي في شرح حديث ابن عباس: “المراد بالوضوء الوضوء الشرعي الذي كان سفيان لا يستحبه قبل الطعام؛ لأن فيه مشقة على الإنسان”.

وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي، وجعل المراد غسل الكفين، وحكى اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه؛ هناك من قال: يكره، وهناك من قال: يستحب، وحكيت الكراهة عن مالك، والثوري، والظاهر ما قدمناه أنهم كرهوا الوضوء الشرعي لا مجرد غسل اليدين.

وقال الحافظ ابن القيم في حاشية (السنن): “في هذه المسألة قولان لأهل العلم: أحدهما يستحب غسل اليدين عند الطعام. والثاني: لا يستحب، وهما في مذهب أحمد وغيره، ثم قال: والصحيح أنه لا يستحب”.

وقال الشافعي في كتابه (الكبير): “باب ترك غسل اليدين قبل الطعام، ثم ذكر من حديث ابن جريج عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز، ثم خرج فطعم ولم يمس ماءً)). وإسناده صحيح”.

ثم قال: غسل الجنب يده إذا طعم. وساق من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه))، وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب، والله أعلم.

error: النص محمي !!