Top
Image Alt

تسميات عربية، مشرقية ومغربية، في البحوث اللغوية

  /  تسميات عربية، مشرقية ومغربية، في البحوث اللغوية

تسميات عربية، مشرقية ومغربية، في البحوث اللغوية

التسميات والمصطلحات العربية اللغوية:

تعددت المصطلحات العربية اللغوية تعددًا ملحوظًا في مشرق العالم العربي ومغربه؛ فلقد ظهر ما يُسمَّى بالنحو، وكذا ما يُسمَّى بعلم العربية، أو ما يُسمَّى بالعربية، أو ما يسمى بالتصريف أو الصرف، وكذا ما يُسمَّى باللغة أو بفقهها أو بعلمها، أو بعلم متنها، وكذا ظهر ما يُسمَّى بعلم اللسان، أو علوم اللسان العربي، أو علوم الأدب.

وينبغي الوقوف على هذه التسميات والمصطلحات؛ كي نعرف المقصود منها لدى علمائنا القدماء عبر القرون.

أ. مصطلح “النحو”:

استُعمل عند المشارقة.

النحو عند سيبويه: يتناول موضوعات ودراسات تتصل بالأصوات وتتصل ببناء الكلمة وتتصل ببناء الجملة، ونجد هذا الأمر أيضًا عند علماء القرون التالية لعصر سيبويه؛ كابن جني مثلًا، وأبي حيان، وابن الحاجب.

فالنحو عند ابن جني: يضم موضوعات تتصل ببناء الكلمة، وأخرى تتصل ببناء الجملة؛ حيث عرّف ابن جني النحو: “بأنه انتحاء سَمْتِ كلام العرب في تصرفه من إعرابٍ وغيره؛ كالتثنية، والجمع، والتحقير، والتكسير، والإضافة، والنسب، والتركيب، وغير ذلك؛ ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة” هكذا يقول ابن جني في (خصائصه) في الصفحة الرابعة والثلاثين، ومعنى هذا: أن النحو يضم: النسبَ، والإعراب، والتثنيةَ، والجمع، والتحقيرَ، والتكسير، والإضافة، ويضم التركيب، وغير ذلك.

النحو عند أبي حيان الأندلسي: معرفة الأحكام التي للكَلِم العربية من جهة إفرادها ومن جهة تركيبها، إنه يبحث -إذًا- في بِنية الكلمة المفردة، ويبحث أيضًا في علاقات الكلمات في الجملة.

النحو عند ابن الحاجب: مع أنه أَلَّفَ كتبًا كثيرة، فقد ألف (الكافية) في النحو، وتناول فيه القضايا الخاصةَ بالإعراب، وبناء الجملة، بينما خصص لبناء الكلمة كتابًا آخر هو (الشافية)، ولكنه -على الرغم من هذا التقسيم- ظل التصريف عنده قسمًا من النحو لا قسيمًا له.

المتأخرون من العلماء: يقصرون النحو على الدراسات المتصلة ببناء الجملة، ويخصصون الصرف للموضوعات المتصلة بالبنية أو الصيغة، واستقر الأمرُ على هذا النحو عند هؤلاء في القرون المتأخرة للحضارة العربية الإسلامية.

ب. مصطلح “علم العربية”:

ظهر مصطلح آخر هو “العربية” أو “علم العربية” بمعنى “النحو”، نرى علماء القرن الرابع يستخدمون “العربية” بمعنى “النحو”، ومن هؤلاء: ابن فارس من علماء القرن الرابع؛ إذ وفاته ثلاثمائة وثلاثة وتسعين، بينما ابن الأنباري من علماء القرن السادس؛ إذ وفاته سنة سبع وسبعين وخمسمائة؛ حيث نرى ابن الأنباري يستخدم لفظ “العربية” في كتابه (نزهة الألباء في صفات الأدباء)، وكذلك الأمر عند الزبيدي وهو من علماء القرن الرابع الهجري؛ إذ وفاته سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، نراه يستخدم لفظ “العربية” بمعنى “النحو” في كتابه (طبقات النحويين واللغويين).

وإذا كان علماء الأندلس كالزبيدي يستخدم “العربية” وابن فارس وأبو البركات ابن الأنباري يستخدمان كذلك لفظَ “العربية” أو “علم العربية” بمعنى “النحو”، فإن هذا اللفظ نراه محدودَ الانتشار عند المشارقة، بينما يكثر انتشاره عند المغاربة، أي: أن المشارقة كانوا يفضلون لفظ “النحو” وبينما المغاربة كانوا يفضلون “العربية”، نقول هذا غالبًا، لأننا قد نجد عالمًا من هنا أو من هناك يستخدم “النحو” أو يستخدم “العربية” على سبيل الترادف، لكن اللفظ الذي كان منتشرًا للدلالة على النحو عند المغاربة، هو “العربية”، بينما كان لفظ “النحو” منتشرًا عند المشارقة.

ج. مصطلح “الصرف”:

و”النحو” يضم دراسات متصلة ببنية الكلمة وبنية الجملة، وكان الصرف جزءًا منه عند ابن جني والاستراباذي وابن عصفور، فقد ألف ابن جني كتابه (المنصف شرح التصريف)، وألف الاستراباذي (شرح الشافية)، وألف ابن عصفور (الممتع في التصريف)، بل إن المازني كان من أوائل مَن خصصوا للأبنية الصرفية كتابًا مستقلًّا سماه بـ (التصريف).

وكان الصرفُ في كل هذه المؤلفات لا يعدو أن يكون جزءًا من “النحو”، إلى أن تخصص “الصرف” وتخصص “النحو” عند علماء القرونِ المتأخرة، فالمتأخرون استخدموا مصطلح “الصرف” واعتبروه قسيمَ “النحو” لا جزءًا منه، كما فعل السكاكي في القرن السابع الهجري الذي كانت وفاتُه في السابع عشر وستمائة من الهجرة في كتابه (مفتاح العلوم).

ومن العلماء المتأخرين كذلك “طاش كبري زاده” الذي ألف (مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم)، وجعل الصرف قسيم النحو لا جزءًا منه.

د. مصطلح “اللغة”:

نرى لفظًا آخر في مؤلفات علمائنا القدماء هو “اللغة”، وأطلقوه على المفردات اللغوية جمعًا وتأليفًا ودلالة، وبناءً على هذا كان هناك ما يُسمى بـ”النحاة” بإزاء “اللغويين”، فالأصمعي لغوي؛ لأنه جمع ألفاظَ البدو وسجَّلها في رسائلَ لغوية مصنفة في موضوعات دلالية، والخليل لغوي؛ لأنه أول من حاول حصر الألفاظ العربية وتسجيلها في (معجمه)، وابن دريد لغوي أيضًا؛ لأنه ألف معجمه (جمهرة اللغة)، والأزهري لغوي؛ لأنه ألف معجمه (تهذيب اللغة) وظل استخدام كلمة “اللغة” بمعنى بحث المفردات وتصنيفها في معاجم وكتب موضوعية، سائدًا في الدوائر العلمية عبر القرون.

بينما عُدَّ سيبويه والمبرد من النحاة؛ حيث كانوا ينظرون فيما قدم اللغويون من مادة حاوية لألفاظ اللغة؛ جمعًا وتأليفًا ودلالةً، وحاولوا استنباط قواعد العربية من هذا الجمع.

هـ. مصطلح “فقه اللغة”:

نرى “فقه اللغة” هذا المركب الإضافي جاء عنوانًا لكتابين؛ أحدهما: لابن فارس، وعنوانه (الصاحبي في فقه اللغة، وسنن العرب في كلامها) والآخر: لأبي منصور الثعالبي، وعنوانه: (فقه اللغة وسر العربية)، و(الصاحبي) ألفه ابن فارس في القرن الرابع الهجري؛ إذ وفاته كانت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، أو خمس وتسعين وثلاثمائة على أحد الأقوال، بينما الثعالبي من علماء القرن الخامس الهجري -بحسب وفاته- إذ وفاته كانت سنة تسع وعشرين وأربعمائة.

والمقصود به في الكتابين: معرفة الألفاظ العربية ودلالاتها وتصنيفها في موضوعات، وما يتعلق بذلك من دراسات، وإن أورد ابن فارس مجموعة من القضايا اللغوية النظرية، كالحديث على نشأة اللغة مثلًا، وكذلك ذيّل الثعالبي كتابه بموضوعات خاصة ببناء الجملة أطلق عليها (سر العربية).

معنى ذلك: أن “فقه اللغة” لا يبتعد عن لفظ “اللغة” في مضمونه، فهو قريب منه، إنه يتصل بالمفردات اللغوية من ناحية دلالاتها.

و. مصطلح “علم اللغة”:

ثم نرى مركبًا إضافيًّا آخر يظهر في آثار علمائنا ألا وهو “علم اللغة”، وبخاصة عند بعض المتأخرين، ولم يبتعد في دلالته عن المركب الإضافي الأول وهو “فقه اللغة”.

فعلم اللغة يُقصد به: دراسة الألفاظ ودلالاتها مصنفة في موضوعات معاجم وكتب، وقد استخدمه نفر من العلماء منهم الرضي الاستراباذي، وأبو حيان، وابن خلدون، وغيرُهم.

ز. مصطلح “متن اللغة”:

ثم نرى في عصرنا الحديث نفرًا من العلماء يستخدمون علم “متن اللغة” بدلالة لا تختلف عن “علم اللغة” أو “فقه اللغة” أو “اللغة”؛ حيث جاء في آثار حَسن المرصفي، وحمزة فتح الله، وأحمد رضا.

أما حسن المرصفي: فقد ظهر عنده “علم متن اللغة” في كتابه (الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية).

وأيضًا ظهر هذا المصطلح عند الشيخ حمزة فتح الله، وأحمد رضا في كتابهما (المواهب الفتحية).

على أية حال، إن هذه المصطلحات -“اللغة”، “فقه اللغة”، “علم اللغة”، “علم متن اللغة” لا تبعد دلالاتها، بل تتقارب تقاربًا شديدًا يصل إلى حد الترادف.

ح. مصطلح “علم اللسان”:

“علم اللسان” فقد استخدمه الفارابي في كتابه (إحصاء العلوم) وقد ضم كل العلوم اللغوية بالإضافة إلى علوم أخرى ومهارات، لقد ضم علم الألفاظ المفردة، وقوانين الألفاظ المفردة والمركبة، وضم علم الألفاظ المركبة عند الخطباء والشعراء، وضم أيضًا قوانينَ تصحيح الكتابة، وقوانينَ تصحيح القراءة، وقوانين الأشعار.

ط. مصطلح “علوم اللسان العربي”:

ثم ظهر ما يسمى بـ: “علوم اللسان العربي” عند أبي حيان، وتشمل “علم اللغة” و”التصريف” و”النحو”، و”علم اللغة” عنده لا يبعد عما ذكرناه آنفًا، فقد قصد به دلالات الألفاظ، و”التصريف” عنده يختص بأحكام المفردات قبل التركيب، و”النحو” أيضًا يختص بأحكام مفردات حالة التركيب، فقد جعل أبو حيان “علم اللغة” و”التصريف” و”النحو” تحت اسم واحد هو “علوم اللسان العربي”.

أما ابن خلدون في (مقدمته) فقد جعل “علوم اللسان العربي” تشمل: “اللغة” و”النحو” و”البيان” و”الأدب”، أي: ضم العلوم اللغوية والأدبية تحت “علوم اللسان العربي”، وهكذا نرى العلوم اللغوية في القرون الأخيرة تتناول دراسةَ المفردات ودراسة المركبات عند “طاش كبري زاده” في كتابه (مِفتاح السعادة، ومِصباح السيادة في موضوعات العلوم).

ونرى دراسة المفردات عنده تشمل مجموعةً من العلوم، يأتي على رأسها “علم مخارج الحروف”، ثم يلي “علم مخارج الحروف”: “علم اللغة”، و”علم الوضع”، و”علم الاشتقاق”، و”علم الصرف”.

والمقصود بـ”علم الوضع” تفسير الوضع وتقسيمه إلى: الشخصي، والنوعي، والعام، والخاص، وهو بهذا لا يُعدُّ علمًا لغويًّا، لكن “طاش كبري زاده” جعله من العلوم اللغوية الدارسة للمفردات، أما دراسة المركبات فتتناول عنده: “النحو” و”المعاني” و”البيان” و”البديع” و”العروض” و”القوافي”، وبذلك ضم “طاش كبري زاده” الدراسات الأدبية مع علم “النحو” في إطار واحد، وهو دراسة المركبات وضم المركبات مع المفردات تحت اسم واحد، وهو “العلوم اللغوية”.

ي. مصطلح “العلوم العربية”:

ثم نرى آخرين يستخدمون “العلوم العربية”، ومن هؤلاء التهانوي في كتابه (كشَّاف اصطلاحات الفنون) ويتفق مع ما وصل إليه “طاش كبري زاده” عَدَا مخارج الحروف، إن العلوم العربية عند التهانوي تشمل: “علم اللغة”، و”علم الصرف”، و”الاشتقاق”، و”النحو” و”المعاني”، و”البيان”، و”العروض”، و”القافية”، ومن ثم لم يدرج التهانوي في هذه العلوم علم “الوضع” الذي جعله “طشقبري” من “العلوم اللغوية”.

ونرى المرصفي في كتابه (الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية) يستخدم هذا المركب أيضًا ليشمل: “علم متن اللغة” و”فقه اللغة” و”الصرف” و”النحو”، و”علم متن اللغة” عنده يتناول المعاني الحقيقية للمفردات، بينما يجعل “فقه اللغة” دارسًا للفروق بين المعاني.

اصطلاحات متعددة لدلالات متقاربة:

وهكذا من خلال هذه الجولة في كتب التراث العربي -أو في أشهرها- نرى اصطلاحات متعددة يُقصد بها دلالات متقاربة أو مترادفة، فالنحو يرادف “العربية” أو يرادف “علم العربية”، إلا أن المشارقة يستخدمون “النحو” والمغاربة -في الغالب- يستخدمون “العربية” أو “علم العربية”، كذلك الأمر بالنسبة “للغة” و”فقه اللغة” و”علم اللغة” و”علم متن اللغة”، فهذه الاصطلاحات الأربعة مفهومها متقارب بل مترادف، وكذلك الحال بالنسبة لـ”علم اللسان” أو لـ”علوم اللسان العربي” عند الفارابي أو عند أبي حيان أو عند ابن خلدون، وكذلك الحال بالنسبة للعلوم اللغوية عند بعض العلماء؛ كـ”طاش كبري زاده” أو العلوم العربية عند آخرين كالتهانوي أو المرصفي.

ك. مصطلح “علوم الأدب”:

بقي أن أختم هذا العنصر بما يسمى بـ: “علوم الأدب” وقد استخدمها السكاكي، واستخدمها آخرون كابن الأنباري أيضًا، أما السكاكي فقد استخدم هذا المركب في كتابه (مفتاح العلوم) وهي تشمل: “الصرف” و”النحو” و”المعاني” و”البيان” بجانب “علم اللغة”، إذًا علوم الأدب عنده تشمل علومًا لغوية وأخرى غير لغوية.

وأما ابن الأنباري فقد استخدم هذا المركب أيضًا في كتابه (نزهة الألباء في طبقات الأدباء) وهي تشمل عنده: “علوم اللغة” و”الأدب” وما يتعلق بذلك من معارف، وعلوم اللغة عنده تشمل: “النحو” و”اللغة” و”التصريف” و”الجدل في النحو” و”أصول النحو” و”العروض” و”القوافي” و”صنعة الشعر” و”أخبار العرب” و”أنسابهم”، فالأديب عنده هو المشتغل بهذه العلوم.

وهكذا فإن هذا المركب الإضافي -“علوم الأدب”- قد اتسع ليشمل علومًا لغويةً بجانب العلوم الأدبية.

error: النص محمي !!