Top
Image Alt

تصحيح مخالفات العرب في أداء المناسك، ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى منى، وحجه، وخطبته

  /  تصحيح مخالفات العرب في أداء المناسك، ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى منى، وحجه، وخطبته

تصحيح مخالفات العرب في أداء المناسك، ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى منى، وحجه، وخطبته

أ. تصحيح مخالفات العرب في أداء المناسك:

وهنا نرى أنه صلى الله عليه  وسلم بحجه بين أمرًا كانت تخالف فيه قريش والعرب كذلك فإن قريشًا ما كانت تقف بعرفة لأنهم كانوا يعتبرون أنفسهم غير العرب، وأنهم من أهل الحرم، كذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم لم ينفر من عرفة إلى المزدلفة إلا بعد أن كمل غروب الشمس، وكان في هذا مخالفًا للعرب؛ لأن قبائل العرب كانت تفيض من عرفات إلى المزدلفة قبل غروب الشمس، حينما تكون على رءوس الجبال كالعمائم على رءوس الرجال؛ ولذلك كان هديه صلى الله عليه  وسلم بأمر الله مبينًا كل ما خالفت فيه العرب، وحتى يأخذ الناس عنه صلى الله عليه  وسلم صحيح المناسك؛ فكان يقول لهم: ((خذوا عني مناسكم)).

ثم إنه صلى الله عليه  وسلم سار حتى أتى المزدلفة فتوضأ للصلاة، ثم أمر بلالًا فأذن أذانًا واحدًا، وأقام للمغرب وللعشاء التي صلاها صلى الله عليه  وسلم قصرًا وجمعًا مع المغرب جمع تأخير.

ثم إنه صلى الله عليه  وسلم نام حتى أصبح، ولم يحي تلك الليلة لجهد اليوم السابق، وللجهد الذي سوف يكون في يوم النحر.

ثم إنه صلى الله عليه  وسلم كان قد أذن لضعاف الناس أن يتقدموا إلى منىً قبل طلوع الفجر وأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، ثم لما طلع الفجر وهو صلى الله عليه  وسلم في المزدلفة صلاه، ثم بعد ذلك ركب إلى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع لله عز وجل حتى قرب شروق الشمس، فخرج منها إلى منىً مخالفًا بذلك أمر العرب الذين كانوا يخرجون إلى منىً بعد طلوع الشمس، كل هذا بيان صادق من النبي صلى الله عليه  وسلم لمناسك الحج للناس.

ب. ذهابه صلى الله عليه  وسلم إلى مِنى:

هذا يوم الحج الأكبر حينما خرج النبي صلى الله عليه  وسلم إلى منىً بعد أن أدى شعائر الحج في المزدلفة وسار إليها صلى الله عليه  وسلم يلبي حتى شرع في الرمي، وكان قد أمر أن تلتقط حصيات الرمي، وأمر أن تكون كحصى الخزف، وهو الحصى الصغير الذي يشبه حب البقلاء، ثم أخذ الحصيات ونفضهن في كفه وأراهنَّ للناس وقال: بمثل هذا فارموا، ولا تغلوا فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين.

وفي هذا اليوم العظيم كان للنبي صلى الله عليه  وسلم في منى أعمال ترتبت على هذا النحو فقد بدأ صلى الله عليه  وسلم بجمرة العقبة ثم نحر هديه وكان قد قدم مائة بدأ نحر بيده ثلاثة ثلاثًا وستين بدنه على حسب سن عمره صلى الله عليه  وسلم، ثم أمر علي أن ينحر ما زاد على ذلك حتى المائة، ثم أمر عليًّا أن يتصدق بالبُدن على المساكين، فلما يرد عن هديه إنسانًا، ولا محتاجًا صلى الله عليه  وسلم، ثم طبخ من كل بُدنة قطعة، فأكل النبي صلى الله عليه  وسلم من ذلك وشرب من مرقه، وفي غضون ذلك حلق صلى الله عليه  وسلم وأمر الحلاق أن يحلق الجانب الأيمن من رأسه الشريف، وأمر أن يقسم شعره على من يليه من هذا الجانب، وكذلك فعل بالجانب الأيسر، ثم إنه صلى الله عليه  وسلم خطب الناس في هذا اليوم حين ارتفع الضحى خطبة بَيَّنَ فيها كثيرًا من أمور الدين، وأمر الناس بما ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وكان مما جاء فيها أنه صلى الله عليه  وسلم بين حرمة الدماء والأموال والأعراض، وأنها كحرمة هذا اليوم في هذا البلد في هذا الشهر، ثم قال: ((ألا هل بلغت اللهم فاشهد،  فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)) ثم ذكر صلى الله عليه  وسلم أن الزمان قد استداركهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وأن الأمر قد استقام بعد عبث المشركين بنسيئة الأشهر الحرم ثم أمرهم صلى الله عليه  وسلم بالسمع والطاعة لمن أُمِّرَ ولو كان عبدًا مجدع الأنف ما قاد الناس بكتاب الله.

و بين صلى الله عليه  وسلم أنه لا تجني نفس على أخرى كما أنه صلى الله عليه  وسلم قال للناس: إن الشيطان قد يأس أن يعبد في بلدكم هذا، ولكن سيكون له طاعة في ما تحقرون من أعمالكم فيرضى، ثم بين عليه السلام أن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، وأمرهم قائلًا: ((اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصموا شهركم، وأطيعوا إذا أمرتم، تدخلوا جنة ربكم ))  كما أنه صلى الله عليه  وسلم أوصى الناس بما ملكت الأيمان فقال: ((أراقاءكم أراقاءكم أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون وإذا جاءوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم)) ثم استشهد الناس على بلاغه أمر الله وقال: ((اللهم فاشهد)).

وهكذا أدى رسول الله صلى الله عليه  وسلم هذا العمل الذي وصل به عمل الأمس من أعمال الحج، ثم توجه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، بعد أن تطيب ولبس ثيابه، فطاف طواف الإفاضة وشرب من ماء زمزم ومن نبيذ التمر بماء زمزم الذي لم يرض إلا أن يشرب مما يشرب منه الناس، مع أن الناس كانت تخوض أيديهم في هذا الشراب صلى الله عليه  وسلم.

ج. عمل أول أيام التشريق، عمل ثاني أيام التشريق، إتمام الحج:

ثم إنه صلى الله عليه  وسلم  عاد إلى منى، وأكمل اليوم بها وبات حتى أصبح في أول أيام التشريق وانتظر صلى الله عليه  وسلم حتى زالت الشمس فرمى الجمرات الثلاث، ولم يقدم شيئا بعد الزوال على الرمي؛ لأن وقت الرمي في منى عند الزوال كوقت الرمي في يوم النحر عند طلوع الشمس.

وفي اليوم الثاني وهو أوسط أيام التشريق نزلت عليه صلى الله عليه  وسلم  سورة النصر: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3-1].

د. خطبته صلى الله عليه  وسلم في حجة الوداع:

ثم ذهب ليخطب الناس خطبة الوداع لأنه عرف أن هذا أجلَه وكان مما جاء في خطبة أوسط أيام التشريق على ما رواه أبو داود من رواية سراء بنت نبهان أنه صلى الله عليه  وسلم سأل عن اليوم والشهر والبلد، نرى ذلك يتقرر في خطبه صلى الله عليه  وسلم حتى يستنطق الناس بحرمة الموقف واليوم والشهر، ثم قال: أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ ثم بين صلى الله عليه  وسلم أن حرمة الدماء والأموال والأعراض كحرمة هذا كله، وهذا نجد التأكيد منه صلى الله عليه  وسلم  على هذه الحرمة حتى لقاء الله عز وجل.

ثم قال صلى الله عليه  وسلم: اسمعوا مني تعيشوا؛ ألا لا تظالموا، ثلاثًا، وإنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ثم إنه صلى الله عليه  وسلم قرر هنا كذلك وضع كل دمٍ ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمه إلى يوم القيامة، وجعل ربا العباس عمه ودم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أول ربًا، وأول دمٍ يوضع من ذلك تحت قدمه، وهكذا نجد مثل هذه الأمور تتقرر في خطبه صلى الله عليه  وسلم ليؤكد للناس ذلك، وليسمع من لم يكن سمع منه صلى الله عليه  وسلم ولعل هذا هو السبب في تكرير أمثال هذه الأمور في خطبه صلى الله عليه  وسلم في حَجة الوداع.

ومن هذا ما قاله صلى الله عليه  وسلم لهم باستدارة الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وأن أشهر السنة عادت بترتيبها الذي خلقها الله عليه، ثم حذر صلى الله عليه  وسلم المسلمين من أن يرجعوا كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، كما أمر بتقوى الله في النساء وفي حبهن على الرجال، وبين صلى الله عليه  وسلم  أن الشيطان قد يأس أن يعبده المصلون ولكنه لم ييأس في التحريش بينهم، وأنه رضي من المسلمين بمحقرات الأعمال.

ثم قال صلى الله عليه  وسلم في ختام خطبته: ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ثم رفع يديه فقال: اللهم فاشهد وفتح الله له أسماع الناس فسمعوه حتى في منازلهم كما يقول عبد الرحمن بن معاذ التيمي.

هـ. تصحيح مخالفات العرب في أداء المناسك، والتيسير على أصحاب الأعذار:

وكان النبي صلى الله عليه  وسلم قد أعلن في الناس وأمر من ينادي فيهم بأن أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل فلا صيام فيها بيانًا وتعليمًا منه صلى الله عليه  وسلمكذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم أذن لعمه العباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، كما رخص بذلك لرعاء بجمع الرمي ليومين وأن يتناوب في هذا تيسيرًا في كل هذا على ذوي الضرورات.

وقد أقام صلى الله عليه  وسلم بمنى حتى أكمل حجه فلم يتعجل في يومين فلما كان يوم لنفر الآخر وهو ثالث أيام التشريق، وكان يوم الثلاثاء فإنه صلى الله عليه  وسلم ركب والمسلمون معه بعد أن أتم آخر الرمي، فنفر من منى ونزل بالمحصب وهو خيف بن كنانة وبقي به صلى الله عليه  وسلم حتى صلى العشاء، ثم رقد رقدة وركب بعدها إلى البيت، وكان نزوله صلى الله عليه  وسلم بالمحصب هذه الفترة لأنه المكان الذي كان أنسب لنزول الناس لهذا الجمع يجتمعون فيه حتى ينطلقوا منه إلى مكة لطواف الوداع، ثم العودة إلى المدينة.

error: النص محمي !!