Top
Image Alt

تصور ابن فارس لنشأة اللغة الإنسانية

  /  تصور ابن فارس لنشأة اللغة الإنسانية

تصور ابن فارس لنشأة اللغة الإنسانية

إن تصوّر ابن فارس لنشأة اللغة الإنسانية يظهر بصورةٍ جليّةٍ في الباب الذي خصّصه لهذه المسألة في كتابه (الصاحبي)، وقد عنون لهذا الباب بـ: “باب القول على لغة العرب؛ أتوقيف أم اصطلاح؟”.

وبداية نتساءل: هل قصد ابن فارس القول في نشأة اللغة العربية, أم قصد القول في نشأة اللغة الإنسانية الأولى؟

لقد قصد ابن فارس القول في نشأة اللغة العربية، ولكنه استدلّ على ذلك بما يستدلّ به على القول في نشأة اللغة الإنسانية الأولى؛ فيعتبر بذلك زعيم القائلين بالتوقيف في اللغات.

وبهذا يتضح أن ابن فارس رأى أن لغة العرب توقيفٌ، والتوقيف معناه: أن اللغة بنظامها المركب أو المعقد ليست من صنع الإنسان، وإنما من صنع قوةٍ كبرى، أو عقلٍ أكبر هو الله  سبحانه وتعالى، وقد أوقف الله عز وجل الإنسان الأول عليها وألهمه إيّاها.

نتساءل أيضًا: هل دلّل على رأيه هذا بأدلة؟

نعم، لقد دلّل بدليل نقلي وآخر عقلي:

أما الدليل النقلي, فيظهر في قول ابن فارس في صدر باب “القول على لغة العرب؛ أتوقيف أم اصطلاح؟”: “أقول: إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله -جل ثناؤه: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]”.

وقد ذكر ابن فارس أربعة أقوال في تفسير هذه الأسماء, تظهر في قوله:

“فكان ابن عباس يقول: علّمه الأسماء كلّها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض، وسهل وجبل، وحمار،… وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وروى خُصَيف عن مجاهد قال: علمه اسم كل شيء. وقال غيرهما: إنما علمه أسماء الملائكة. وقال آخرون: علمه أسماء ذريته أجمعين. والذي نذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس”.

وقد أيّد ابن فارس قول ابن عباس, وهنا يظهر اعتراض على اختيار ابن فارس رأي ابن عباس، وهو أن الضمير في قوله عز وجل: { عَرَضَهُمْ} يشير إلى أن الأسماء إنما هي أعيان بني آدم، أي: أسماء ذريته أجمعين، أو أسماء الملائكة؛ وعلى هذا فالضمير هنا في قوله: {عَرَضَهُمْ} يؤيّد إما الرأي الثالث، وإما الرأي الرابع؛ إما أن يعود إلى أسماء الملائكة، أو يعود إلى أسماء ذرية آدم.

ولكن لِمَ ذهب ابن فارس مؤيّدًا قول ابن عباس؟

نرى ابن فارس يسوق هذا الاعتراض، ويجيب عنه حين قال: “فإن قال قائل: لو كان ذلك كما تذهب إليه؛ لقال: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهنّ على الملائكة, أو ثم عرضها”.

ويكمل ابن فارس الاعتراض بقوله: فلما قال: عرضهم عُلِمَ أن ذلك لأعيان بني آدم أو الملائكة؛ لأن موضوع الكناية في كلام العرب أن يقال لما يَعْقِل: “عرضهم”، ولما لا يعقل “عرضها أو عرضهنّ”. هذا هو الاعتراض، أو التساؤل الذي يمكن أن يـكون عـلى صـورة اعتـراض أيضًا.

وقد أجاب عنه ابن فارس حين قال: قيل له: إنما قال ذلك -والله أعلم- أي: قال الله عز وجل: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ}؛ لأنه جمع ما يعقل وما لا يعقل؛ فغلَّب ما يعقل، وهي سنة من سنن العرب، أعني: باب التغليب، وذلك كقوله -جل ثناؤه: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45] فقال “منهم” تغليبًا لمن يمشي على رجلين، وهم بنو آدم: { فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} إذن قال “منهم” تغليبًا لمن يمشي على رجلين, وهم بنو آدم.

وبهذا يدفع ابن فارس اعتراضَ من يعترض على اختياره رأي ابن عباس؛ فالأسماء هي التي يتعارفها الناس من: دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها, رافضًا أن تكون الأسماء خاصة بأسماء الملائكة أو بأسماء ذرية آدم.

أما الدليل العقلي الذي ساقه ابن فارس فليس دليلًا عقليًّا يعتدّ به؛ لأنه يحاول إثبات فكرته عن طريق إبطال نظرية أخرى, تذهب إلى أن اللغة نشأت اصطلاحًا بين البشر.

هل اللغة التي أوقفها الله عز وجل آدم عليه السلام جاءت بالتدريج، أم بدأت مكتملة وجاءت جملة واحدة، وفي زمان واحد؟

والحق أن ابن فارس لم يغفل الإجابة عن هذا التساؤل، فرأى أن اللغة جاءت بالتدريج حيث وقف الله آدم على شيء منها، ثم وقف عرب الأنبياء كذلك؛ حتى اكتملت في زمن نبينا محمد صلى الله عليه  وسلم.

وإذا كانت اللغة كما تصوّرها ابن فارس توقيفًا من الله عز وجل, وجاءت بالتدريج بدءًا من آدم, ومرورًا بالأنبياء من العرب، وانتهاءً بنبيّنا محمد صلى الله عليه  وسلم؛ فهل حدّد اللغات التي علّمها الله آدم؟ ومتى اختلفت؟

نعم، لقد حدّد ابن فارس اللغات التي علمها الله آدم، وبَيَّنَ زَمَنَ اختلافها، وذلك في باب أتى به بعد باب: “القول على لغة العرب؛ أتوقيف أم اصطلاح؟” وهو باب بعنوان: “باب القول على الخط العربي، وأول من كتب به”، صدره بقوله: “يروى: أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني، والكتب كلها آدم  عليه السلام قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في طين وطبخه؛ فلما أصاب الأرض الغرق وجد كلّ قوم كتابًا فكتبوه، فأصاب إسماعيل  عليه السلام الكتاب العربي.

وكان ابن عباس يقول: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل  عليه السلام وضعه على لفظه ومنطقه والروايات في هذا الباب تكثر وتختلف” انتهى كلامه.

إن ابن فارس يتحدّث هنا عن اللغة في شقها الآخر، وهو الشق المكتوب, فاللغة ذات شقين: شق منطوق، وآخر مكتوب، وآدم  عليه السلام قد وقفه الله على كل لغات البشر التي جعل اختلافها آية من آياته حين قال عز وجل: {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22], وكما علمه الله تلك اللغات المنطوقة، عَلَّمه أيضًا شقّها الآخر وهو كتابتها، إذ أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدم  عليه السلام, وقد حدد ابن فارس في روايته التي يرويها عن غيره ثلاثمائة سنة قبل موت آدم، كتبها في طين وطبخها.

ثم حدد الظروف التي أدت إلى تفرق أولاده, وما تبعه من تفرق ألسنتهم، حيث قال: “فلما أصاب الأرض الغرقُ -يعني بذلك الطوفان الذي ورد الحديث عنه في أكثر من سورةٍ من سور القرآن الكريم- وجد كل قوم كتابًا فكتبوه؛ فأصاب إسماعيل  عليه السلام الكتاب العربي”.

وقد أكَّدَ ابن فارس أن الخط هذا توقيف من الله عز وجل, فاللغة في شقها المنطوق توقيف من الله، واللغة في شقها المكتوب توقيف من الله أيضًا.

error: النص محمي !!