Top
Image Alt

تطبيقات المنهج الجدلي من القرآن الكريم

  /  تطبيقات المنهج الجدلي من القرآن الكريم

تطبيقات المنهج الجدلي من القرآن الكريم

كان عماد النبي صلى الله عليه وسلم في مجادلة المشركين واليهود والنصارى وغيرهم القرآن الكريم، يحتج به عليهم لإثبات دعواه، وكلما أوردوا اعتراضًا نزل في الرد عليهم قرآن كريم؛ فيتلوه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعلن لهم به وضْحَ الحق إن كانوا له طالبين، ويرد كيدهم في نحورهم إن كانوا معاندين مستكبرين.

وفي الحق: أن كتاب الله فوق أنه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى، وفوق أنه مشتمل على أكثر الأجوبة عن الأسئلة التي اعترض بها المشركون، وغيرهم على الإسلام هو فوق هذا وذاك المثل الكامل الذي لا يتسامى إلى بيانه متكلم أو محتج؛ لذلك وجب علينا أن نعرف شيئًا من طرائق جدله واستدلاله لا طمعًا في محاكاته، ولا طلبًا لمساماته، ولكن للاقتباس من نوره والاستضاءة بضوئه، والاهتداء بهديه ولنجيب أمره، قال تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].

وأي مسلم سلك القرآن الكريم للاستدلال على ما جاء به من بينات، ولإثبات ما جاء به من حق أسلك مسلك المنطق والبرهان، أم مسلك الخطابة والتأثير بالبيان، أم مسلك الجدل والإلزام؟ من أجل أن نعرف ذلك على التحقيق، وكيف كان أثر القرآن الكريم في النفوس ومكانته من الحق وجب أن نتكلم كلمة في أصناف الناس، وما يناسب كل صنف من خطاب، وما يليق بهم من دليل.

فنقول: إن طبائع الناس متفاوتة، ومشاربهم متباينة، وأهواؤهم متضاربة، ومسالكهم في طلب الحق مختلفة، فمنهم من يصدق بالبرهان، ولا يرضيه إلا قياس تام، أو ما يجري مجراه، ويسير في طريقه، وهؤلاء هم من غلبت عليهم الدراسات العقلية والنزاعات الفلسفية، وكان لهم من أوقاتهم ما أزجوه في دراساتٍ واسعة النطاق، وعلوم سيطرت عليهم، فسادهم التأمل الفلسفي، والمنزع العلمي.

والمستقرئ لأحوال الأمم المتتبع لشئون الاجتماع؛ يجد أن هذا الصنف من الناس قلة في الكون الإنساني وعدد محدود بالنسبة لغيرهم من بني الإنسان؛ إذ أن أكثر من في الأرض انصرف إلى المهن المادية فما كان له وقت يزجيه في تلك التأملات، ولعل هذا هو الصنف الذي أمر الله نبيه أن يدعوه بالحكمة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ومنهم من غلب عليه مذهب ديني، أو غير ديني استأثر بلبه وسيطر على هواه، وسد مسامع الإدراك في قلبه؛ إذ استولت عليه نحلة مذهبية فتعصب لها، والتعصب يعمي ويصم، ويجعل النفس لا تكاد تسيغ الحق إلا بمعالجات عسيرة؛ إذ أن ذلك لا يكون إلا بالطب لأدواء النفوس، وأدواء النفوس أعسر علاجًا وأعز دواء من علاج الأجسام.

وهؤلاء لا بد لهم من طرق جدلية تزيل ما لبس من الحق عليهم، ويتخذ الحق بها قوة مما يعتقدون؛ إذ يلزمهم بما عندهم، ويفحمهم بما بين أيديهم، ويتخذ مما يعرفون وسيلة لقبول ما يرفضون، وهذا الصنف من الناس، وإن كان أكثر عددًا من الأول إلا أنه ليس الجمهور الأعظم، ولا الكثرة الغالبة بين الناس، ولعله الصنف الذي أَمَرَنَا الله سبحانه وتعالى بمجادلتِهِ بالتي هي أحسن في الآية الكريمة الآنفة الذكر.

أما الجمهور الأعظم من الناس فليس هؤلاء ولا أولئك، بل هو في تفكيره أقرب إلى الفطرة، فيه سلامتها، وفيها سذاجتُهَا، فيه حسنُها وجمالُها، وفيه إخلاصها وبراءتها، وهو لا يخاطِبُ بتعقيد المنطق، ولا بتفكير الفلاسفة، ولا بما يرضي المتفكرين تفكرًا علميًّا، بل يليق به ما التقى فيه الحق بالتأثير الوجداني، وما اختلطت فيه الحقائق بطرقِ إثارةِ الأهواء والميول، وما التقت فيه سياسةُ الحقِّ بسياسة البيان، وليس ذلك إلا بالأسلوب الخطابي، أو ما يُقَرِّبُ منه.

والقرآن الكريم نزل بتلك الشريعة الأبدية التي جاءت للكافة، وبُعِثَ بها النبي صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا بشيرًا ونذيرًا، من غير أن تقصر دعوته على قبيل، ولا أن تخص شريعته بجيل، بل بعث للأحمر والأسود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لذلك وجب أن يكون القرآن الكريم، وهو حجته الكبرى -كما علمت- فيه من الأدلة، والمناهج العقلية ما يقنع الناس جميعًا على اختلافِ أصنافِهِم، وتباين أفهامِهِم، وتفاوتِ مداركهم، ووجب أن يكون أسلوبه الفكري والبياني؛ بحيث لا يعلو على مدارك طائفة، ولا ينزل عن مدراك أخرى، ولا يرضي طائفة دون أخرى، بل يصلُ إلى مدارك الجميع يجد فيه المثقف بغيته، والفيلسوف طلبته، والعامة من سواد الشعب غايتهم.

وكذلك سلك القرآن الكريم، فالمتدبر في آياته والمتفكر في مناهجه يجد فيها ما يعلم الجاهل، وينبه الغافل، ويرضي نهمة العالم، اقرأ قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30].

اقرأ هذه الآية وارجع البصر فيها كرتين، ألا تراه فيها قد وجَّه الأذهان إلى عظيم قدرته، وقوة سلطانه على الوجود، وبيَّنَ كيف اخترعَ، وأبدع، وبرأ على غير مثال سبق؛ ليثبت أنه وحده الأحق بالعبادة من غير أن يشاركه وثن أو صنم، وألا ترى أن الشخص من الدهماء يقرأها فيرى فيها علمًا بما لم يكن يعلم، وقد أدركه في أيسر كلفة، وأقرب طريق، وأبلغ بيان.

ويرى فيها العالم الفيلسوف الباحث في نشأة الأكوان دقة العلم وأحكامه وموافقته لأصدق ما وصل إليه العقل البشري مع سمو البيان، وعلو البرهان؛ فتبارك الذي أنزل الفرقان، واقرأ قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ}(12) {ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ}(13) {ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(14) {ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ}(15) {ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 12: 16] إلى آخر الآيات الكريمات.

ثم تدبر في آيات الله البينات تجد أن العامي يستفيد منها علمًا غزيرًا فوق أنه يستدل منها على قدرته -جل وعلا- على الإعادة، كما قدر على الإبداع والإنشاء، وقرأها العالم بدقائق تكوين الإنسان، والدارس لحياة الحيوان جرثومة فجنينًا فموجودًا على ظهر الوجود حيًّا؛ فيرى دقة العلم، وصدق الحكاية على أدق مسائله، حتى لقد قرأها بعض كبار الأطباء في أوربا؛ فاعتقد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أمهر طبيب رأته الأجيال السابقة، فلما علم أنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب آمن بأن هذا من عند الله بارئ النسم -جلت قدرته.

وهكذا يرى القارئ لكتاب الله سبحانه، وما فيه من أدلة أنه واضح للعامي يدرك منه ما يناسب خياله، ويسمو إليه إدراكه، وما يدركه منه صدق لا شبهة فيه، ويرى فيه العالم الباحث المحقق حقائق صادقة ما وصل إليها البحث العلمي إلا بعد تجارب ومجهودات عقلية عنيفة، وكلما ازداد المتبصر في الآيات التي تتعلق بالكون في القرآن الكريم تأملًا ازداد استبصارًا، ورأى علمًا أسمى مما يدركه الإنسان بتجاربه، وأعلى مما يهتدي إليه بعقله المجرد.

تصدى ابن رشد لإثبات أن الحكيم الفيلسوف يستفيد من أدلة القرآن، كما يستفيد العامي الجاهل، ويرى فيه ما يرضي شهوته العقلية، وبيّن ذلك في كتاب (فصل المقال) قال: “لما كانت طرق التصديق ما هي عامة لأكثر الناس أعني: وقوع التصديق من قبلها، وهي الخطابية والجدلية، والخطابية أعم من الجدلية، ومنها ما هي خاصة بأقل الناس، وهي البرهانية”.

وكان الشرع مقصوده الأول العناية بالأكثر من غير إغفال لتنبيه الخواص كانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة الإسلامية على أربعة أصناف:

الصنف الأول: أن تكون مع أنها مشتركة خاصة بالأمرين جميعًا، أعني: أن تكون في التصور، والتصوير يقينية مع أنها خطابية، أو جدلية، وهذه المقاييس هي المقاييس التي عرض لمقدساتها مع كونها مشهورة أو مظنونة، أو تكون يقينية، وعرض لنتائجها أن أخذت نفسها دون مثالاتها، وهذا الصنف من الأقاويل الشرعية ليس له تأويل، والجاحد له أو المتأول كافر.

الصنف الثاني: أن تكون المقدمات مع كونها مشهورة أو مظنونة يقينية، وتكون النتائج مثالات للأمور التي قصد إنتاجها، وهذا يتطرق إليه التأويل، أعني: لنتائجه.

الصنف الثالث: عكس هذا، وهو أن تكون النتائج هي الأمور التي قصد لنتائجها نفسها وتكون المقدمات مشهورة، أو مظنونة من غير أن يعرض لها؛ لأن تكون يقينية، وهذا أيضًا لا يتطرق إليه تأويل، أعني: لنتائجه، وقد يتطرق لمقدماته.

الصنف الرابع: أن تكون مقدماته مشهورة، أو منظومة من غير أن تعرض لما أن تكون يقينية، وتكون نتائجه مثالات لما قصد إنتاجه، وهذه فرض الخواص فيها تأويل، وفرض الجمهور إمرارها على ظاهرها؛ وبالجملة فكل ما يتطرق إليه من هذه التأويل لا يدرك إلا بالبرهان، ففرض الخواص فيه هو ذلك التأويل، وفرض الجمهور هو حملها على ظاهرها في الوجهين جميعًا -أعني: في التصور والتصديق- إذ كان ليس في طباعهم أكثر من ذلك.

وقد يعرض للناظر في الشريعة تأويلات من قبل تفاضل الطرق المشتركة بعضها على بعض في التصديق.

بهذا الهدي الكريم، وبذلك الحق المبين، وبتلك الدلائل البينات، وعظ القرآن الكريم وجادل، فمن أي الأنواع دلائله، ومن أي الأصناف حججه، أهي من قبيل الأدلة البرهانية، أم من قبيل الأدلة الجدلية أم من قبيل الأدلة الخطابية؟

فنجيب: قال ابن رشد: “إن أدلة القرآن من قبيل الأدلة الجدلية والخطابية” وقال: “إن أكثرها خطابي، وبعضها جدلي قصد فيه الإلزام الإفحام”. في الحق أن أسلوب القرآن أسمى من الخطابة، وأسمى من المنطق؛ فبينما تراه قد اعتمد في مسالكه على الأمر المحسوس، أو الأمور البديهية التي لا يماري فيها عاقل، ولا يشك فيها إنسان تراه قد تحلل من بعض قيود المنطق التي تتعلق بالأقيسة وأنماطها، والقضايا وأشكالها من غير أن يخل ذلك بدقة التصوير، وإحكام التحقيق، وصدق كل ما اشتمل عليه من مقدمات العقل وثمرات المنطق.

ولهذا نحن لا نعد أسلوب القرآن الكريم منطقًا، وإن كان فيه صدقه وتحقيقه، وهو إلى الأسلوب الخطابي أقرب، وإنه كان كله حقًّا لا ريب فيه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، وإنك لترى كثيرًا من أوصاف الأسلوب الخطابي قد أتى القرآن الكريم فيها بالمثل الكامل، فتصريف فنون القول من استفهام إلى تقرير إلى أخبار قد نحى فيه القرآن الكريم مناحي تعلو على قدر البشر، وكثير من أشكال الأقيسة الخطابية تراه قد استعمل في القرآن الكريم على مثال أكمل من استعمل في الخطابة.

ونستطيع أن نذكر بعض مناحي القرآن الكريم فقي الاستدلال ولا نستطيع لها إحصاءً، ومن مناحيه في الاستدلال الأقيسة الإضمارية، وهي الأقيسة التي تحذف فيها إحدى المقدمات، وهي شائعة الاستخدام في الاستدلال الخطابي.

قال ابن سينا في (الشفاء): “الخطابة معولة على الضمير والتمثيل، وإن الناظر في أدلة القرآن الكريم المستقرئ لها يرى أكثرها قد حذفت فيه إحدى المقدمات”. ولقد قال الغزالي: “الحق إن القرآن مبناه الحذف والإيجاز” واقرأ قوله تعالى يرد على النصارى الذين يزعمون أن عيسى ابن الله؛ لأنه خُلِقَ من غير أب: {إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(59) {الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 59، 60].

ألا ترى في هذا دليلًا قويًّا مبطلًا لما يدعون، وفي الوقت نفسه لم تذكر فيه سوى مقدمة واحدة، وهي إثبات مماثلة آدم لعيسى، وطوى ما عاداها، وكان سياق الدليل هكذا: إن آدم خلق من غير أب كعيسى فلو كان عيسى ابنًا بسبب ذلك لكان آدم أولى، لكن آدم ليس ابنًا لاعترافكم، فعيسى ليس ابنًا أيضًا.

وأنت ترى أن حذف عبارة المقدمات قد أعطى الكلام طلاوةً، وكسبه رونقًا، وجعل الجملة مثلًا مأثورًا يفيد في الرد على النصارى، وفي الوعظ العام؛ إذ هو يذكر الجميع بأن آدم والناس جميعًا ينتهون إليه من تراب، وهكذا يرى المتتبع لكثير مما في القرآن الكريم من استدلال، وما يشتمل عليه من احتجاج.

error: النص محمي !!