Top
Image Alt

تطبيقات المنهج العقلي من القرآن والسنة

  /  تطبيقات المنهج العقلي من القرآن والسنة

تطبيقات المنهج العقلي من القرآن والسنة

اعلم أن منهج القرآن الكريم يخاطب في قضية الألوهية مجموع الإنسان كله، لا عقله وحده، ولا وجدانه وحده، ويخاطبه في جميع حالاته حي الوجدان، ومتبلد الحس، منفتح البصيرة ومغلقها، مستثارًا وهادئًا، متطلعًا وخائفًا، ضائعًا وباكيًا، مستقيمًا على أمر الله، وجانحًا عن السبيل، كما أنه وهو يخاطبه يحيط به من كل جانب، ويدخل من كل أقطار نفسه من صفحة الكون المعروضة أمامه من الأحداث الجارية حوله من نفسه وما يجري فيها من مشاهد الدنيا ومشاهد الآخرة، مما تدركه الحواس، ومما لا تدركه، كما تواجهه بحقيقة نفسه عاجزًا ضعيفًا مقرًّا بعجزه في ساعة الكرب، ملتجئًا إلى الله ساعة الشدة، مستكبرًا طاغيًا حين تنتهي، وتمر، ويظن أنه استغنى عن الله.

وبهذه المواجهة الدائمة الشاملة المحيطة يظل بالقلب البشري حتى يتفتح بحقيقة الألوهية، ثم يؤمن بها، ثم يستقر الإيمان في القلب، ثم يستقيم على الإيمان، هنالك أوتار في القلب البشري، أعدها الله سبحانه وتعالى لتتلقى إيقاعات معينة، فتهتز، فإذا اهتزت انطلقت الفطرة تبحث عن الله، وقد تهتدي في بحثها وقد تضل، ولكنها في كل حال تنطلق إذا اهتزت الأوتار والإيقاعات التي تهزها، لا تنقطع في ليل أو نهار؛ فالكون من أعظم الإيقاعات على أوتار القلب البشري، الكون بضخامته الهائلة التي لا تصل إلى مداها العيون؛ بل لا تصل إلى مداها الأفكار، ضخامة لا يمكن أن ينجو من وقعها الحس، ولو أراد أن ينفلت، ولو كابر أمام الناس، ويهتز وتر في القلب على هذه الضخامة الهائلة، فتنطلق الفطرة تبحث مَن وراء هذه المعجزة من الخالق، ثم تهتدي فتعرف الخالق، أو تضل فتسميه الطبيعة، أو تسميه كائنًا من كان، ومع الضخامة الهائلة دقة معجزة كذلك.

هذا الكون الضخم لا يتحرك خط عشواء إنه يسير في حركة دقيقة، تبلغ حدَّ الإعجاز، هذه الملايين بل ملايين الملايين من النجوم في الكون لا يلتقي اثنان منها في هذا الكون العريض، ولا يقع بينهما صدام إلا أن يشاء الله، تلك أوتار فطرية أودعها الله في القلب البشري؛ لتهتز بما تتلقى من إيقاعات فتنطلق تبحث عن الله، إنها كما تستطيع أن نقول: موحيات العقيدة في القلب البشري.

والقرآن وهو يعرف الناس بالله يوقع على ذات الأوتار المودعة في الفطرة؛ ليهزها فتستيقظ، ويحركها فتنفعل، وفي لحظة انفعالها يقول لها: إنه الله، ثم يقول لها: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102]، فلو وقف الإنسان لحظة واحدة يرقب ما خلق الله في السموات والأرض، ويستعرض هذا الحشد الذي لا يُحصى من الأجناس والأنواع والهيئات، والأحوال، والأوضاع، والأشكال، ؛ لملأ وطابه بما يغنيه حياته كلها، ويشغله بالتدبر والتفكر، والتأثر ما عاش.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(189) {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ}(190) {الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ}(191) {رَبّنَآ إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}(192) {رّبّنَآ إِنّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبّكُمْ فَآمَنّا رَبّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنّا سَيّئَاتِنَا وَتَوَفّنَا مَعَ الأبْرَارِ}(193) {رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتّنَا عَلَىَ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}(194) {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلاُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ} [آل عمران: 189- 195].

إن هذا الدرس لمن أعمق الدروس، إنه يحمل خطًّا أصيلًا من خطوط الإسلام، ويبرزه إبرازًا إن الإسلام لا يكتفي من المؤمنين بالتفكير والتدبر والتذكر، ولا يكتفي منهم بالمشاعر الإيمانية المستكنة داخل القلب، إنما ينبغي أن يتحول هذا كله إلى سلوك عملي واقعي، إنه يبدأ بهذا التقرير: {وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(189) {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ} [آل عمران: 189، 190].

وهذا متصل بالآية السابقة، {وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189] التي تختم الحديث عن أهل الكتاب، وما ينتظرهم من عذاب أليم، وتكون في ذات الوقت وصلة في السياق تصل إلى أولي الألباب، وموقفهم من هذا الملك الهائل، الذي هو ملك الله عز وجل، وهكذا يكون عن ملك الله الواسع وقدرته التي لا تُحدّ؛ نذيرًا للكفار بأنهم لن يستطيعوا الخروج من ملكه، ومن محيط قدرته، ولا النجاة من عذابه.

وبشير للمؤمنين بأنهم في رحمة الله التي وسعت السموات والأرض، وفي رحمته التي تدخلهم الجنة بإذنه، وخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، وتلك الآيات الكونية كلها ذات وقع عميق على الحث البشري، لا يمكن أن ينجو منه، ولكن فريقًا من البشر ترين على قلوبهم ما يكسبون، فتنطمس بصائرهم، فلا يعودون يلتفتون لتوقيعات الكون على قلوبهم، ولا يتيقظون لدلالاتها الهائلة، دلالاتها على وحدانية الله وقدرته.

أما أولو الألباب، فإنهم لا يوصدون قلوبهم دون توقيعات الكون، فهم عباد ربانيون، لا يفترون عن ذكر الله في جميع أحوالهم وأعمالهم، قلوبهم متصلة بالله، ترجو رحمته وتخاف عذابه، ومن خلال تفكيرهم يهتدون إلى الحقيقة الكبرى، إن الله خلق السموات والأرض بالحق، يهتدون إلى ذلك بنور الإيمان، وإلا فالعقل وحده عرضة لأن يضل، وكم ضلت عقول وهي تتفكر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فقالت: إنه عبث لا حكمة فيه، ولا غاية وراءه، انظر الوجوديين مثلًا؛ لأنهم يتفكرون وهم محرومون من نور الإيمان الذي ينير الطريق للعقل، فيهتدي إلى الحكمة غاية قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السّمَآءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لّلّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النّارِ} [ص: 27].

إن أولي الألباب يهتدون إلى أن الله لم يخلق هذا باطلًا، فيسبحون الله، وإذ يعلمون أن الكون خُلق بالحق فهم يدركون أنه لا يمكن أن تكون الحياة الدنيا نهاية المطاف، وإلا فهو العبث الذي يتنزه عنه الخالق سبحانه، إذا فلا بد أن تكون هناك رجعى إلى الله، وأن يكون حساب على ما تم في الحياة الدنيا من أعمال قال عز وجل: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].

وإذا عرفوا أن هناك رجعى وثوابًا وعقابًا، فهم يسارعون إلى الاستغاثة من العذاب {فَقِنَا عَذَابَ النّارِ}، ثم يسترسلون في التوسل إلى الله أن يجيرهم من هذه النار، وكأنما يقدمون بين يدي مولاهم المؤهلات التي تؤهلهم لدخول الجنة، والبعد عن النار {رّبّنَآ إِنّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبّكُمْ فَآمَنّا} الآيات، إلى أن ينتهي ذلك الدعاء الحار الذي لا شك في صدوره عن قلوب مؤمنة صادقة الإيمان، ففكرت، وتذكرت، وتدبرت؛ فهداها التدبر إلى ما اهتدت إليه من الحق، فتوجهت إلى الله بمشاعر إيمانية صادقة، وتوسل حار إلى الله سبحانه {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ} نعم، ولكن متى استجاب سبحانه، هل استجاب للتفكر وهو تفكر، وللتدبر وهو تدبر، وللتذكر وهو تذكر، وللدعاء الحار وهو دعاء، إنه استجاب لهم سبحانه بأنه لا يضيع عمل عامل منهم، ومعنى ذلك: أن ذلك التفكر، والتذكر، والتدبر، وتلك المشاعر الإيمانية رغم صدقها الذي لا شك فيه ينبغي أن تتحول كلها إلى عمل، وعندئذٍ يستجيب الله سبحانه لذلك الدعاء، يضرب مثلًا من العمل المطلوب،{فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلاُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ} [آل عمران: 195].

إن الإسلام لا يعرف التفكر من أجل التفكر، ولا التدبر من أجل التدبر، ولا المشاعر في صورتها الوجدانية الخالصة، ولو كانت هي مشاعر الإيمان، إنما ينبغي أن يتحول ذلك كله إلى عمل وجهاد في سبيل الله، ومن رجع إلى القرآن الكريم يجد ذكر العقل في عدد كبير تارة بالتصريح، وذلك ما يقارب خمسين موضعًا، وتارة يذكر أولي الألباب، كذلك أولي النهى، لكنها مرة واحدة في سورة طه، وأكثر ما ورد ذكر العقل في القرآن الكريم في الكلام على آيات الله الكونية الدالة على علم الله وقدرته، وحكمته، وإرادته، وتصرفه، وعظيم تدبيره.

وكون المخاطبين بها والذين يفهمونها، ويهتدون بها هم العقلاء من ذلك قوله تعالى: {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ} إلى قوله تعالى: {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وفي تفصيل الوصايا الجامعة في سورة الأنعام {ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151]، وكرَّر قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} في عدة مواضع من القرآن كأمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتج على قومه بأن القرآن من عند الله بقوله تعالى: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]، وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله تعالى في أهل النار: {وَقَالُواْ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنّا فِيَ أَصْحَابِ السّعِيرِ} [الملك: 10].

وقد حطهم إلى درجة الحيوانات التي لا يهمها في حياتها إلا الأكل والشراب؛ بل أحط منها بقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنّمَ كَثِيراً مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} [الحج: 46] والغافلون عن التفكر في هدف وجودهم، وفي مصيرهم لا تزكو نفوسهم، ولا تصعد إلى الكمال: {أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مّسَمّى} [الروم: 8]؛ لأنهم لو تفكروا لرجعوا عن الغفلة، واستطاعوا الإجابة عن الأسئلة المملوء بها الكون؛ لذلك يرفع القرآن من شأن العقلاء المفكرين بقوله: {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ}(190) {الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} [آل عمران: 190، 191].

وبقوله: {إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُواْ الألْبَابِ}(19) {الّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد: 20، 21]، إلى قوله تعالى: {أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عُقْبَىَ الدّارِ}(22) {جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرّيّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ}(23) {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الدّارِ} [الرعد: 22: 24]، والآيات في ذلك كثيرة إن السور التي يعرضها القرآن لا سيما السور المكية عن الكون شاملة لآفاقه كلها، جامعة لأجزائه، تضع أمام الإنسان آفاق الوجود في إطارها الأكبر، تعرض أحيانًا بإيجاز شامل، وتعبير جامع كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} [الأعراف: 185].

كما تُعرض أحيانًا مفصلة الأجزاء عن السماء بشمسها وقمرها، وسائر نجومها، والأرض ببرها وبحرها وجبالها، وسهولها، وأنهارها وحيوانها، ونباتها، وإنسانها، كما في أول سورة النحل، ويعرض أحيانًا أخرى مشاهد معينة، ويشار إلى جانب العظمة في خلقها وإبداعها، وفي حركتها وجريانها، ونظام سيرها، ويوجه النظر إليها بشيء من الإمعان والتفصيل كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لاُوْلِي الألْبَابِ} [الزمر: 21]. وفي ذلك دلالة على وحدانية الله وقدرته.

نماذج من السنة النبوية:

دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم مشركي مكة إلى التوحيد، هذا النموذج لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم مشركي مكة إلى التوحيد والإيمان بالله معتمدًا فيه على أمر وقر في قلوبهم، وهو صدقه -صلوات الله وسلامه عليه، يذكر المؤرخون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالجهر بالدعوة اتجه نحو جبل الصفا، وصعد إلى أعلاه فنادى ((يا معشر قريش)) فقالت قريش: إن محمدًا ينادي، وأقبلوا إليه يسألونه عن حاجته. ((فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسطح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط. قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة))، وأخذ ينادي على باقي القبائل ((إني لا أملك من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله)).

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت هذه الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه فقال: ((يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب، فاجتمعوا إليه أرأيتم لو أخبرتكم خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك، أما جمعتنا إلا لهذا، ثم قال: ونزلت هذه السورة {تَبّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ})).

وبالتأمل في هذه الروايات نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وجَّه الدعوة إلى مشركي مكة بعد أن ناداهم، ارتكز على أمر يسلمون به جميعًا، ولا يشكون فيه، وجعلهم يعترفون به كمقدمة لدعوته، وهو صدقه صلى الله عليه وسلم حيث اشتهر بينهم بالصادق الأمين، وذلك عندما بدأ لقاءه بهم بسؤاله إياهم ((أرأيتم لو أخبرتكم)) إلى آخره، فاعترفوا جميعًا قائلين: “ما جربنا عليك كذبًا قط” فقياسًا إلى تصديقهم له في المقال السابق من وجود الخيل التي تغير عليهم، والخطر الذي ينتظرهم أنذرهم بالعذاب الشديد إن لم يؤمنوا به، ولم يجدوا ما يردون به عليه سوى بذاءة أبي لهب، وكان ذلك خوفًا على مكانتهم من الضياع، أو اتباعًا لهوى النفس.

error: النص محمي !!