Top
Image Alt

تطبيقات النظرية التربوية

  /  تطبيقات النظرية التربوية

تطبيقات النظرية التربوية

تشكل هذه التطبيقات القسم الثاني العملي من النظرية التربوية، وهي تتكون من العناصر التالية:

1- المنهاج أو المنهج:

المنهاج أو المنهج بمعناه البسيط هو: مجموع الخبرات المربية, التي تهيئ المؤسسات التربوية لإنسانها التفاعل معها؛ لتحقيق المقاصد والأغراض التي تحددها الفلسفات، والأهداف التربوية التي سبق استعراضها.

وينقسم المنهاج إلى قسمين رئيسين، هما: (المنهاج الظاهر)، الذي يشتمل على الخبرات الظاهرة المحسوسة، ويتألف من مواد دراسية، وأساليب، ووسائل تستعمل لتوصيلها أو تقويمها، و(المنهاج المستتر) غير الظاهر للعيان، وتجسده النشاطات التعليمية، والممارسات الإدارية، والعلاقات الجارية المرافقة للمنهاج الظاهر.

وفي العقدين الأخيرين تركز الاهتمام بالمنهاج المستتر عند فريق من الباحثين التربويين، الذين ركزوا بحوثهم على فحص المعارف، والعلاقات الجارية في المدارس والجامعات، وبرز نتيجة لذلك ما عُرف باسم اجتماعيات التربية، ولقد لفتت هذه الاجتماعيات التربوية الأنظار إلى أهمية ما أسمته بالمنهاج المستتر، الذي يشير إلى ظاهرة تعلُّم الطلبة من أجواء المدرسة، ومن الأنشطة والعلاقات الإدارية فيها، أكثر مما يتعلمونه من محتويات المنهاج الظاهر الرسمي.

ولقد عرّف “هنري جيرو” المنهاج المستتر بأنه: المعتقدات والقِيَم والعادات غير المدوَّنة التي يراد تسريبها إلى أشخاص الطلبة، من خلال القوانين والإجراءات التي تنظم عمل المدرسة والعلاقات الاجتماعية فيها.

فحين يتمُّ التشديد في المدرسة أو الجامعة على طاعة القوانين واللوائح دون نقاش؛ فإن ذلك يوحي للطلبة بالخضوع للسلطة المطلقة خضوعًا أعمى.

وحين يتمُّ تشديد مراقبة الامتحانات وصرامة تنفيذها، فإن ذلك يوحي للطلبة بأن الأصل في سلوك الإنسان أن يغشَّ ويخدع، ويصل إلى أهدافه بالسلوك الملتوي.

وحين يركِّز منهاج التاريخ على الحكَّام دون العلماء، أو الأغنياء دون الفقراء، أو على الرجال دون النساء؛ فإن ذلك يوحي للطلبة مَن المهم الذي يبجلونه ويرهبونه.

والغاية من المنهاج المستتر هي ترويض الطلبة على مفاهيم, وأنماط سلوك يراد أن يحيوها في المستقبل، وأن يتقبلوا المواقع الاجتماعية والأدوار المقررة لكل منهم، والمنهاج بهذا الشكل قد يكون نافعًا ينبه الطلبة، ويدربهم لحياة اجتماعية أفضل، وقد يكون ضارًّا يكرِّس الخنوع والظلم وعدم المساواة.

ويرى “بولو فرير” أن المنهاج المستتر, المصاحب للمنهاج التربوي الرسمي الظاهر في العالم الثالث -كان من الأدوات الرئيسة لضمان ثقافة الصمت عند مَن لا يملكون، ولدمج الناشئة في النظام الاجتماعي القائم، وجعلهم يقبلون منطقه المأساوي، ويسهمون في المحافظة على استمراره.

ويؤخذ على المناهج المطبقة في غالب الأقطار العربية عدة أمور, هي:

– الفصل بين العلمي والأدبي؛ مما يفرز ثنائية اجتماعية متناقضة التفكير والولاء.

– في فترةٍ ما قبل العولمة كان التركيز على تاريخ الماضي وعلومه؛ مما يصرف عقول الطلبة عن الاهتمام بحاجات الحاضر وتحدِّياته، ويشغلهم بالجدال حول تفاضل الماضين ومفاخرهم أو نواقصهم، وفي فترة ما بعد العولمة يركز المنهاج على اغتراب الإنسان العربي والمسلم عن ثقافته وهويته، وتحويله إلى عامل لا ينتمي إلا لمكان العمل, الذي يقدم له الغذاء والكساء والمتعة الجسدية.

– التركيز على التلقين النظري أكثر من التطبيق العملي؛ مما يغرس فيها عادةً الرضا بالأقوال دون الأعمال.

– التركيز على مهارات العمل كاستعمال الحاسوب، وإهمال علوم الاجتماع والدين.

– الاكتفاء بالإلقاء النظري الجاف دون توفير البيئة والقدوة المفرحة؛ مما يدرِّب الطلبة على الصبر على حياة الضنك، والرضا بالواقع المأساوي.

2- المؤسسات:

تتعدد المؤسسات التربوية بتعدُّد حلقات السلوك في الفرد، ومع تعدُّد الحاجات والتحديات التي يواجهها المجتمع خلال مسيرة التغير الإنساني؛ ولذلك يبقى عدد هذه المؤسسات وأنواعها ومسئولياتها في تطوُّر مستمر, طبقًا لحاجات كل عصر وتحدياته، ولكن يمكن تصنيف هذه المؤسسات بشكل عام إلى خمس مؤسسات، هي:

– مؤسسات التنشئة، ومحورها الأسرة.

– مؤسسات التعليم، ويبدأ محورها من المدرسة، وينتهي بالجامعة.

– مؤسسات الإرشاد، ومحورها دور العبادة، ومؤسسات الثقافة.

– مؤسسات التوجيه، ومحورها مؤسسات الإعلام.

– مؤسسات البيئة العامة، ومحورها مؤسسات الإدارة والأمن.

كما لا يمكن الفصل بين حلقات السلوك -أي: حلقات الخاطرة، والفكرة، والإرادة، والتعبير، والممارسة- كذلك لا يمكن الفصل بين عمل المؤسسات المذكورة, إلا ما يستدعي التنظيم مع المحافظة على التكامل والتفاعل, طبقًا لتخطيط علمي يحدد الأدوار، وينظم قنوات التواصل.

وخطورة هذا الفصل أنه يقتل فاعلية هذه المؤسسات جميعها، ويدرج أعمالها كلها في قائمة العلم الذي لا ينفع، وهذا ما انتقده عدد كبير من علماء التربية والاجتماع, من أمثال: عالم الاجتماع الأمريكي “أرنست بيكر، وثيودور روزاك، وروبرت بله، وإبراهام ماسلو”، وعزوا إليه أزمة الانفصام القائمة بين التقدم التكنولوجي وبين الانحلال الأخلاقي، وانتفاء الأمن والاستقرار الاجتماعي.

أما في المجتمعات العربية، فإن خطورة عدم التكامل بين المؤسسات التربوية أدَّى إلى تمزيق شخصية الإنسان العربي وتقلبها؛ لأن كل مؤسسة تتعامل مع هذا الإنسان بشكل يختلف عن المؤسسات الأخرى، ابتداء من طفولته حتى شيخوخته.

فالأسرة تلزمه طفلًا بمنطلقات التقاليد المعتمدة على هيمنة الكبار على الصغار، وانتهاء دائرة الولاء عند حدود الأسرة، وعدم امتداده إلى دائرة الدولة والأمة، وتفضيل الذكور على الإناث، وما يرافق ذلك من وأْد اجتماعي للإناث، ونموٍّ سرطاني لشخصية الذكور.

والمؤسسة التعليمية تحقنه تلميذًا وطالبًا بخليط من المعلومات؛ بعضها مفرط في المثالية يتعصب لتراث الآباء، ويسبغ العصمة عليه، وبعضها يشايع المستورد من معاهد الغرباء ويسند الكمال إليه، علمًا بأن هذا المستورد يكون في الغالب مما مضى زمنه، أو من تقاليد الشوارع والممارسات العامة السلبية، وليس فيه الكثير من قِيَم المؤسسات العلمية والإدارية والسياسية.

ومؤسسات الإعلام تحقنه مواطنًا بخليط مضطرب من الثقافة والفن الموزَّع بين المثالية والبوهيمية، والأخبار التي تعتمد على الإثارة والانفعال أكثر من العقلانية والعلم.

ودور العبادة في الغالب تؤنبه مقصرًا عن فضائل السلف, الذين تقدمهم كنماذج ارتقت فوق رتبة البشر، والتحقت بالملائكة.

ودوائر الشرطة والأمن في الغالب تعامله كمجرم؛ حيث تترصَّد أخطاءه ومساقطه؛ لتعامله من منطلقات وتطبيقات غسل الأدمغة، والسلوك الاشتراطي المبني على نظريات أمثال بافلوف، واشتراطية سكنر وطومسون.

والإنسان العربي يتفاعل مع هذه البيئات المؤسسية المتناقضة، ويتقلب بين تحولاتها المفاجئة، ثم تكون المحصلة هي تقلب سلوكه وتناقضه.

3- الأساليب والوسائل:

تتحدد قيمة الأساليب والوسائل وفاعليتها بمقدار إسهامها في بَلْوَرة هوية الإنسان المتعلم، واستخراج قدراته وفضائله، وتمكينه من تسخير بيئته المحيطة، وإمداده بالوعي بتقسيمات الزمن الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ ليكون محصلة ذلك كله تسنُّمه بالمركز الكريم في درجة العوالم المحسوسة.

ولكن يؤخذ على أساليب التربية الحديثة, أنها في الوقت الذي أسهمت إسهامًا كبيرًا في تقدُّم العلم والتكنولوجيا، فإنها انتقصت إنسانية الإنسان، وركَّزت عملها على ترويضه وتأهيله لمكان العمل والإنتاج، وممن انتقد هذه الأساليب “أرنست بيكر” الذي كتب يقول: يتطلع الغرب اليوم إلى تربية واضحة تُخْرِجه من هذه الغابة المظلمة، والجهل المُوحِل إلى نور الفهم للوجود، ولا تستطيع التربية العلمية أن تقدِّم لنا هذا الفهم المنشود؛ لأنها تتعامل فقط مع الأشياء المحسوسة، ولا العلوم الاجتماعية التي عندنا؛ لأنها أيضًا أفكار ميتافيزيقية مدمِّرة، أفرزت أمراضًا اجتماعية قاتلة، فنحن اليوم في حرب مع عقولنا، وعقولنا أصبحت غائمة مكدَّرة باعتقادات عمياء هامشية غير معقولة، ومجموعة من الأفكار المدمرة ورثناها عن القرن التاسع.

4- إنسان التربية:

الإنسان الذي تتطلَّع إليه نظريات التربية هو الذي يقوم بالعمل الصالح كاملًا، والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف تعمل التربية على إخراج الإنسان الصالح, الذي يقوم بالعمل المشار إليه؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بُدَّ من أمرين: الأول: تعريف العمل، والثاني: كيف يتولد العمل؟

أما الأمر الأول، فإن التربية الإسلامية تطلق اسم العمل على كل حركة مقرونة بهدف: ((إنما الأعمال بالنيات))، ولما كان الهدف خاصًّا بالإنسان فقد أطلق على أعماله اسم العمل، أما الحركات غير الهادفة كحركة الشمس والنجوم فقد سماها جريانًا.

والعمل هو ثمرة عدد معين من العمليات التربوية التي تتكامل حسب نَسَق معين, ويمكن أن نوجزه فيما يلي:

العمل الصالح: هو القدرة التسخيرية والإرادة العازمة.

القدرة التسخيرية: هي القدرات العقلية والخبرات المربية.

الإرادة العازمة: هي القدرات العقلية والمثل الأعلى.

وفيما يلي تعريف موجز لكل هذه المكونات:

القدرة التسخيرية: هي ثمرة تزاوج القدرات العقلية مع الخبرات المربية، أي: إن القدرة التسخيرية تتولد حين النظر العقلي السليم في تاريخ الأفكار والأشخاص والأشياء؛ بغية اكتشاف قوانينها، ثم الاستفادة من هذه القوانين لتسخيرها والانتفاع بها.

الإرادة العازمة: هي قوة التوجُّه نحو الهدف المراد، وهي ثمرة تزاوج القدرات العقلية مع المثَل الأعلى، أي: إن الإرادة تتولد من خلال النظر السليم في مستويات المثَل الأعلى، التي تتضمَّن نماذج الحاجات التي تجلب للإنسان النفع، أو تدفع عنه الضرر.

القدرات العقلية: هي تلك القدرات العقلية الكامنة, التي يستطيع من خلالها الإنسان أن يتدبر أمور معاشه، والتعرُّف على الكون المحيط بمكوناته، والبيئة المحيطة بأحداثها، وتتفاوت القدرات العقلية قوة وضعفًا طبقًا لأنظمة التربية ومتغيرات البيئة؛ فقد تقوى حين تخترق الكون الكبير، فتتعرف على مكوناته وعلى أسرار قوانينه، ثم تسخر هذه المكونات والقوانين حسب الأهداف والحاجات التي يتوجه إليها صاحب هذه القدرات.

وقد تضعف هذه القدرات العقلية, حتى يعجز الإنسان عن فهم ما يجري في بيئته البيتية والإقليمية المحدودة، فيسخره الكون وتتقاذفه الأحداث والأهواء، وقد تنطفئ هذه القدرات حتى لا يعود الإنسان يعرف من أمره شيئًا.

والتربية بمدلولها الواسع, وبمؤسساتها المتكاملة هي المسئولة عن دراسة هذه القدرات العقلية الهائلة وتنميتها، وتشير البحوث المعاصرة إلى أن كل ما أنتجه الإنسان من حضارات وعلوم, إنما هو نتاج 10% فقط من قدرات الإنسان العقلية، وأنه إذا أتيح له أن يستعمل 50% من هذه القدرات، فسوف يستطيع المتعلم أن يتعلم أربعين لغة, وأن يدرس في فصل واحد في عشرات الكليات.

المَثَل الأعلى: يعرف بأنه نموذج الحياة المعنوية, والمادية التي يراد للإنسان المتعلم أن يحياها، وللأمة أن تعيش طبقًا لها، في ضوء علاقات كل منهما بالمنشأ والكون والإنسان, والحياة والمصير.

والمثل الأعلى يمدُّ الإنسان المتعلم بالأهداف التي يعيش من أجلها، ويمنح الأمة مبررات وجودها، وينقسم المثل الأعلى إلى ثلاثة مستويات هي:

المستوى الأعلى: وهدفه الارتقاء بالنوع الإنساني.

المستوى المتوسط: وهدفه بقاء النوع الإنساني.

المستوى الأدنى: وهدفه تلبية حاجات الجسد البشري.

ويطلق القرآن الكريم على المثل الأعلى المتضمن في آياته اسم المثَل الأعلى، وعلى ما تفرزه عقول غير المسلمين اسم “المثل السوء”، ويتوعَّدهم بالفشل والعذاب.

الخبرات المربية: هي عمل وأَثَر، ولا بُدَّ من تكامل الاثنين وحصولهما، فإذا حصل العمل ولم يترك أثرًا في نفس الإنسان وحياته لا يسمى خبرة، والأثر له مستويان: مستوى مادي، وهو ما يحدث في حياة الإنسان من تقدُّم حضاري في أدوات الحياة, مثل: خبرة نيوتن، ومستوى معنوي، وهو ما يتكوَّن لدى الإنسان من وعْي بمقاصد الحياة وغاياتها، مثل: خبرات الأنبياء والمصلحين.

5- القياس والتقويم:

القياس والتقويم: هما البحث العلمي أو الموضوعي في نتائج العملية التربوية في ضوء الأهداف التربوية المتبنّاة؛ للوقوف على درجة حصول التغييرات في السلوك والأوضاع، ثم تقييم هذه التغييرات استنادًا إلى قِيَم ممثلة في الأهداف التي تحققت.

ولقد كان التقويم في التربية الحديثة قبل القرن العشرين, لا يأخذ في اعتباره النتائج العملية للتربية؛ لأن منهاج الدراسة كان يسبغ صفة الكمال على المادة الدراسية ولا يتناولها بالتحليل، وإنما يقتصر على امتحان قدرة الطالب على استظهارها، وإذا لم يستطع الطلبة هذا الاستظهار فإن اللوم يُوَجَّه إليهم وحدهم، وتعزى أسباب الفشل إلى أشخاصهم، وأساليب دراستهم.

وفي الوقت الحاضر أخذ مفهوم التقويم يشمل كلَّ مكونات النظرية التربوية، ابتداء من الأصول التربوية، ومرورًا بالفلسفة والأهداف التربوية والمؤسسات والمناهج والأساليب، حتى ينتهي التقويم بالتقويم نفسه، وصار معيار النجاح مقدار ما تحقق من المعادلات العملية للأهداف، وليس مقدار ما استظهره الطالب من مادة دراسية.

تكامل المؤسسات التربوية والثقافية والإرشاد والإدارة والأمن:

المطلوب أن التربية والتعليم هي مسئولية جماعية, لا يمكن أن تترك لوزارة أو لهيئة واحدة، وإلا كانت هي الهيئة المختصَّة بالتربية؛ وعليه لا بد من تكامل هذه المؤسسات مع بعضها البعض.

التكامل التربوي، ودائرة التليفزيون: التليفزيون وسيلة أرشد الله الإنسان لاكتشافها؛ لتتناسب وسائل التبليغ مع العالمية التي دلفت إليها المجتمعات البشرية، وهو -أي: التليفزيون- منبر عالمي هدى الله الإنسان إليه رحمةً منهسبحانه وتعالى ولتحقيق التواصل الآمر بالخير والمعروف، والناهي عن المنكر، ونشر الإيمان بالله تعالى على مستوى الإنسانية في قرية الكرة الأرضية.

ولتحقيق هذه المهمة يحتاج العاملون في التليفزيون أن يحققوا قدرًا كبيرًا من الفاعلية؛ أي: أن يحصلوا على أفضل النتائج بأقلِّ التكاليف وأقصر الأزمان، ما دمنا في عصر السرعة والوثبات الحضارية والمعرفية، وهذا مطلب لن يتحقق إلا إذا تكامل التليفزيون مع غيره من المؤسسات التربوية، والثقافية، وغيرها.

وهذا التليفزيون يمكن أن يقوم بدور مهم جدًّا في عملية التربية وتكاملها مع مبادئ التربية، وقد اخترنا التليفزيون كأحد هذه الوسائل المهمة في عملية الإعلام، ويمكن أن يستفاد من هذا الأمر في بقية وسائل الإعلام الأخرى.

وينطلق التليفزيون من مبادئ خمسة, هي:

المبدأ الأول: أننا نعيش في عصر التليفزيون، وأن الأجيال الجديدة هي أجيال تليفزيونية، كما أن الأسر كلها تجتمع يوميًّا صغارًا وكبارًا؛ لكي تقضي على الأقل أربع أو خمس ساعات أمام جهاز التليفزيون لمشاهدة برامجه وما تسجله شرائط الفيديو، أو يأتي من الخارج عبر الأقمار الصناعية، وهم في حالة من الاسترخاء والتلقي السلبي الذي لا يناقِش ولا يجادِل.

المبدأ الثاني: أن الثقافة السائدة هي بالدرجة الأولى ثقافة تليفزيونية، يليها بقية وسائل الإعلام والاتصال، فإذا لم تنهل هذه الوسائل من المنابع الأصيلة للثقافة المتمثِّلة في العالم الجامعي، والباحث الأكاديمي، والفقيه الراسخ، والمجلة المتخصصة، والدوريات الجادة، فستظل ثقافة تليفزيونية سطحية عابثة لاهية؛ لذلك لا بُدَّ للمؤسسات المختلفة -ومنها التليفزيون نفسه- أن تقف وقفة حازمة في مواجهة ظاهرة السطحية، واللهو والعبث، وتعمل على ترشيد هذه الثقافة؛ لكي تصبح قوة دافعة إلى الأمام في إطار خطة ثقافية تربوية متكاملة، هدفها مساعدة الإنسان العربي والمسلم على اكتشاف هويته وذاته؛ ليعيش عصره بملء طاقاته وقدراته.

لذلك سيكون هذا البحث حول التكامل التربوي بين المؤسسات بشمولها وجديتها ورسوخها -رافدًا كبيرًا للأهداف, التي يعمل التليفزيون من أجلها.

المبدأ الثالث: أن القدرة التربوية التثقيفية للتليفزيون في وطننا العربي والإسلامي -ليست مشروعًا خاصًّا يملكه المستثمرون، وإنما هي مسئولية أمة ودولة تستهدف دعم الهوية الثقافية التربوية العربية والإسلامية؛ ولذلك تجيء ورقة التكامل لتوفر تكامل التليفزيون مع المؤسسات الثقافية، والتربوية، والإنمائية الأخرى.

المبدأ الرابع: مبدأ ينطلق من الأهمية الكبيرة التي توليها التربية للأطفال والناشئة, الذين سيعبرون القرن القادم -قرن العالمية وتفاعل الثقافات- ومن لا يتسلح فيه بالحقيقة والعلم فسوف يقع ضحية التردد, والإيمان في الصباح بما كفر به في المساء, والكفر في المساء بما آمن به في الصباح، كما ورد في تشخيص الكريم للرسول صلى الله عليه وسلم .

ومن هذا المبدأ نرى أن على التليفزيون أن يشارك المدارس والجامعة، والمسجد والدائرة الثقافية، وأندية الفتيات والفتيان, مهمة توجيه النشء الوجهة الصحيحة الراشدة؛ فيخصص في برامجه ثقافة مرئية للطفل العربي المسلم، ثقافة تنبع من قِيَم الإسلام والعروبة بدوائرها الراحمة السمحة, التي تتسع للإنسان أيًّا كان، ولا تغفل جانب المعاصرة، وتركز على أمور أهمها:

– تنمية شخصية الطفل، ومواهبه، وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها.

– تنمية احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية النابعة من التكريم الإلهي للإنسان.

المبدأ الخامس: أن إدارات التليفزيون يجب أن تؤمن إلى درجة اليقين, أن عدم التكامل والتخطيط مع المؤسسات العلمية، والدينية، والثقافية، والاجتماعية، والأسرية، والأمنية -يمكن أن يؤدي إلى عدد من الأخطار والمحاذير؛ فالتليفزيون غير الموجَّه الذي لا يسترشد بنظرية تربوية أصيلة, يقدم عالمًا مزيفًا لا يمتُّ إلى الواقع إلا بأوهن الصلات، فالبرامج قد تضم ألوانًا من الإثارة والانحراف في السلوك، والخروج على المألوف، والعنف والقسوة، بحيث لا تصلح هذه المشاهد أن تكون صورة للحياة الاجتماعية هنا أو هناك؛ مما قد يمدُّ الناس -خاصة الأطفال والشباب- بفهْم مشوه لطبيعة الحياة والعلاقات الاجتماعية.

كذلك قد يمدُّ التليفزيون المشاهدين بخليط ثقافي متنافر الأفكار، والمعارف السطحية واللهو العابث، الأمر الذي يحيل التليفزيون إلى منبر ضرار لا منبر تقوى، وقُل مثل ذلك عن بقية المؤسسات القائمة.

لهذا كله؛ فإن التكامل بين المؤسسات التي تحكمها نظرية تربوية تتَّصف بالأصالة والمعاصرة -أمر في غاية الضرورة، ومن أجل ذلك يجب أن يفتح التليفزيون أبوابه لجميع الكفاءات والطاقات؛ لتسهم في البرامج والندوات والنشاطات، ولتشكِّل مجتمِعةً روافدَ نافعة في نهر الحياة الكريمة التي أرادها الله للإنسان، وميَّزه بها.

هذه هي المبادئ التي ينطلق منها مفهوم الباحث للنظرية التربوية, التي تهيئ الإنسان المسلم لحمل رسالته والقيام بمسئولياته، والأمل كبير في أن يجد المسلمون في هذا البحث, وفيما كتب ما يُسترشد به في إقامة مؤسسات تربوية تؤمن بالتجدد، وتكامل الجهود، وبلوغ الأهداف.

وبعد، فقد كانت هذه خطوطًا عريضة موجزة في معنى النظرية التربوية ومكوناتها وتطبيقاتها، التي تظهر بشكل واضح أن دخول القرن القادم يتطلَّب الوعي النظري والتكامُل العمليَّ عند كافَّة المؤسسات التربوية والتنفيذية، واعتبارها جميعها مؤسسات تربوية؛ لتصبح مؤهَّلة لتلبية الحاجات ومواجهة التحديات؛ لأن الحياة في القرن القادم سوف تقوم على الأسس التالية:

– الحاجة الماسَّة إلى اعتماد العلم, والأساليب العلمية على المستويين الرسمي والشعبي، على حدٍّ سواء.

– انتهاء دور العالِم الفرد، وضرورة بروز مؤسسات المتخصصين من العلماء.

– عجْز مؤسسة العلماء المختصين المفردة, ما لم تتكامل مع بقية المؤسسات العلمية في ميادين التخصصات الأخرى.

– عدم فاعلية المؤسسات العلمية مجتمِعة, ما لم تتكامل مع المؤسسات التطبيقية في مختلف ميادين الحياة، والعكس بالعكس.

– عدم فاعلية المؤسسات العلمية، والمؤسسات التطبيقية مجتمِعة، ما لم يوجه أنشطتها نظرية تربوية واعية, تهيئ لجميع هذه المؤسسات أن تتكامل وتعمل في دائرة تتكامل فيها علوم غايات الحياة، التي توفرها العلوم الدينية والإنسانية والاجتماعية مع علوم وسائل الحياة، التي توفرها العلوم التطبيقية والتكنولوجيا. والمجتمعات التي تعجز عن بَلْوَرة هذه الأسس الخمسة, ووضْعها موضع التطبيق -سوف تظلُّ حبيسة القلق والاضطراب، أمَّا المجتمعات التي تتجاهلها وتظلُّ متخلِّفة عنها؛ فسوف تخرج من مسار التاريخ الإنساني، وتدفن في مدافنه وخرائب آثاره.

error: النص محمي !!