Top
Image Alt

تطبيقات على الدعوة الجماعية من القرآن والسنة

  /  تطبيقات على الدعوة الجماعية من القرآن والسنة

تطبيقات على الدعوة الجماعية من القرآن والسنة

تطبيقات ذلك من القرآن والسنة:

بعد ثلاث سنين من الدعوة الفردية إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة بتوجيه من الله -تبارك وتعالى- في قوله عز وجل: {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ} [المائدة: 67] وكان ما كان من الاضطهاد والتضييق، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يدعو الناس في المواسم بعكاز، ومجنة، وذي المجاز، وفي أي مكان من تجمعاتهم يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلِّغ رسالات ربه، ولهم الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره، ولا يجبيه حتى أنه ليسأل عن القبائل في مواسم الحج قبيلة قبيلة، ويقول: ((يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا آمنتم كنتم ملوكًا في الجنة))، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب، حتى أن بعضهم ليرد عليه أقبح الرد، ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، وهو يدعوهم إلى الله، ويقول: ((اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا)).

 روى ابن إسحاق وغيره عن ربيعة بن عباد قال: “إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: ((يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به))، وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه، فقلت لأبي: من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه أبو لهب”، وفي رواية: ((قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، ويقول: أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب)).

وهكذا استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في موسم الحج من كل سنة على القبائل الوافدين إلى بيت الله الحرام، يتلوا عليهم القرآن، ويعرض عليهم الإسلام، كما كان يخرج إلى القبائل العربية في الأسواق وغيرها، حتى في الطرقات لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه، وكان يقول: لا أكره أحدًا منكم على شيء من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه إنما أريد أن تحرزوني مما يُراد لي من القتل؛ حتى أبلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء فلم يقبله أحد، وما يأتي أحدًا من القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلًا يصلحنا، وقد أفسد قومه ولفظوه، وبعضهم كان يقول: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا، وننابذ العرب، ألحق بقومك فلا حاجة لنا بك. وفي رواية كان يقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي)).

ومع هذا كله، فقد استمر على هذا المنهج منذ أُمر بالجهر بالدعوة إلى أن أذن الله له بالهجرة، وذلك عشر سنين، أو إحدى عشرة سنة حتى امتلأت نفسه صلى الله عليه وسلم كمدًا وأسًى؛ لعدم قبول دعوته {لَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، {فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف: 6]، {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8].

طلائع المسلمين أو الأنصار: ولما لم يستجب للدعوة المحمدية أحد من القبائل العربية، بل ولم يمنعوه من قومه حتى يبلغ رسالة ربه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كعادته في الموسم لدعوة الناس إلى الله، ولعرض نفسه وحمايته، فساقه الله إلى نفر من الأنصار، وهم من الخزرج لما أراد الله بهم من الخير، كان قد لقيهم من قبل، فعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن؛ فصدَّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم، ثم انصرفوا إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا، وكان عددهم ستة نفر.

قال ابن إسحاق وغيره: ((فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز وعده له، خرج في الموسم الذي لقيه فيه الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم؛ فبين هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج وهم ستة نفر أراد الله بهم خيرًا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن من موالي اليهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الأنعام: 151] الآيات الثلاث، وقوله تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [النحل: 90]، وغير ذلك من الآيات، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يُُسبقنكم إليه، وأجابوه فيما دعاهم إليه، وطلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يمنعوه، فقالوا: إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، وسنعرض الأمر على عشائرنا))، وموعدك الموسم القادم، فلما قدموا المدينة دعوا أقوامهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا لهم ما طلبه النبي صلى الله عليه وسلم من المنع.

بيعة العقبة الأولى:

حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا عشرة من الخزرج، واثنان من الأوس، وعلى رأسهم أسعد بن زرارة، فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فبايعوه على نحو بيعة النساء، وذلك قبل أن تُفترض عليهم الحرب، قال ابن كثير: “والمقصود أن هؤلاء الاثنا عشر -الإثنا عشر رجلًا- شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقوه بالعقبة، فبايعوه عندها بيعة النساء، وهي العقبة الأولى”.

نص البيعة:

روى ابن إسحاق بسنده عن طريق الصنباحي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: “كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنا عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قد قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم؛ فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر”.

وقد روى هذا الحديث الإمام البخاري بعدة ألفاظ من طريق أبي إدريس الخولاني وغيره، في عدة مواضع، أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه من الذين شهدوا بدرًا، ومن أصحاب ليلة العقبة، ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا)) الحديث.

وفيه ((فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له))، ومن طريق أبي الأشعث: ((أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئًا))، وقد عقد البخاري بابًا مستقلًّا سمَّاه باب بيعة النساء، رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر تحته حديث عبادة وغيره، ورواه الإمام أحمد في مسنده.

وأما الأنصار التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ثلاث مرات: الأولى ستة، والثانية اثنا عشر، والثالثة سبعون، وقد استنبط صاحب التفسير السياسي للسيرة من نص البيعة الأولى ثلاثة أمور:

الأول: الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد، ونبذ ما سواه.

الثاني: الدعوة إلى الاستقامة في السلوك.

الثالث: الدعوة إلى الأخذ بالحق المتدفق على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن وسنة.

ومدار الإسلام على هذه الأمور الثلاثة، وقال الإمام أبو زهرة: “ونرى أن هذه المبايعة كانت لبيان بعض التكليفات الإسلامية التي لا اختلاف فيها، وما كانت للإيواء والنصرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد قرر الهجرة إليهم، ولم يكن قد جاءه الأمر بذلك أو الإيحاء به، ولأنه لا يأخذ تعهُّد النصرة قبل عهد الإيمان، وما كانت هذه التسمية فيما نحسب في وقت البيعة إنما كانت لمشابهتها لما في آية مبايعة النساء في الممتحنة: {يَأَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىَ أَن لاّ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنّ وَأَرْجُلِهِنّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنّ} [الممتحنة: 12]”.

هذا وقد أطال الحافظ في الكلام على حديث عبادة حسبما أشرنا بما فيه الكفاية، والذي يهمنا الأمور الثلاثة المأخوذة منه هي أهم معالم المجتمع الإسلامي الذي بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنشائه، وليست مهمته أن يلقن الناس كلمة الشهادة، ثم يتركهم يرددونها بأفواههم، وهم عاكفون على انحرافاتهم، وبغيهم، ومفاسدهم.

صحيح أن الإنسان يصدق عليه اسم المسلم إذا صدَّق بالشهادتين، وأحل الحلال وحرم الحرام، وصدق بالفرائض؛ لأن ذلك هو المفتاح والوسيلة لإقامة المجتمع الإسلامي، وتحقيق نُظمه ومبادئه، وجعل الحاكمية لله تعالى وحده في كل الأمور؛ فحينما وُجد الإيمان بالله وحده وبرسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتبعه الإيمان بحاكمية الله تعالى، وضرورة اتباع شريعته ودستوره.

 إرسال البعوث إلى طيبة: لما بايع رجال العقبة الأولى من الأوس والخزرج، وانصرفوا راجعين إلى بلادهم لم يكتفِ الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، وأخذ البيعة منهم، بل بعث داعية أو أكثر ليفقه من أسلم في الدين، وليدعوا من لم يسلم إلى الإسلام، فمن هو ذا الداعية أو الدعاة الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طيبة الطيبة؛ كي تتوسع رقعة الإسلام، قيل مصعب بن عمير، وقيل ابن أم مكتوم، وقيل أرسلهما معًا.

ولكل فريق دليله، وقد كثر الخلاف في كتب السيرة وغيرها حول هذا، والمشهور أن الداعية المبعوث إلى طيبة هو مصعب بن عمير؛ لأنه أسلم على يده رئيس الخزرج سعد بن عبادة وأسيد بن حضير، وجميع بني عبد الأشهل وغيرهم، مصعب هو أحد خريجي مدرسة دار الأرقم، المدرسة الجامعة الأولى التي كان مديرها ومعلمها صاحب الرسالة الخاتمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، وكان يصلي بهم؛ لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض.

من نتائج دعوة مصعب:

نجح مصعب أيما نجاح في نشر الإسلام، وجمع الناس عليه، وساعده على ذلك أسعد بن زرارة أحد رجال العقبة الأولى؛ حيث نزل عنده، وقد استطاع أن يتخطى الصعاب التي توجد دائمًا في طريق الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ حتى أنه كان ليأتيه رئيس القبيلة، وحربته في يده يريد قتله، فيخاطبه بأسلوبه الهادئ الحكيم، أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، فيقعد فيسمع منه فيرجع إلى أصحابه، وقد أسلم، فيدعو قومه إلى الإسلام، وإن أبو فكلاهم عليه حرام حتى يؤمنوا بالله ورسوله.

وهذا ما فعله سيد الخزرج سعد بن عبادة؛ فانتشر الإسلام في المدينة حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا القليل.

فلا تحسبن مصعب كأولئك المرتزقة من المبشرين الذين دسهم الاستعمار الغربي بين يدي زحفه على الشرق، فترى الواحد منهم يقع تحت سرير مريض، فيقول له: هذه القارورة تقدمها لك العذراء، وهذا الرغيف يهديه إليك المسيح، وربما فتح مدرسة ظاهرها الثقافة المجردة، أو ملجأ ظاهره البر الخالص، ثم لوَّى زمام الناشئة من حيث لا يدرون، ومال بهم حيث يريد.

هذا ضرب من التلصص الروحي، يتوارى تحت اسم الدعوة إلى الدين، والذين يمثلون هذه المشاعر يجدون الجرأة على عملهم من الدول التي تبعث بهم، فإذا رأيت إصرارهم ومغامراتهم، فلا تنسَ القوى التي تُساند ظهورهم في البر والبحر والجو.

أما مصعب فكان من ورائه نبي مضطهد، ورسالة معتبرة ضد القانون السائد، وما كان يملك من وسائل الإغراء ما يطمع طلاب الدنيا ونهَّازي الفرص، كل ما لديه ثروة من الكياسة والذكاء قبسها من معلم الدعوة الإسلامية، وحامل لوائها محمد صلى الله عليه وسلم، وإخلاص لله جعله يضحي بماله، وحياته، وجاهه في سبيل عقيدته، والدعوة إليها، ثم هذا القرآن الذي يتأنق في تلاوته، ويتخير من روائعه ما يغزو به الألباب، فإذا الأفئدة ترق له، وتتفتح لهذه الدعوة الخالدة.

error: النص محمي !!