Top
Image Alt

تطليق القاضي غير المسلم المرأة المسلمة في بلاد الغرب

  /  تطليق القاضي غير المسلم المرأة المسلمة في بلاد الغرب

تطليق القاضي غير المسلم المرأة المسلمة في بلاد الغرب

تحت عنوان “تطليق القاضي غير المسلم المرأة المسلمة” قال الشيخ عبد الله بن بيه: إن هذه المسألة في كتب الفروع محسومة، فغير المسلم ليس أهلًا للحكم في شئون المسلمين، لا قاضيًا ولا حكمًا؛ لقوله تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141].

وهذه الآية وردت بصورة الخبر ويُراد به الأمر -كما يقول الشاطبي- وسلب أهلية القضاء والحكم عن غير المسلم أمرٌ لا خلاف فيه فيما أعلم، ومع ذلك فإن أوضاع المسلمين في ديار غير المسلمين -حيث لا يُسمح بإنشاء محاكم إسلامية يتحاكم المسلمون أمامها، وتخضع منازعتهم بالكلية لقوانين قضاة البلد الذي يقيمون فيه- تجعل حالهم -حال المسلمين في بلاد الغرب- مندرجًا ضمن الضروريات التي لها أحكمها، والتي تتخذ من المصالح معيارًا للحكم، والإمكان والاستطاعة أساسًا للتكليف؛ لقوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16].

ولهذا رأى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء أن أحكام المحاكم غير المسلمة تَنفذ بالطلاق؛ لما يترتب على عدم تنفيذ هذا الحكم من وجود حالة من التعليق، فيكون الرجل متمسكًا بعصمة زوجته وتكون المرأة فيها مُرسلة خارج بيت الزوجية، مستندة إلى الحكم الصادر من المحكمة، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى؛ فلا هما زوجان ولا هما مفترقان، حيث إن الزوج صدر الحكم بتفريقه، والزوجة بناء على هذا الحكم تركت بيت الزوجية والعلاقة، والرجل لأنه مسلم ما زال متمسكًا بعصمة زوجته، فكيف يكون الأمر؟ هذه حالة من التعليق؛ ولذلك قال الشيخ ابن بيه: إن المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء جعل في حيثيات القرار، الذي استند إلى تقرير فضيلة الشيخ الفقيه فيصل مولوي؛ أن الزوج بعقده للنكاح في ظل قوانين هذا البلد التي تسمح للقاضي غير المسلم بإيقاع الطلاق، كأنه -كأن المسلم الذي عقد في تلك البلاد- وكَّل القاضي غير المسلم بحل العصمة بدلًا منه، وهي وكالة ممتدة طيلة بقاء النكاح بين الزوجين.

يقول الشيخ ابن بيه: وفي هذا التخريج من البعد ما لا يخفى، فالأهم والأعم -كما يقول العلماء- لا إشعار له بأخص معين، فعقد النكاح في تلك البلاد قد يكون صاحبه جاهلًا وغافلًا عن مسألة الطلاق، فمن أين يكون التوكيل؟ فضلًا عن أن يكون عاقدًا توكيلًا، فكلما احتاج إلى إذن فإنه يحتاج إلى صريحه؛ أي: يكون الإذن صريحًا أثناء عقد الزواج بتوكيل القاضي غير المسلم في التفريق بين الزوجين، كما تقول القاعدة أخذًا من الحديث: ((الثيب تُعرب)) أي: تقول صراحة: إنها توافق على الزواج من هذا الشخص أو ذاك، أو ترفض الزواج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البكر تُستأذن وإذنها صماتها، والثيب تُستأمر)) أو كما قال: ((لا تزوج البكر حتى تُستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر)) وفي هذا النص ((الثيب تعرب)).

 يقول الشيخ ابن بيه: ومع ما تقدم فإن القول بإنفاذ الطلاق لا يبعد -أي: هو أولى من التعليق؛ أن يكون الزوجان في حالة تعليق لا القول بإنفاذ الطلاق- وذلك بإيجاب طلاق الزوجة على الزوج، وعلى جماعة المسلمين هناك أن يحكموا بهذا الطلاق -أي: بعد حكم القاضي غير المسلم يحكم جماعة المسلمين بالمركز الإسلامي الموجود هناك أو السفارة الإسلامية الموجودة بإقرار هذا الطلاق وهذا التفريق وتحكم به- حتى لا تظل الزوجة على معصية، كما قدمنا عن المالكية في الزوجة الناشز؛ درءًا للمفسدة، وتوسيعًا لمفهوم إنفاذ أحكام قضاة الجور المسلمين المولين من طرف الكفار ليشمل هذا المفهوم الواسع؛ أي: كما يعين الحكام قضاة ظالمين أو كما يعين الكفار على بلاد المسلمين قضاة من الظالمين فإن ذلك يشمل القضاة الكفار؛ درءًا للمفسدة التي أشار إليها العز بن عبد السلام.

وقال القرافي في (الذخيرة): إن لم يوجد في جهة ما إلا غير العدول؛ أُقيم أصلحهم وأقلهم فجورًا للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم لكيلا تضيع المصالح، قال: وما أظن أنه يخالف أحد في هذا، فإن التكليف مشروط بالإمكان، وهذا هو الممكن وهذا أقصى ما يمكن، مع قوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وذلك على كل الأحوال أولى من بقاء الحالة المعلقة بين الزوجين، فلا هما زوجان ولا هما مطلقان، والمرأة تركت بيت الزوجية وربما أقامت علاقة مع غير هذا الزوج.

إذًا: لا بد من إنفاذ حكم القاضي غير المسلم بالتفريق بين الزوجين المسلمين في بلاد الغرب، وعلى جماعة المسلمين الموجودين هناك أو المركز الإسلامي أن يصدروا حكمًا بإنفاذ ذلك، ما دام هذا في الإمكان.

وقال ابن عابدين: “إن القاضي في دار الحرب يكون قاضيًا بالتراضي بين المسلمين…، وعلى المسلمين أن يطلبوا منهم -من غير المسلمين- أن يعينوا لهم قاضيًا”، أي: المسلمون المتواجدون عليهم أن يطلبوا من الجهات الحاكمة غير المسلمة أن يعينوا لهم قاضيًا مسلمًا.

ومن هذا يتبين أن أوضاع المسلمين في ديار غير المسلمين، أوضاع ضرورة بالمعنى العام لهذه الكلمة؛ مما يقتضي اجتهادًا فقهيًّا بمعنًى من معاني الاجتهاد الثلاثة المشار إليها، وهو اجتهاد يستنفر النصوص والمقاصد والفروع والقواعد، وقد رشحنا جملة من القواعد من خلالها يتعامل الفقيه مع قضايا فقه الأقليات -أي: المسلمين في بلاد الغرب- وهي قواعد أساسها التيسير ورفع الحرج، ولكن بضوابطه وشروطه، وركزنا على ألصق هذه القواعد بموضوع النازلة وهي قاعدة إقامة جماعة المسلمين مقام القاضي المسلم، باعتباره مستند تخويل المراكز الإسلامية صلاحية البت في قضايا التنازع بين الزوجين؛ وبخاصة في دعوى الضرر وإيقاع الطلاق والخلع، وواصلنا حديثنا بكلمة عن أحكام التطليق والتفريق الصادر من قضاة غير المسلمين، حيث اعتبرناها غير شرعية تُصحح بأثر رجعي من طرف جماعة المسلمين؛ تجنبًا للحرج الديني وابتعادًا عن المفاسد بحسب الإمكان.

ولما تقدم فإنه يجوز للمراكز الإسلامية، وما في حكمها مما يعتبر مرجعًا لجماعة المسلمين -كالمعهد الإسلامي مثلًا أو سفارة بلد إسلامية- أن تقرر تطليق المرأة التي قد صدر لها حكم من محكمة غير إسلامية، أو لم يصدر لها حكم، ورفع الزوجين أمرهما إلى هذه الجماعة، إلا أن على جماعة المسلمين في كل الأحوال أن تراجع كل حالة لإثبات المقتضي وعدم المانع شرعًا، وأن تحاول الصلح ما وجدت إليه سبيلًا، وأن تستعين ببعض الفقهاء ما أمكن، وأن تسأل العلماء حتى تطمئن إلى سلامة إجراءاتها.

 من هذا نعلم أن تفريق القاضي غير المسلم بين زوجين مسلمين، أو بين الزوج المسلم والزوجة الكتابية يخضع لحكم الضرورة، ويجوز من هذا الباب فقط في بلاد الغرب أو غيرها ممن بها أقليات إسلامية، وحتى يتم اعتماده إسلاميًّا يجب أن تقره جماعة المسلمين هناك في الغرب أو الشرق، وهذه الجماعة يُعبر عنها ويقوم مقامها المراكز الإسلامية والمجالس العلمية والمجامع الفقهية والبعثات الدبلوماسية؛ حتى يكون الحكم النهائي صادرًا من جهة إسلامية.

ولا تستطيع هذه الجهة أن تقوم مبدئيًّا بإصدار الأحكام؛ لأنها ليست جهة رسمية من قِبَلِ السلطات المحلية، ولا يعتد بحكمها فكان لا بد من الحكم من جهة معتبرة محليًّا وهي القضاء غير المسلم، ولما كان هذا غير شرعي كان التأكيد له في الجهات الإسلامية؛ المراكز والمجالس والمجامع والبعثات الدبلوماسية.

error: النص محمي !!