Top
Image Alt

تعارض المصالح وميزان تفاوتها في الأهمية

  /  تعارض المصالح وميزان تفاوتها في الأهمية

تعارض المصالح وميزان تفاوتها في الأهمية

من المعلوم أن المقصد الأسمى والغاية العظمى من الشرع الإسلامي هو: المصلحة الإنسانية العالية، وأن ذلك هو مقتضى الرحمة التي من أجلها بعث الله تعالى الرسل جميعًا، وقد اتفق على ذلك جميع العلماء الذين أدركوا مقاصد الشريعة، وكل نصوص الشريعة جاءت لتحقيق هذه الغاية السامية، فما من نصٍّ شرعي إلا وقد تحققت فيه المصلحة، وإن غابت عن بعض الأذهان، ولا تغيب هذه المصلحة إلا عندما يختلط معنى المصلحة بالهوى والشهوة. ومن المعلوم أيضًا أن المصالح كلها ليست في درجة واحدة، بل في درجات مختلفة، فمنها الراجح ومنها المرجوح، وقد لا يظهر الرجحان، كما أن المفاسد كلها ليست في درجة واحدة بل متفاوتة، وقد لا يظهر التفاوت. يقول العز بن عبد السلام -رحمه الله: “وتقديم المصالح الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، ودرء المفاسد الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك، وكذلك الشرائع فإن تساوت الرتب تخير، وإن تفاوتت الرتب استعمل الترجيح عند عرفانه والتوقف عند الجهل به. ويؤيد هذا ما جاء في كتاب (مفتاح السعادة) لابن القيم حيث قال: “إذا تأمَّلت شرائع دين الله التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة، وإن تزاحمت قدم أهمهما وأجلها، وإن فات أدناها كما لا تخرج عن تعطيل المفاسد الخالصة، والراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت عطل أعظمها فسادًا بتحمل أدناها، وعلى هذا وضع الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه، وحكمته ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة، وارتضاع من ثديها، وورود من صفو حوضها” وإذا كانت المصالح متفاوتة والمفاسد كذلك، فلا بد من ميزان لذلك؛ لأن العقول وحدها ليست كافية في الموازنة بين مصلحة وأخرى؛ لأننا قدمنا أنها ليست لها صلاحية الاستقلال بإدراك المصالح بعيدًا عن وصاية الشرع، فالعقول لا تستقل بإدراك المصالح، فلا بد من الاحتياج إلى الشريعة الإسلامية؛ لتبين أن هذا مصلحة فتفعل، وتبين أن هذا مفسدة فتجتنب. 1. ميزان تفاوت المصالح في الأهمية: ولهذا الميزان ثلاثة جوانب: الأول: النظر في المصلحة من حيث ذاتها وقيمتها وترتيبها. الثاني: النظر إليها من حيث مقدار شمولها وخصوصها. الثالث: النظر إليها من حيث تأكد حصولها وعدمه، فإذا تعارضت مصلحتان في مناط واحد، بحيث كان لا بد لنيل إحداهما من تفويت الأخرى؛ وجب عرضها على النظر من جوانب ثلاث؛ من حيث اعتبار ذاتها، وقيمتها، ومرتبتها؛ ومن حيث كونها ضرورية أو حاجية أو تحسينية؛ ومن حيث اعتبار شمولها وخصوصها؛ ومن حيث التأكد من حصولها وعدمه. أما باعتبار الجانب الأول، فإننا إذا نظرنا في اختلاف قيم المصالح من حيث ذاتها، وجدنا أن كليات المصالح المعتبرة شرعًا متدرجة حسب الأهمية في خمس مراتب، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فما به يكون حفظ الدين مقدم على ما يكون به حفظ النفس عند تعارضهما، وما به يكون حفظ النفس مقدم على ما به يكون حفظ العقل، وما به يكون حفظ العقل مقدم على ما به يكون حفظ النسل، وما به يكون حفظ النسل مقدم على ما به حفظ المال، والترتيب بهذا الشكل بين هذه الكليات يحظى باتفاق أغلب العلماء. ثم إن رعاية كل من هذه الكليات يكون بوسائل متدرجة حسب الأهمية في ثلاث مراتب، وهي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فالضروري مقدم على الحاجي، والحاجي مقدم على التحسيني. وقد قال الغزالي -رحمه الله: “وتتفاوت هذه المراتب بتفاوت مصالحها في الظهور، فأعلاها ما يقع في مرتبة الضرورات”. هذا إذا كانت المصلحتان في رتب مختلفة فهذا طريق الترجيح، أما إذا كانت المصلحتان المتعارضتان في رتبة واحدة، كما لو كان كلاهما من الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، فينظر فيهما، فإن كان كل منهما متعلق بكلي على حدة، جعل التفاوت بينهما على حسب تفاوت متعلقاتها، فيقدم الضروري المتعلق بحفظ الدين على الضروري المتعلق بحفظ النفس، وهكذا. أما إذا كانت المصلحتان المتعارضتان متعلقتين بكلي واحد، كالدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، ففي هذه الحالة على المجتهد أن ينتقل إلى الجانب الثاني للميزان، وهو جانب النظر إليها من حيث مقدار شمولها، ويقدم أعم المصلحتين شمولًا على أضيقهما وأخصهما في ذلك، فمصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، ومصلحة الأمة مقدمة على مصلحة طائفة معينة منها؛ لأن الأخصّ داخل في الأعم، ومع النظر إلى جانب الشمول، فلا بد من النظر إلى الجانب الثالث: وهو النظر في مدى توقع حصولها في الخارج؛ ذلك لأن الفعل إنما يتصف بكونه مصلحة أو مفسدة حسب ما ينتج عنه في الخارج من آثار، وهذه الآثار قد تكون مقطوعًا بها أو مظنونة أو موهومة التعسف في استعمال الحق أو المضرة في الحقوق. 2. التعسف في استعمال الحق: كلُّ حقٍّ في الإسلام مصدره شريعة الله، وإلا لم يكن حقًا مشروعًا يستحق الحماية من الشريعة الإسلامية، وهذه الحقوق قد وضعت الشريعة لها الطرق لاستعمالها، فإذا خالف صاحب الحقِّ تلك الطرق ظاهرًا أو باطنًا، لا يفلت من حساب الله وعقابه في الدنيا والآخرة، فلا بد إذن من اتباع إذن الشرع في نيل الحقوق أو استعمالها، وهذا الاستعمال قد يتولَّد منه ضرر للغير مقصود أو غير مقصود، وهذا الغير قد يكون جماعة أو فردًا، ووقوع الضرر قد يكون يقينًا أو غيره، واستعمال الحق له أحوال عديدة بهذه الاعتبارات. وملخص هذه الأحوال في خمسة أحوال على ما ذكره الإمام الشاطبي في موافقاته، مع أمثلة كل حالة: الحالة الأولى: أن جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونًا فيه، ولا يلزم عنه إضرار الغير؛ فهذا باقٍ على أصله من الإذن، ولا إشكال فيه. الحالة الثانية: أن يقصد الجالب لمصلحة أو الدافع لمفسدة الإضرار بالغير؛ كالمرخص في سلعته قصدًا لطلب معاشه، وصاحب ذلك قصدُ الإضرار بالغير، فهذا لا إشكال فيه أيضًا من حيث منع القصد إلى الإضرار؛ لثبوت الدليل على أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولكن يبقى النظر في هذا العمل الذي اجتمع فيه النفع النفسي وقصد إضرار الغير، هل يُمنع منه فيصير غير مأذون فيه بهذا الوصف، أو يبقى على حُكمه الأصلي من الإثم ويكون عليه إثم؟ هذا مما يتصور فيه الخلاف على الجملة، ويمكن تفصيله كالآتي: إما أن يكون لذلك العمل وجهٌ آخر يمكن تحصيله عن طريقه من غير إضرار، كمن له نوافذ عديدة توصل إلى الهواء، لكنه جنح إلى فتح نافذة معينة، فيها كشف لعورات جاره، فلا إشكال في منعه منه؛ لأنه قصد الإضرار، وإن لم يكن لم يمحص عن تلك الجهة التي يستضر بها الغير ففي هذه الحالة حق الجالب أو الدافع مقدم، ولا يقال في هذا تكليف له بما يطاق؛ لأنه إنما كلف بنفي نية الإضرار، وهذا داخل تحت الكسب لا ينفي الإضرار بعينه. الحالة الثالثة: ألا يقصد إضرارًا بأحد لكن يكون الإضرار عامًّا، وشاملًا، ففي هذه الحالة لا يخلو أن يلزم من منعه من حقه الإضرار به بحيث لا ينجبر أو لا، فإنه لزم الإضرار به من غير انجبارٍ قدم حقّه على الإطلاق إذا كان الضرر يلحقه وحده، أما إذا كان الضرر يحلقه وغيره من أفراد الأمة كما في مسألة الترس التي فرضها الأصوليون، فاعتبار الضرر العام أولى، فيمنع الجالب والدافع مما هم به؛ لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة. وتقدَّم أن من جوانب ميزان التفاوت في المصالح شمول المصالحة، وبذلك ترجح؛ ولذلك اتفق السلف والخلف على ترجيح المصلحة العامة على الخاصة كالانتفاع العام بالكلأ أو الماء الواقعين في أرض غير مملوكة على احتياز الفرد لهم. الحالة الرابعة: ألا يقصد إضرارًا بأحد، ولكن سيقع الضرر لغيره من آحاد الناس من غير قصده، ويلحق الجالب أو الدافع بمنعه من ذلك ضرر، فهو محتاج إلى فعله؛ كالدافع عن نفسه مظلمة يعلم أنها ستقع بغيره، ففي هذه الحالة إما أن ننظر إلى ذلك من جهة إثبات الحظوظ، وإما أن ننظر إليه من جهة إسقاطها بالمساواة أو بالإيثار. فإذا نظرنا إلى ذلك من جهة الحظوظ، فإن حق الجالب أو الدافع مقدم وإن استضر به غيره؛ لأن جلب المنفعة أو دفع المضرة مطلوب للشارع؛ ولذلك أُبيحت الميتة وغيرها من محرمات الأكل، وأبيح الدرهم بالدرهم إلى أجل للحاجة الماسة للمقرض، وغير ذلك مما يدل على قصد الشارع، ومن هذا جواز الرشوة لدفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك. الحالة الخامسة: ألا يلحق الجالب لمصلحة أو الدافع لمفسدة ضرر، ولكن في هذه الحالة يتفاوت من التأكد على حصول المفسدة، وذلك لأن حصولها إما أن يكون قطعيًّا، وإما أن يكون نادرًا، وإما أن يكون كثيرًا، والكثير إما أن يكون غالبًا أو لا، فإن كان قطعيًّا في العادة، كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام؛ بحيث يقع الداخل فيه دون شك، فهذا يلزم أن يكون ممنوعًا من ذلك الفعل، ويعد متعديًا بفعله، ويضمن ضمان المتعدي على الجملة، وينظر في الضمان بحسب النفوس والأموال على ما يليق بكل نازلة، وإن كان نادرًا كحفر بئر بموضع لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه، فهذا يعتبر على أصله من الإثم؛ لأن المصلحة إذا كانت غالبة فلا اعتبار بالندور وانخرامها. ولا يعدّ هنا قصد القاصد إلى جلب المصلحة أو دفع مفسدة مع معرفته بندور المضرة عن ذلك تقصيرًا في النظر، ولا قصدًا إلى وقوع الضرر، فالعمل إذن على أصل المشروعية، ومما يؤيد ذلك أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها، كالقضاء بالشهادة في الدماء والأموال والفروج مع إمكان الكذب والوهم والغلط، ولكن ذلك نادر فلم يعتبر، واعتبرت المصلحة العامة الغالبة، وإن كان أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا نادرًا، وهو إما أن يكون غالبًا كبيع السلاح في وقت الفتن، فهذا أداؤه إلى المفسدة الظنية، فيحتمل الخلاف، وقد يرجع الظن بوجوه؛ لأن الظن في أبواب العمليات جارٍ مجرى العلم، فهنا يرجح الظن؛ ولأن المنصوص عليه من سدّ الذرائع داخل في هذا النوع، كقوله تعالى: {وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، والحاصل من هذا أن الظن بالمفسدة والضرر لا يقوم مقام القصد إليه، فالأصل الجواز من الجلب أو الدفع، وقطع النظر عن اللوازم الخارجية إلا أنه لما كان المصلحة تسبب مفسدة من باب الحيل، ومن باب التعاون على الإثم والعدوان منع من هذه الجهة لا من جهة الأصل. وأما إن كان أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا ولا نادرًا، كمسائل بيوع الآجال فهذا في موضع نظر، والتباس، والأصل فيه الحمل على الأصل من صحة الإثم؛ لأن العلم والظن بوقوع المفسدة متفقان؛ إذ ليس هنا إلا احتمال مجرد بين الوقوع وعدمه، ولا قرينة ترجح أحد الجانبين على الآخر. فإذا تبيَّن لنا مما تقدم تفاوت المصالح وتعارضها، فإن المصالح تندرج في مراتب من الأهمية الذاتية، متمثلة في مراتب الكليات الخمس، وفي الوسائل الثلاث لإحرازها، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات. ثم تندرج بعد ذلك حسب درجة شمولها وسعة فائدتها، ومدى تحقق حصولها وعدمه، فعلى هذا الترتيب يجري تصنيفها عند التعارض، ويرجح البعض منها على الآخر، وإذا استعمل الإنسان حقه بدون احتراس وتثبت فيما يمكن فيه الاحتراس والتثبت، فيفضي إلى الإضرار بالغير، وذلك كما في صور الخطأ، فإن أصل الفعل مباح، وصاحبه لم يقصد به ضرر الغير، ولكنه لم يحترس فإنه يضمن ما أتلفه، ومحل الضمان إن أمكن الاحتراس عنه عادة، وإلا فلا ضمان.

error: النص محمي !!