Top
Image Alt

تعدد المتنازع والمتنازع فيه، وما يمتنع فيه التنازع

  /  تعدد المتنازع والمتنازع فيه، وما يمتنع فيه التنازع

تعدد المتنازع والمتنازع فيه، وما يمتنع فيه التنازع

1.تعدد المتنازِع والمتنازَع فيه:

أصل التنازع أن يكون بين عاملين في معمولٍ واحدٍ، وقد تتنازع ثلاثة، وقد يكون المتنازع فيه متعددًا، وفي الحديث: «تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين»، تنازع فيه ثلاثة، وهي: “تسبحون، وتكبرون، وتحمدون”، والمتنازع فيه اثنان: الظرف وهو “دبر كل صلاة”، ونائب المصدر وهو “ثلاثًا”، فأعمل الأخير لقربه، فنصبت “دبر” على الظرفية و”ثلاثًا” على المفعولية المطلقة؛ لنيابته عن المصدر، وأعمل الأولَيْن في ضميرهما، وحذفا لأنهما فضلتان، والأصل: “تسبحون الله فيه إياه، وتكبرون الله فيه إياه”. وما ذكر من جواز إعمال الأول والثاني والثالث حكى بعضهم فيه الإجماع.

وقال ابن خروف في (شرح كتاب سيبويه): استقرأت كلام العرب، فوجدت إعمال الثالث وإلغاء ما عداه. قال ابن مالك: وهو كما قال.

واعترض بأنه سمع من كلامهم إعمال الأول من الثلاثة، كقول أبي الأسود:

كساك ولم تستكسه فاشكرن له

*أخ لك يعطيك الجزيل وناصر

 قال المرادي: فدل على أن استقراء ابن خروف غير تام.

هذا، ولا يحفظ من كلامهم إعمال الثاني.

2. ما يمتنع فيه التنازع:

أ. أن التنازع لا يقع بين حرفين:

قد عُلم مما ذكر في حقيقة التنازع -من أن المتنازعين لا بد أن يكونا فعلين أو اسمين أو مختلفي الاسمية والفعلية- أن التنازع لا يقع بين حرفين؛ لأن الحروف لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات.

وأجاز ابن العلجي التنازع بين الحرفين، مستدلًّا بقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} [البقرة: 279]، فقال: تنازع “إن” و”لم” في “تفعلوا”. ورُدّ عليه بأن “إن” تطلب مثبتًا و”لم” تطلب منفيًّا، وشرط التنازع الاتحاد في المعنى، وبذلك نصل إلى أن التنازع لا يقع بين حرفين.

ولا يقع التنازع بين حرف وغيره من فعل واسم، ومَنْ أجاز التنازع بين حرفين أجازه بين الحرف وغيره، كما نقل ابن عمرون عن بعضهم أنه جوَّز تنازع “لعل” و”عسى” نحو: “لعل وعسى زيد أن يخرج” على إعمال الثاني، و”لعل وعسى زيدًا خارج” على إعمال الأول، ورُد بأن منصوب “عسى” لا يُحذف.

ولي على هذا الرد أن الشائع على ألسنة العامة أن يقولوا: “لعل وعسى” هكذا، وأظن أن هذه الكلمة، أو هذا التركيب على ألسنة العامة لم يأتِ من فراغ، وإنما هو بقية من لغة، يقولون: “لعل وعسى”، ويكتفون بهذا التركيب بدون ذكر متعلق لهما.

وعلم من تقييد العاملين بالتصرف، أنه لا يقع التنازع بين عاملين جامدين، فعلين أو اسمين أو مختلفين؛ لأن التنازع يقع فيه الفصل بين العامل ومعموله، والجامد لا يفصل بينه وبين معموله. هذا، ولا يقع التنازع بين جامد وغيره من فعل أو اسم متصرف.

ب. مجيء المتنازع فيه مؤخرًا:

علم من تقييد المعمول بالتأخير أنه لا يقع التنازع في معمول متقدم، نحو: “أيهم ضربت وأكرمت أو شتمته”؛ لأن الثاني لم يأتِ إلا بعد أن أخذ الأول معموله المتقدم عليه.

وكما لا يقع التنازع في متقدم، لا يقع التنازع في معمول متوسط نحو: “ضربت زيدًا وأكرمته”؛ لأن الأول استقل به قبل مجيء الثاني.

ج. طلب العاملَيْن المتنازعَ فيه من جهة المعنى:

علم من اشتراط كون المعمول مطلوبًا لكل من العاملين من حيث المعنى، أن التنازع لا يقع في نحو قول جرير:

فهيهات هيهات العقيق ومن به


*وهيهات خل بالعقيق نواصله

وذلك خلافًا للفارسي وللجرجاني، وقد أجازا التنازع في البيت. والذي يمنع من القول بالتنازع أن الطالب للمعمول -وهو “العقيق”- إنما هو “هيهات” الأول، وأما “هيهات” الثاني فلم يؤت به للإسناد إلى “العقيق”، بل لمجرد التقوية والتوكيد لـ”هيهات” الأول، فلا فاعل له أصلًا.

ولهذا قال الشاعر:

فأين إلى أين النجاة ببغلتي؟

*أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس

فـ”اللاحقون” فاعل “أتاك” الأول، أما “أتاك” الثاني فجاء لمجرد التقوية والتوكيد فلا فاعل له، فلا يكون من التنازع، ولو كان من التنازع لقال: “أتاك أتوك” على إعمال الأول، أو “أتوك أتاك” على إعمال الثاني، وليس بمتعيّن لجواز أن يضمر مفردًا في المهمل منهما، ويستتر كما حكى سيبويه: “ضربني وضربت قومك” بالنصب، فاستتر ضمير الفاعل في الفعل الأول؛ لأن “قومك” منصوب بالفعل الثاني، و”ضربني” الياء مفعول والفاعل محذوف، فلا مانع من العمل من غير إظهار الضمير، يعني: العمل مع القول بحذف الفعل قياسًا على ما حكاه سيبويه، فيكون “أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس” من التنازع على ذلك.

وقيل: المرفوع في البيتين -وهو “العقيق” في البيت الأول و”اللاحقون” في البيت الثاني- فاعل بالعاملين؛ لأنهما بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ، فكأنهما عامل واحد.

فهذه ثلاثة أقوال أصحها عند ابن مالك، ما ذكره الموضح من أن البيتين من باب التوكيد، وليسا من باب التنازع.

وعلم من تقييد المعمول بكونه غير سببي مرفوع، أنه لا تنازع في نحو قول كُثَيّر عزة:

قضي كل ذي دين فوفى غريمه

*وعزة ممطول مُعَنَّى غريمها

لأنه لو قصد فيه التنازع، لأسند أحدهما إلى السببية، والآخر إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ الذي هو “عزة”؛ لأنه لم يرفع ضميره، ولا ما التبس بضميره. قاله المرادي تبعًا لابن مالك في (شرح التسهيل).

فـ”عزة” في البيت مبتدأ، والخبر “ممطول معنًّى غريمها”، ولا يصح القول بالتنازع في البيت؛ لأننا لو ذهبنا إلى أن “غريمها” مرفوع بـ”معنًّى”؛ لترتب على ذلك أن “ممطول” رافع لضمير مستتر هو “غريم”، وهذا الضمير المستتر ليس فيه ضمير المبتدأ، فلم يتصل الخبر بالمبتدأ.

د. حكم المتنازع فيه إذا كان سببيًّا، أو اسمًا مرفوعًا واقعًا بعد “إلا”:

علم من تقييد السببي بالمرفوع، أنه لا يمتنع التنازع في السببي المنصوب نحو: “زيد ضرب وأكرم أخاه”؛ لأن السببي -وهو “أخاه”- منصوب بأحد العاملين، والرابط موجود بالضمير المستتر، أو بالمضاف إليه السببي.

ومنع الشاطبي التنازع في السببي المنصوب، وعلله بأنك إن أعملت الأول أو الثاني، فلا بد من ضمير يعود على السببي، وضمير السببي لا يتقدم عندهم عليه.

قال ابن خروف: لأنه لو تقدم؛ كان عوضًا من اسمين -مضاف ومضاف إليه- وهذا مما لا سبيل إليه، فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقًا.

ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع الواقع بعد “إلا” على الصحيح، كقول الشاعر:

ما صاب قلبي وأضناه وتيمه

*إلا كواعب من ذهل بن شيبان

والمانع من كونه من التنازع، أنه لو كان منه لزم إخلاء العامل الملغى من الإيجاب، ولزم في نحو: “ما قام إلا أنا” إعادة ضمير غائب على حاضر. قاله المرادي في (شرح التسهيل)، وحمله في (التسهيل) على الحذف، وقال في شرحه على تأويل “ما قام أحد وقعد إلا أنا”: فحذف “أحد” واكتفي بقصده ودلالة المعنى والاستثناء عليه.

هذا، وعلم من قولنا: “مذكوران” -لا بد أن يكون العاملان مذكورين- أنه لا تنازع بين محذوفين، ولا بين محذوف ومذكور.

وننتهي إلى أن التنازع لا يجوز في السببي مطلقًا مرفوعًا أو منصوبًا، كما لا يقع التنازع في الاسم المرفوع الواقع بعد إلا على الصحيح.

هـ. التنازع في أسلوبي التعجب:

إن شرط العاملين في باب التنازع هو التصرف، فلا يصح التنازع بين عاملين جامدين، ولا بين جامد وغيره؛ فلا يصح التنازع في أسلوب التعجب مثل: “ما أحسن وأجمل زيدًا”، أو “أحسن به وأجمل بعمرو”؛ فرارًا من الفصل بينه وبين معموله إذا أعمل الأول “أحسن وأجمل بعمرو”، على إعمال “أحسن” في الاسم الظاهر، فقد فصلنا بين الفعل ومعموله، وإذا لم يصلح إعمال الأول بطل التنازع؛ إذ من شرطه جواز إعمال كل منهما، فليس المانع هو جمود أسلوبي التعجب؛ بل المانع وقوع الفصل بين فعل التعجب ومعموله إذا أعمل الأول.

error: النص محمي !!