Top
Image Alt

تعدد فنون النثر ومنها الخطابة

  /  تعدد فنون النثر ومنها الخطابة

تعدد فنون النثر ومنها الخطابة

تنوعت مجالات النثر، وتعددت فنونه، وعرفنا بعد ذلك من أنواع الكتابة: القصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، وهذه كلها فنون حديثة سيكون لنا معها وقفات تفصيلية إن شاء الله. لكننا سنتحدث عن فن الخطابة؛ لنبين أنه تطور في العصر الحديث مع التطور الذي حدث في الحياة الثقافية والأدبية عمومًا.

وكانت الخطابة كالكتابة، تعاني من الضعف والجمود والتخلف في فترات الجمود والضعف، وتخلف الأدب والثقافة.

لما حدثت النهضة الأدبية نهضت أيضًا الخطابة، وقُيض لها مَن أعاد لها قوتها وحيويتها، ويُعد عبد الله النديم -خطيب الثورة العرابية- رائدَ النهضة في الخطابة في العصر الحديث، فقد كان النديم خطيبًا وكاتبًا، وشارك بمقالاته وخطبه في إصلاح مجتمعه سياسيًّا وفكريًّا وأدبيًّا، وشهرته بالخطابة أقوى من شهرته بالكتابة، فقد كانت موهبته الحقة في لسانه، وكان لقوة حجته ونصاعة بيانه أكبر الأثر في نفوس العامة، وتحميسها للثورة والإصلاح. وقد كان النديم مدركًا لوظيفة الخطبة وأثرها، وخطر الخطباء وقدرهم، وواجب الكلمة في أداء رسالتها، ولذلك كتب عن الخطابة وأثرها في تاريخ الإسلام، وفائدتها في تهذيب الشعب وتربيته، وانتقد خطب الجمعة في عهده، ورأى أنها ميتة لا تمت إلى الحياة بصلة، وحثَّ الخطباء على الاهتمام بشئون البلاد، والمحافظة على حقوقها، والدعوة إلى الائتلاف والاتحاد بين المسلمين والأقباط في وجه الخَصم الأجنبي، والتفكير بمجد مصر السابق، وغير ذلك من القضايا الخطيرة التي تهم الناس في أمور الدين والحياة.

ومن كلامه عن أثر الخطابة وفائدتها، يقول:

“ألسن الخطباء تحيي وتميت، حكمة إذا عقلت معناها وقفت على سر الخطابة وحكمة حدوثها، وعلمت أنها للعقول بمنزلة الغذاء للبدن، وكانت الخطابة في الأعصر الخالية غير معلومة إلا في أمتي العرب واليونان، فكانت ساحتها في جزيرة العرب عُكاظ، ومنابرها ظهور الإبل، وهذه الساحة كانت معرضًا للأفكار تجتمع فيه الخطباء والبلغاء والشعراء، وأمم كثيرة من المجاورة للجزيرة، فيرقَى الخطيب ظهر ناقته ويشير بطرف ردائه، وينثر على الأسماع دررًا وبدائعَ، ثم يباريه آخر ويعارضه غيره…”.

إلى آخر ما قال عن أهمية الخطابة وطقوسها في العصور القديمة.

أما خطبه:

فقد جعل منها وسيلة لتحميس المصريين وتجميعهم، ودعوتهم إلى قتال الإنجليز؛ دفاعًا عن وطنهم، ودفاعًا عن كرامتهم.

ومن هذه الخطب خطبة يقول فيها:

“يا بني مصر، هذه أيام النزال، هذه أيام النضال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذب عن الأعراض، هذه أيام يمتطي فيها بنو مصر صهواتِ الحماسة، وغوارب الشجاعة، ومتون الإقدام؛ لمحاربة عدو مصر، بل عدو الإسلام، الدولة الإنجليزية، خذلها الله، ورد كيدها في نحرها، فقاتلوهم قتال المستميتين: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين} [التوبة: 123] قوم نقضوا العهد، ونكثوا الأيمان، وهموا بإخراج أهل الحكم: {وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِين} [التوبة: 13] يا أهل مصر، إنما الإنجليز نجس فلا يقربوا البلاد بعد عامهم هذا، وإن خفتم ضعفًا فتعاونوا وتآزروا ينصركم الله عليهم إن الله قوي عزيز: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} [التوبة: 8] يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم”.

وهكذا يمضي النديم في خطبته الحماسية التي أراد منها أن يبث الحماسةَ في نفوس المصريين، ويحفزهم إلى قِتال الإنجليز.

وأنت تشعر في هذه الخطبة العاطفة الصادقة الملتهبة، والقدرة على الصياغة المؤثرة في جمل قصيرة تصل إلى القلوب، وتلاحظ: أنه يكثر من الاقتباس من القرآن الكريم.

وتعد ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر من العلامات البارزة في التاريخ المصري، وقد كانت الخطابة إحدى الوسائل التي جمعت الشعب وحفزته للثورة، وقد شهدت الخَطابة في تلك الفترة وفيما بعدها نشاطًا متزايدًا، وتعدَّدت ميادينها، وعرف خطباء مبرزون في المجالات المختلفة.

وكان من أهم مجالات الخطابة المجال السياسي، والمجال الاجتماعي، والمجال القضائي، بالإضافة إلى الخطابة الدينية.

أما المجال السياسي:

فقد كان من ساحاته الجمعية العمومية، ومجلس شورى القوانين، ثم الجمعية التشريعية بعد ذلك، والأحزاب، والهيئات السياسية المختلفة، ومن الخطباء المبرزين في المجال السياسي سعد زغلول ومكرم عبيد، وكانَا يميلان إلى السجع، وإثارة العاطفة، والاقتباس من القرآن الكريم، ثم توالت أجيال الخطباء في هذا المجال، وتخلصت الخطابة السياسية من المحسنات البديعية، ووجّه الخطباء جهدهم إلى مخاطبة العقول، وبسط الحقائق، والإشارة إلى أحداث التاريخ في دقة ووضوح وترسل دون إغفال للتأثير العاطفي.

وفي المجال الاجتماعي:

اتخذت الخطابة من القضايا الاجتماعية التي ثار حولها خلاف وجدل موضوعاتٍ لها؛ مثل قضية المحافظة والتقليد، وقضية المرأة وخروجها للعمل، وغير ذلك من الدعوات التي كان يدعو إليها المهتمون بالإصلاح الاجتماعي.

ووجدت الخطابة القضائية مجالها في قاعات المحاكم، حيث كانت تُنظر القضايا الكبرى ذات الطابع السياسي، وقضايا الاغتيالات السياسية، وغيرها، وتحتاج الخطابة القضائية إلى ثقافة قانونية واسعة، ودقة في فهم القوانين، وذكاء في التعامل مع الموقف، وتمكن من ناصية اللغة، وقدرة على التصوير المؤثر في نفوس المستمعين، مع قدرة على حسن الاستنباط والتعليل، ودفع الحجة بالحجة.

ويُعد من رواد هذا اللون من الخطابة: أحمد لطفي السيد، وصبري أبو علم، وعبد الرحمن الرافعي، ومكرم عبيد.

ولا شك في أن مجالات الخطابة السياسية والاجتماعية والقضائية، يمكن أن تتشابك وتتشابه إلى حد بعيد، وكثير من الخطباء المعروفين بتفوقهم في أحد هذه المجالات شُهد له بالتفوق في المجالات الأخرى.

وإلى جانب هذه المجالات نجد خطابة المحافل:

وهي الخطابة التي تكون في المناسبات العامة التي يحضرها حَشْد كبير من الناس.

ومن الخطابة الاجتماعية في المحافل مثلًا هذه الخطبة التي قالها مكرم عبيد في تأبين سعد زغلول، قال فيها:

“إذًا، فقد مات سعد، وهذه الحفلة الحافلة هي حفلة الزعيم في موته، إي وربي وحفلته الأولى، وهذه الجموع الحاشدة قد جاءت لتسمعه خطيبًا محدثًا، لا وربي بل حديثًا يروَى، وهذه العيون اللوامع قد ألهبها بريق ناظريه، لا وربي بل حرقة الذكرى، وهذا السكون وهذا الخشوع وهذا الجلال، إن هي إلا مظاهر العزة والعظمة للعزيز العظيم فينا، لا وربي بل ضريبة الموت، فُرِضَ على كل مصري أن يؤديها مرةً بعد أخرى، فقد مات من كان حيًّا في كل قلب، وأصبحت حياته شيئًا يتلى، وقد سكن مَن كان ناطقًا في كل لسان وأصبح الكلام فيه دمعًا…”.

إلى أن قال: “إذًا، وقعت الواقعة التي طالما هادنَّا عليها القدر، وانتزع الموت في لحظة مَن ضنت به الأجيال متعاقبة، وتعبت في صنعه وصوغه العظائم والعبر، فكان لها عونًا على الدهر، وكان هو المدخر، إذًا، فقد نفذ السهم وحمَّ القدر، ذلك الذي كنَّا إلى الأمس ننادي به إذا انطلق السهم إليه ارتد وانكسر، وإذا التطم الموج بصخره عجَّ وانحسر، وإذا امتدت إليه يد الحوادث ارتد القدر، عجبًا هل تطاول القبر إلى مكان فوق هامات البشر؟ أم أن تلك العظمة الشامخة لَمَّا لَمْ تجد علوًّا ترتفع إليه قد تواضعت، فتدانت حتى ذلك المستقر، سبحانك ربي، بل أردت فقدرت، فمنك الوجود وإليك المفر”.

أما الخطابة الدينية:

فإنها أوسع أبواب الخطابة ميدانًا، وأكثرها جمهورًا، وأدومها نشاطًا؛ نظرًا لارتباطها في أحيان كثيرة بشعائر الإسلام، وتعد الجمعيات الدينية التي تتخذ من الخطابة أداةً للتوجيه والإصلاح من أهم العوامل المساعدة على نشاط الخطابة الدينية التي تدور مع التعليم الديني ضعفًا وقوةً في أغلب الأحيان، ويتمثل تقدم هذا اللون من الخطابة في عرض الإسلام بجوهره الصافي وشموليته التامّة، على أنه منهج حياة يتلمّس فيه الناس حلولًا لمشكلاتهم المعاصرة في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، كعلاقة الحاكم بالمحكومين، ونظم الشورى، وحقوق الإنسان، وفوائد البنوك، والتكافل الاجتماعي،… إلى غير ذلك من القضايا والمشكلات المعاصرة.

كما يتمثل هذا التقدم في البُعد عن المواعظ المحفوظة لوعّاظ سابقين إلا في حدود ضيقة، وتتسم الخطابة الدينية بالاعتماد على الاستشهاد بآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم واستخراج العبرة من التاريخ الإسلامي، ودقة الاستنباط من اجتهادات الفقهاء المسلمين، وعرض ذلك جميعه في أسلوب حي مؤثر يقنع القولَ، ويشبع الوجدان، ويخاطب كل طائفة على قدر فهمها، ويعرف لكل مقام مقاله.

ومن أئمة الخطابة الدينية في العصر الحديث الشيخ المراغي شيخ الأزهر، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ حسن البنا، والشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالي،… وغيرهم كثيرون.

بهذا نكون قد وضحنا التطورَ الذي لحق بالنثر كتابةً وخطابةً في هذا العصر.

error: النص محمي !!