Top
Image Alt

تعريف الأدب المقارن ونشأته

  /  تعريف الأدب المقارن ونشأته

تعريف الأدب المقارن ونشأته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فالأدب المقارن فرع من فروع المعرفة، يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر من أدبين، ينتمي كلٌّ منهما إلى أمة أو قومية غير الأمة أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا، وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر أو أكثر من عناصر أدب قومي ما، ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى، وذلك بُغية الوقوف على مناطق التشابه، ومناطق الاختلاف بين الآداب، ومعرفة العوامل المسئولة عن ذلك.

كذلك قد يكون هدف هذه المقارنة كشف الصلات التي بينها، وإبراز تأثير أحدها في غيره، وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى، وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب… إلخ.

هذا؛ وقد وقف الدكتور “طاهر مكي” في شيء من الأناة عند مصطلح القومية الذي يدخل في تعريف الأدب المقارن، في قولنا: إن الأدب المقارن يقوم على المقابلة بين الآداب القومية المختلفة، محاولًا أن يستكشف أبعاد هذا المصطلح، وما يمكن أن يثيره من مشكلات، وأطال وأجاد؛ لكنه في نهاية المطاف ترك الأمر دون حسم.

لقد تسائل قائلًا: ماذا نفهم من مصطلح أدب قومي؟ ما الحدود التي إذا تعديناها جاز لنا أن نتحدث عن أدب أجنبي، وعن تأثر به أو تأثير فيه؟ هل يقوم التحديد على أسس سياسية وتاريخية، أو على أسس لغوية خالصة؟ ليجيب بأنه: بعد تأمل جاد، يُمكنُ القول إن الاحتمال الثاني أكثر قربًا، وأدق منهجية، وأسهل تطبيقًا؛ لأن الحدود اللغوية كانت على امتداد التاريخ أكثر ثباتًا، وأقل تقلبًا مدًّا وجزرًا من الحدود السياسية.

ثم ضرب مثالًا من ألمانيا التي كانت كيانًا سياسيًّا واحدًا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم قسمت إلى دولتين بعدها؛ لكنهما ظلتا مع هذا تتكلمان لغة واحدة، ومن ثم لا يُمكن أن نقارن بين أدبهما بمفهوم الأدب المقارن.

إلا أنه برغم ذلك لم يتوقف عند هذه النتيجة بل استمر يستعرض أوضاعًا أخرى تختلف عن وضع الألمانيتين، منها مثلًا: وضع الجزائريين الذين يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية، رغم أنهم ليسوا فرنسيين. ومنها وضع الهنود الذين يكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزًا، ومنها وضع الأدباء الأمريكان فهم يكتبون أدبهم بالإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزا، وكذلك معظم أدباء أمريكا اللاتينية فهم يكتبون آدابهم باللغة الأسبانية، رغم أنهم ليسوا أسبانًا.

وكذلك وضع الأدباء الكنديين الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية، وهي ليست اللغة الوحيدة التي يتحدثها أو يكتب بها الكنديون، بل تشركها في ذلك اللغة الفرنسية، ومثلهم الأدباء السويسريون الذين لا يكتبون أدبهم بلغة واحدة بل بلغات ثلاث هي: الفرنسية، والألمانية، والإيطالية… وهكذا.

وهو يشير هنا إلى أن عددًا من الباحثين الأمريكان يرى: أن الأدب الأمريكي والأدب الإنجليزي ليسا أدبًا واحدًا بل أدبين مختلفين؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين ثقافيًّا، ومن ثَمّ أدبيًّا، والدّكتور “طاهر مكي” بهذا وإن بدأ بجعل اللغة هي الفيصل في تحديد الهوية القومية، وهو ما قاله قبلًا الدكتور “محمد غنيمي هلال” الذي يؤكد أن الحدود الأصيلة بين الآداب القومية هي اللغات؛ فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا، مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه.

وما زال يقول به كذلك المقارنون العرب عمومًا كالدكتور “محمد سعيد جمال الدين” مثلًا الذي يقرر ما قرره المرحوم “هلال” من أن الحدود الأصلية بين الآداب القومية هي اللغات؛ فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه، ولذلك يعد ما كتبه المؤلفون الفرس الذين دونوا مؤلفاتهم، وآثارهم باللغة العربية داخلًا في دائرة الأدب العربي لا الفارسي.

أقول: إن الدكتور “طاهر مكي” بهذا قد عاد فتركنا في حيرة من أمرنا، بل ربما في عماية منه، حين أثار المشكلات السالفة الذكر دون أن يجيب على الأسئلة الشائكة التي طرحها، إن الأدباء العرب على سبيل المثال الذين يصطنعون في إبداعهم لغة القرآن، لا يمثلون فيما أتصور أدنى مشكلة في تطابق اللغة والقومية؛ فنحن كلنا ندين بدين واحد، ونصطنع لغة واحدة في كتابتنا، وفي حياتنا اليومية على السواء، بل إنّ الأقليات التي لها لغة أخرى إلى جانب العربية تتكلم هي أيضًا لغة يَعْرُب فضلًا عن أن التاريخ القريب والبعيد واحد أو متشابه على الأقل.

وبالمثل فإن العادات والتقاليد هي أيضًا واحدة، إن لم يكن من أجل شيء، فمن أجل أنها في معظمها مستمدة من الإسلام، كما أننا نعيش في منطقة واحدة متلاصقين لا متقاربين فقط؛ إلى جانب أننا جميعًا نتطلع إلى إن تقوم بيننا في يوم من الأيام وحدة تجمعنا وتقوينا، وتكفل لنا الاحترام الدولي مثلما كان الحال من قبل، حينما كانت هناك دولة واحدة أو عدة دول تخضع ولو خضوعًا اسميًّا لخليفة واحد.

وفوق كل ذلك، فإن الإسلام الذي ندين به، يدعونا ويلحف في الدعاء إلى أن نعتصم بالتعاون والتساند والتواصل والأخوة الدينية، وأن نبتعد عن أي شيء يمكن أن يهدد هذه الوحدة، أو يلحق بها الضرر، ونحن بحمد الله ما زلنا نستمسك بديننا رغم وجود أقلية دينية هنا، أو جماعة تختلف في اتجاهاتها الفكرية أو السياسية عن التيار العام الهادر هناك، مما لا يمكن أن يَخْلُو منه أي بلد لأنّ النّقاء مستحيل، وبخاصة في هذا العصر الذي زاد فيه تجاور الاتجاهات الثقافية، وتعايش الديانات داخل حدود الوطن الواحد.

هذا؛ عن الأدباء العرب الذين يعيشون في الوطن العربي، ويبدعون أدبهم باللغة العربية، لكن ماذا عن العرب الذين يعيشون في أمريكا مثلًا، ويكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية؟ أو في فرنسا ويكتبون أدبهم باللغة الفرنسية؟ وماذا عن الكرد الذين يعيشون في العراق مثلًا، ويبدعون أدبهم باللغة الكردية؟ أو البربر الذين يعيشون في بلاد المغرب العربي، ويكتبون أدبهم بالأمازيغية؟ وماذا عن الفرس الذين يكتبون أدبهم باللغة العربية؟.

إن المسألة في كل حالة من هذه الحالات تحتاج إلى تأنٍ في التحليل، ومرونة في التفكير، وربما لم نصل بعد ذلك كله إلى حل مرضٍ، إذ دائمًا ما تُوجد على الحدود الفاصلة بين المفاهيم والمبادئ، حالاتٌ تُشكل علامة استفهام وقلق، ولا يَصِلُ الباحثُ بشأنها إلى شيء حاسم، فأما في حالة الكُرد الذينَ يكتبونَ أدبهم باللغة الكردية، فأرى أن يطلق على ما يكتبون الأدب الكردي؛ حيث تتطابق في حالتهم اللغة والعرق.

ومثلهم في ذلك البربر الذين يكتبون أدبهم بالأمازيغية؛ فيسمى هذا الأدب بالأدب الأمازيغي.

لكن الأمر يختلف في حالة العرب الذين يعيشون في فرنسا، ويصطنعون لآدابهم الفرنسية، ولكنهم لا يكتبون إلا عن بلادهم الأولى، ومشاكل المجتمعات التي وفدوا منها، ولا ينتمون إلى القومية الفرنسية، ولا يشعرون من الناحية السياسية أنهم فرنسيون؛ حتى لو تجنسوا بالفرنسية.

والدليل على هذا: أنّ أعمالهم إنما تتناول أوطانهم، وأوضاع شعوبهم التي نزحوا منها؛ سواء كان ذلك النزوح نزوحًا أبديًّا أو مؤقتًا، إن العبرة هنا بمضمون الأدب وروحه وطعمه، وتوجهاته واهتماماته، وعلى هذا نقول عن ذلك اللون من الكتابة: إنه أدب عربي مكتوب بالفرنسية، وهذا الأدب يمكن أن يكون محل دراسة مقارنة مع الأدب الفرنسي، ولكن من ناحية أخرى هدفها التعرف إلى مدى اختلاف أسلوب الكاتب عن الأسلوب الفرنسي الأصيل، أو اتفاقه معه في نكهته ومفرداته، وتراكيبه، وعباراته، وصوره.

ومِثلُه ما يَكتبه الأدباء الهنود، أو أدباء جنوب أفريقيا في بلادهم بالإنجليزية، إذ أن أعمالهم في هذه الحالة إنما ترتبط ببلادهم، ومجتمعاتها وتاريخها، وتطلعاتها ومشاكلها، وعاداتها وتقاليدها وأديانها، وحياتها اليومية لا ببلاد “جون بون”.

لكن إذا كان الأديب من هذا النوع يعيش في فرنسا مثلًا أو بريطانيا، واندمج اندماجًا تامًّا في الوسط الجديد، وأضحى يعتنق ما يعتنقه أصحاب ذلك الوسط، ويُردد آراءهم ويتخذ مواقفهم، وينطلق من رؤيتهم الحضارية والقومية، وينصبغ بصبغتهم الاجتماعية، ونسي وطنه وقوميته القديمة، ولم يعد يهتم بمشكلات الأمة التي كانت ينتسب إليها من قبل… إلخ. فعندئذ فالمنطق يقتضي إلحاقه بالأدب الذي يصطنع لواقعه إذًا.

أما أمريكا التي يُدرس أدبها عادة على أنه جزء من الأدب الإنجليزي، فهناك من باحثيها -كما رأينا- من يُناضل ضِدّ الفكرة القائلة بأن ما يكتبه الأمريكان والإنجليز هو أدب واحد؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين، سلكتا منذ القرن التاسع عشر طريقًا ثقافيًّا، وبالتالي أدبيًّا متباعدًا تمامًا، ويرون أنّ إنتاجهم الأدبي يدخل في مجال الأدب المقارن، على رغم أنهما مكتوبان في اللغة نفسها كما نقل عنهما الدكتور “طاهر مكي”.

ولا شك أن أمامنا في هذه الحالة قوميتين مختلفتين لا تتطلعان إلى قيام وحدة بينهم، إن لم يكن بسبب أي شيء آخر؛ فبسبب المسافة الشاسعة التي تفصل بين الشعبين، كما أن بينهما تاريخًا من الصراع والحروب؛ فضلًا عن الاختلاف في مضمون الأدبين وروحيهما، واهتمامات كل منهما وطعمه؛ مما عليه المعول الأكبر في مثل هذا التمييز كما قلنا من قبل، ومثل أمريكا في ذلك الأمر في القارة الاسترالية.

باختصار؛ نخرج من هذا: بأنه في حالة تطابق اللغة والقومية، أو الوطن لدى الأديب؛ فحينئذ فلا مشكلة، أما إذا كان ثمة تعارض فالعبرة بالشعور القومي للكاتب، واتجاهاته وهمومه، وبمضمون العمل الإبداعي وروحه، لكن هل تراني قلت كلمة الفصل في هذا السبيل؟ لا أظن، بل هي مجرد وجهة نظر ينبغي أن تدرس وتحلل، وتبدى فيها الآراء، وهذا كل ما أستطيع أن أقوله ولا أزيد.

error: النص محمي !!