Top
Image Alt

تعريف الاتباع مع ذكر بعض قواعده

  /  تعريف الاتباع مع ذكر بعض قواعده

تعريف الاتباع مع ذكر بعض قواعده

أود أن أبيِّن أن تحقيق التوحيد لا بد من أن يكون موافقًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يقوم العبد بالتعبد لله تعالى، مفردًا ربه سبحانه وتعالى بالوحدانية، ومن هنا قلت بأن تجريد المتابعة -أعني: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وحده والاقتداء به- هو السبيل الأمثل الوحيد الصحيح لتحقيق توحيد عبادة رب العالمين -جل في علاه.

أ. تعريف الاتباع:

الاتباع في الشرع: هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، والتروك، وذلك بأن يعمل العبد مثل عمل النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي عمله من إيجاب أو نذر أو إباحة، أو كراهة أو حظر، مع توفر القصد والإرادة في ذلك، ويكون الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في الاعتقادات، بأن يعتقد العبد مع اعتقاده النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي اعتقده من ناحية الوجوب أو البدعية، أو لكونه من أسس الدين أو ناقضًا لأصله أو قادحًا في كماله، إلى آخر ذلك، وهذا من أجل أنه يجب علينا أن نعتقد ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من معتقَد.

كما يكون الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في الأقوال بامتثال مدلولها، وما جاءت به من معانٍ، لا أن تُكرر ألفاظها وتُردد نصوصها فحسب، بل لا بد من المتابعة، فمثلًا الاتباع لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) يكون بالصلاة كصلاته صلى الله عليه وسلم، والاتباع لقوله: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا)) يكون بترك الحسد والنجش، والاتباع لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن علمٍ علمَه، ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)) يكون بنشر الإنسان لعلمه الصحيح النافع، وعدم كتمانه له.

وكما يكون الاتباع في الاعتقادات والأقوال، يكون أيضًا في الأفعال، وذلك بأن نفعل مثل فعله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي فعله من أجل أنه فعله، ومعنى القول بأن نفعل مثل فعله، يعني أننا لا نتأسى إلا به صلى الله عليه وسلم مع اختلاف صورة الفعل وكيفيته، وأما القول على الوجه الذي فعله، فمعناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته إخلاصًا وتحديدًا للفعل من حيث كونه واجبًا أو مندوبًا؛ لأنه لا تأسيَ مع اختلاف الغرض والنية، وإن اتحدت صورة الفعل.

ولتوضيح الاتباع في الفعل أقول: لو أردنا أن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في صومه، فلا بد أن نصوم على الصورة التي صامها صلى الله عليه وسلم بحيث نمسك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بقصد التقرب إلى الله تعالى، فلو أمسك أحدنا عن بعض المفطرات فقط لم يكن متبعًا، كما لو أمسك في جزء من الوقت فقط لم يكن متبعًا، كما لا بد أن نصوم على الوجه الذي صامه صلى الله عليه وسلم من ناحية القصد، بحيث نريد بصيامنا وجه الله تعالى، وصيام الواجب أداء أو قضاء أو نذرًا أو النفل كالقصد الذي صام لأجله صلى الله عليه وسلم.

كما لا بد أن نصوم من أجل أنه صام صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لا يعد الشخص متأسيًا بشخص آخرَ غير النبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في الصورة والقصد إذا كان كلٌّ منهما يعمل ذلك امتثالًا لأمر الله تعالى، واتباعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ويكون أيضًا الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في التروك، وذلك بأن نترك ما ترك على الصفة والوجه الذي ترك من أجل أنه ترك، ولتوضيح ذلك أقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام بترك الصلاة عند طلوع الشمس، فيترك المتأسي الصلاة في ذلك الوقت على الوجه الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لأجل أنه ترك، إذًا الاتباع معناه الاقتفاء والاقتداء.

بعد هذا، وبعد أن بيَّنت معنى الاتباع في الاعتقادات والأقوال والأفعال، وأشرت أيضًا إلى التروك، وذكرت بعض الأمثلة للتوضيح، وحتى يتبين لطالب العلم أهمية وضرورة ومعنى الاتباع في الشرع.

بعض القواعد المهمة في الاتباع:

بعد أن قررت ما سبق، وبيَّنت مفهوم الاتباع وحقيقته، لا بد من ذكر بعض القواعد التي يستنير بها الطالب حتى يكون متبعًا حقًّا، ومحققًا التوحيد لرب العالمين جل في علاه؛ ولذلك سأذكر القواعد التالية:

القاعدة الأولى: إن مبنى دين الإسلام على الوحي، والنقل الصحيح لا العقل والاستنباط، فما جاءنا من أمر ونهي في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وجب علينا قبوله والمبادرة إلى امتثاله فعلًا وتركًا، هذا أمر لازم لا بد منه، وكان سلفنا الصالح رضي الله عنهم يعظمون النصوص، ويدورون معها حيث دارت، ويحكمون على الرجل بأنه على الطريق ما كان على الأثر.

قال الإمام الزهري -رحمه الله تبارك وتعالى-: “مِن الله الرسالة، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم”.

وقال ابن أبي العز شارحًا قول الإمام الطحاوي -رحمه الله تبارك وتعالى- الذي يقول فيه: “ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام” يقول: أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد لنصوص الوحيين، ويجب ألا يعترض العبد على الوحيين، أو يعارض هو شيئًا من الوحيين برأيه أو معقوله أو قياسه.

وما أجملَ مقولةَ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: “إياكم والاستنانَ بالرجال” يحذر رضي الله عنه من أن يجعل الإنسان قدوته رجلًا من الرجال، ثم يقول رضي الله عنه: “فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة؛ فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء، وأشار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم”.

وقد قال أبو الزناد -رحمه الله تبارك وتعالى- أيضًا عبارة جميلة حول هذا المفهوم، يقول فيها: “إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بدًّا من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة”. يريد رحمه الله أن يقول بأن الرأي يخالف كثيرًا الاتباع، فلو تركنا النصوص الواردة وذهبنا أو سِرنا وراء العقل لخالفنا كثيرًا من الشريعة؛ ولذلك هذه القاعدة المهمة يجب أن يتنبه لها كل مسلم، وهي ضرورة الاعتماد على ما جاء في كتاب الله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القاعدة الثانية: هي أنه يجب على المسلم أن يبحث عن الحكم الشرعي، وأن يتثبت فيه قبل إتيان العمل في جميع شئون حياته؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)) وتطبيق ذلك هو حقيقة الاتباع والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى هو المقصود أن العبد عليه ألا يقدم على عمل يعمله إلا إذا بحث عنه، وعرف الدليل عليه، وأنه من كتاب الله أو من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنه لو فعل فعلًا أو قال قولًا مخالفًا لذلك يكون قد ابتدع في دين الله عز وجل وعمله باطل لا يقبله الله منه، بل هو مردود بنص الحديث السابق الذي ذكرتُه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله-: “كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشرع له فعمله باطل”.

القاعدة الثالثة: وهي بيان في أن المراد باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم العمل بكل ما جاء به من أوامر ونواهٍ في القرآن الكريم، باعتبار القرآن الكريم وحيًا من الله تعالى إليه، كما أنه يجب أيضًا الاتباع والعمل بكل ما جاء في السنة النبوية المطهرة، وألا يرد الإنسان شيئًا من ذلك، وعليه أن يقبل بكل ما جاء في القرآن الكريم، وبكل ما صح من حديث النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، وأن تكون جميع الأعمال موافقة لهما.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد يؤسس حكمًا جديدًا بقوله وسنته صلى الله عليه وسلم ولا يكون لهذا الحكم ذكر في كتاب الله، وقد نص هو صلى الله عليه وسلم على ذلك قال: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)) ومعنى ((ومثله معه)) يعني: السنة، وهذا حق، والله عز وجل قد شهد بالعصمة للنبي صلى الله عليه وسلم -فيما ينطق به، قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3- 4].

قال عطاء -رحمه الله-: “طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع الكتاب والسنة”. وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-: “وإنما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين على العباد أن يأخذوا به، وأن يتبعوه، ولا تحل مخالفته، وإن نصَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم كنص الله تعالى؛ لا رخصة لأحد، ولا عذر في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله”.

القاعدة الرابعة: ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من جنس العبادات، ولم يفعله مع وجود المقتضي لفعله على عهده صلى الله عليه وسلم ففِعله بدعة، وتركه سنة، وذلك كالاحتفال بالمولد، وإحياء ليلة الإسراء والمعراج، والهجرة ورأس السنة ونحوها، ويدل لذلك ما قلته آنفًا في الحديث السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم وغيره ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ)) ويقول الإمام مالك -رحمه الله تبارك وتعالى-: “ما لم يكن يومئذٍ دينًا –يعني: ما لم يكن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم دينًا- فلا يكون اليوم دينًا”.

ويقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى-: “والترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنة”. ويقول الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: “وأما أهل السنة والجماعة، فيقولون في كل فعل أو قول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه”.

القاعدة الخامسة: كل ما يحتاجه الناس في أصول الدين وفروعه في أمور الدنيا والآخرة من العبادات والمعاملات، في السلم أو الحرب، في السياسة أو الاقتصاد، إلى أي شيء يحتاجه الناس قد جاءت الشريعة ببيانه وإيضاحه، وتصديق ذلك في قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} [النحل: 89].

وقال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3] قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه: قد علَّمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائض أو بول.

القاعدة السادسة: هي أن الاتباع لا يتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشرع في ستة أمور هي:

الأمر الأول: السبب، فإذا تعبدَ الإنسان لله تعالى بعبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًّا فهي بدعة مردودة على صاحبها، وذلك كإحياء ليلة السابع والعشرين من رجب للتهجد، وبعض الناس أيضًا يتوجهون بالدعاء إلى الله عز وجل ويخصون هذه الليلة بأدعية مختلفة، ونحن إذا نظرنا وجدنا أن التهجد في أصله عبادة، لكن لما قُرن بهذا السبب، وهو إحياء ليلة السابع والعشرين، كان بدعة؛ لأنه في هذه الحالة يكون قد بني على سبب لم يثبت شرعًا.

الأمر الثاني: الجنس، فإذا تعبد الإنسان لله تعالى بعبادة لم يُشرع جنسها، فهي غير مقبولة، كالتضحية بفرس مثلًا؛ لأن الأضاحي لا تكون إلا من جنس بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.

الأمر الثالث: القدْر، فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة، أو ركعة في فريضة فعمله ذلك بدعة مردودة؛ لأنها مخالفة للشرع في المقدار أو العدد.

الأمر الرابع: الكيفية، فلو أن الإنسان مثلًا قدم بعض أعضاء الوضوء على بعض مخالفًا الترتيب الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم فعمله هنا مخالف للشرع في الكيفية.

الأمر الخامس: الزمان، فلو ضحى إنسان في رجب، ومن المعلوم أن الأضحية تكون في اليوم الأول من أيام العيد، وفي بقية أيام التشريق الثلاثة، فلو ضحَّى إنسان في رجب، أو صام رمضان في شوال مثلًا، أو وقف بعرفات في التاسع من ذي القعدة، لما صح ذلك منه؛ وذلك لأنه في هذه الحالة يكون قد خالف الشرع في الزمان.

الأمر السادس: المكان، فلو اعتكف إنسان في منزله لا في المسجد، أو وقف في يوم التاسع من ذي الحجة بمنى أو بمزدلفة، لما صح ذلك منه؛ لمخالفته للشرع في المكان.

إذًا لا بد من أن يتحقق العمل حتى يكون موافقًا للشرع أن يتحقق في العمل توفر هذه الأمور، وهي: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان.

القاعدة السابعة: إن الأصل في العبادات بالنسبة للمكلف التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى الحِكَم والمعاني، وإن كانت ظاهرة في كثير منها، يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- مقررًا ذلك: “يجب أن نعلم أن ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الحكمة، وعلينا أن نسلم، وأن نقول إذا سألَنَا أحد عن الحكمة في أمر من الأمور: إن الحكمة أمر الله ورسوله في المأمورات، ونهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في المنهيات، ودليل ذلك من القرآن الكريم ما جاء في قوله الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. فاستدلت هنا بالسنة، ولم تذكر العلة”.

وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة، أن تكون مسلِّمًا لأمر الله عز وجل ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم عرفت حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء حتى يعرف حكمته لقلنا: إنك ممن اتبع هواه، فلا تمتثل إلا حيث ظهر لك أن الامتثال خير، ولله در الفاروق رضي الله عنه حين قال: “فيم الرملان والكشف عن المناكب”، وقد مكّن الله عز وجل للإسلام ونفى الكفر وأهله، ثم قال: ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يفهم أحد مما سبق أن البحث عن الحكم والمعاني في العبادات التي دلت عليها القرائن ليس بمطلوب، كيف لا، وقد ذكر الله ورسوله شيئًا من ذلك في قول الله تعالى مثلًا في ختام بعض الآيات: “لعلكم تتفكرون” “لعلكم تفلحون” “لعلكم تتقون” وهي دعوة إلى أن يتأمل الإنسان ويعقل ويفكر، وربما يصل من خلال بعض الاستنباط إلى الحكم أو بعض الحكم والمعاني.

وقال صلى الله عليه وسلم مشيرًا إلى بعض حكم بعض العبادات: ((إنما جعل الطوائف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى)) ولكن المراد التحذير من التنطع في استخراجها، أو ربط القيام بالتنفيذ والعمل بمعرفتها، هذا هو المحذور وهذا هو الذي يجب أن يبتعد الإنسان عنه، والأصل في العادات والعبادات والمعاملات هو الالتفات إلى المعاني، والبحث عن الحكم، وإن كانت قد لا تظهر في أشياء منها.

وبالتالي علينا أن نسلِّم فقط لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بدا لنا شيء من الحكمة قلنا به، وإلا فالأصل أن نسلم؛ ولذلك ما ذكرته حقًَّا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أنها كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تُؤمر بقضاء الصيام، ولا تُؤمر بقضاء الصلاة، فدل ذلك على أن العبد يسلم للأمر الوارد، أو عليه أن يترك النهي الوارد دون أن يبحث عن الحكمة أو التعليل، إن لم يكن لها ذكر من الشارع، أو استطاع أن يفهم أو أن يستنبط شيئًا منها.

القاعدة الثامنة: هي أن المشقة ليست مقصودة في الشريعة، ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للشيخ الذي نذر أن يمشي، وكان يُهادى بين ابنيه: ((إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني)) وأمره صلى الله عليه وسلم أن يركب. قال العز بن عبد السلام -رحمه الله- مقررًا ذلك: “لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرَب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى، وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا، والمراد من العبد هو اجتناب النهي، وامتثال الأمر بقدر الاستطاعة، بدليل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)) ومبنى الشريعة والأصل فيها التيسير، ورفع الحرج عن العباد، بدليل قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ولذا كان تفاوت الأجر والثواب مترتبًا على تفاوت رُتب الأعمال ومقدار شرفها، عظمت المشقة أو قلت، ولا شك أن المشقة غير المقصودة التي تلحق المكلف بسبب أدائه للعمل المشروع تزيد في ثوابه، بدليل قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } [التوبة: 120] وعن جابر رضي الله عنه قال: ((كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن لكم بكل خطوة درجة))”.

error: النص محمي !!