Top
Image Alt

تعريف الاسم المجرد، وأقل أبنيته، وأقصاها

  /  تعريف الاسم المجرد، وأقل أبنيته، وأقصاها

تعريف الاسم المجرد، وأقل أبنيته، وأقصاها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله سيد العلماء العاملين، ورضي الله عن آله وأصحابه وأنصاره الغر الميامين، وبعد:

أ. الاسم المجرد:

هو ما كانت جميع حروفه أصلية، أو هو ما خلا من أحرف الزيادة، والأحرف الأصلية هي التي تثبت في جميع تصاريف الكلمة -في صورها المختلفة- مثلًا: الأحرف الفاء، والهاء، والميم، وهي الأحرف المكونة لكلمة “فهم” لو أننا قلبنا هذه الكلمة وأردنا أن نأتي منها بتصاريف مختلفة وصورٍ متعددة لوجدنا أن هذه الأحرف الثلاثة -الفاء، والهاء، والميم- ملازمة لهذه الكلمة لم تسقط في أي صورة من الصور، أو في أي تصريف من التصاريف المختلفة، نقول مثلًا: هو فاهم، وهما فاهمان، وهم فاهمون، وهي فاهمة، وهن فاهمات، والدرس مفهوم، وهذا عالم فهامة… إلى آخر هذه الصورة المتنوعة للكلمة نلحظ أنّ الأحرف الثلاثة لم تسقط من أي صورة من هذه الصور على الرغم من كونها صورًا متعددة متنوعة مختلفة، ولا يسقط الحرف الأصلي من الكلمة إلا لعلة طارئة، ربما تكون هذه العلة علة تصريفية، وربما تكون كذلك علة تخفيفية، والذي يسقط لإحدى هاتين العلتين كالثابت المذكور في الكلمة تمامًا.

ب. أقل أبنية الاسم المجرد في أصل وضعه:

أقل الأبنية الاسم المجرد في أصل وضعه ثلاثة أحرف، لم يضع العرب اسمًا على أقل من ثلاثة أحرف، فإن وجدنا اسمًا على أقل من هذه الأحرف الثلاثة أدركنا أن هذا الحذف الذي حدث فيه إنما هو نتيجة علة تصريفية أو علة تخفيفه، فهذا الحذف كأن لم يوجد، فمثلًا بعض الأسماء قد وقع فيها حذف الفاء، قالوا: ودى يدي دية، وعد يعد عدة، وزن يزن زنة، فالأسماء دية، وعدة، وزنة مصادر، نلحظ أن هذه الأسماء اقتصر فيها على حرفين فقط، أما التاء فهي زائدة، وقد قلنا: إن أقل الأبنية في أصل وضعها على ثلاثة أحرف، فكيف جاءت هذه الأسماء على أقل من هذه الأحرف الثلاثة؟:

نقول: إن هذه المصادر أصلها على وزن “فَعْل” وَدْي، وَعْد، وَزْن بفتح الفاء فسكون العين، ولو ذهبنا إلى أفعالها لوجدنا أن أفعالها ثلاثية من باب “فَعَلَ يَفْعِلُ” وَدَى يَدِي، نلحظ أن فاء الفعل قد سقطت في الفعل المضارع، وعد يعد، أيضًا الفاء قد سقطت، وزن يزن الواو أيضًا قد سقطت في المضارع، السبب في هذا أن الأصل كان يودي، يوعد، يوزن، نلحظ في المضارع أن الواو قد وقعت بين عدوتيها الياء قبلها والكسرة بعدها يودِي، يوعِد، يوزِن؛ فحذفت الفاء لهذه العلة التصريفية؛ لأنها وقعت بين عدوتيها، فليس لها إلى البقاء سبيل، فقالوا في المضارع: يَدِي، يَعِدُ، يَزِنُ، ثم جاءت المصادر تارة تأتي على وزن “فعل” على الأصل ودى يدي وديًا، وعد يعد وعدًا، ووزن يزن وزنًا، ويجوز أن تأتي المصادر محمولة على الفعل المضارع -أي: أن يحذف منها الفاء- حذف الفاء في الفعل المضارع واجب لوقوع الواو بين عدوتيها، لكن حذف فاء الكلمة في المصدر جائز؛ ولذلك لما كان هذا الحذف في المصدر جائزًا كان لا بد من التعويض؛ لأنه لم يذهل عن المحذوف كلية في المصدر، بل عوض عن الفاء المحذوفة بالتاء المربوطة في آخر المصدر، فقالوا: ودى يدي دية، ووعد يعد عدة، ووزن يزن زنة.

إذن المصادر دية، وعدة، وزنة، على الرغم من أن العرب قد استعملوها على حرفين والتاء في هذه المصادر زائدة إلا أن هذا الحذف كأن لم يكن؛ لأنه حذف لعلة تصريفية وهي حمل المصدر على الفعل على سبيل الجواز.

ومثلًا بالنسبة لحذف العين من بعض الأسماء جاءت كلمات مثل قولهم: سهٌ وسهٌ لغة في الاست والاست هو العجُزُ، قالوا: إن كلمة سه جاءت مكونة من حرفين قد حُذِفَ منها أحد أصولها، ما الأصل المحذوف؟ ذهبوا إلى الجمع فقالوا: أستاه جمع تكسير، والتكسير مما يرد الأسماء إلى أصولها أستاه؛ إذن عين هذه الكلمة وهي التاء وُجِدَتْ ثابتة في جمع التكسير؛ فدل ذلك على أن كلمة سهي أصلها ستهٌ بالسين والتاء والهاء، وحُذِفَتْ هذه العين وهي التاء لعلة تخفيفية في بعض اللغات.

وأيضًا كلمة “مذ” تستعمل اسمًا، فإذا استعملناها اسمًا وجدناها على حرفين، وقلنا: إن أقل أبنية الاسم أن يكون على ثلاثة أحرف، إذن أحد أصولها محذوف، ما الأصل المحذوف؟ نذهب إلى تصغير هذه الكلمة في حالة ما لو سمينا بكلمة مذ، ثم أردنا أن نصغر هذا الاسم وجدنا أن العرب قالوا في التصغير: مُنيذٌ، فأعادوا الحرف المحذوف في التصغير، فالتصغير مما يرد الأسماء إلى أصولها؛ إذن كلمة مذ أصلها منذ، وقد حذف العين في بعض الاستعمالات، وعلة حذف العين من كلمة مذ كعلة حذف العين من كلمة سهٍ، الغرض منها مجرد التخفيف، والحذف للتخفيف أيضًا شأنه شأن الحذف لعلة تصريفية، أي أن المحذوف لهذه العلة أيضًا كالثابت المذكور في الكلمة تمامًا.

ومن الحذف للتخفيف أيضًا حذف اللام من نحو كلمتي: أبٍ، وأخٍ، فهذان الاسمان كما نرى على حرفين، وقد قلنا: إن أقل أبنية الأسماء على ثلاثة أحرف في أصل الوضع؛ إذن أحد أصول هاتين الكلمتين قد حذف، إذا أردنا أن نتعرف على الأصل المحذوف فلنذهب إلى التثنية مثلًا، نقول في تثنية: أبٍ أبوان، وفي تثنية أخٍ أخوان، ومن ثَمّ حكم العلماء على أن أصل هاتين الكلمتين أصل أبٍ أَبَوٌ على وزن “فَعَلٌ” أصل أخٍ أخو على نفس الوزن، وقد حذف من كليهما لام الكلمة وهو حرف الواو، وهذا الحذف أيضًا لعلة تخفيفية لكثرة الاستعمال، وكثرة الاستعمال في العربية تتطلب التخفيف، ومن ثَمّ نقول: إن هذه الكلمات سواء ما حذف منه الفاء، أو ما حذف منه العين، أو ما حذف منه اللام هذه الألفاظ كأن لم يحذف منها شيء، وينطبق عليها الأصل الذي يقول: إن أقل أبنية الاسم الثلاثي المجرد في أصل وضعه على ثلاثة أحرف، ولا عبرة بما حُذِفَ لعلة تصريفية أو لعلة تخفيفية.

سؤال: لم حكم العلماء على أن أقل أبنية الأسماء المجردة ثلاثة أحرف؟:

الجواب: ينبغي أن يكون أقل أبنية الأسماء الثلاثية المجردة ثلاثة أحرف، ولا تقل الأسماء المجردة عن هذه العدة في أصل وضعها، أقوى ما قيل في بيان الحكمة التي من أجلها جعل العرب أقل الأبنية على ثلاثة أحرف أنه لا بد في اعتدال الكلمة -المحافظة على اعتدالها- من حرفٍ يبتدئ به، ولا بد من حرف يوقف عليه، ولا بد من حرف يكون واسطة بين المبتدأ به والموقوف عليه؛ لأن المبتدأ به ينبغي أن يكون متحركًا؛ لأن العرب لا يبدءون كلامهم بحرف ساكن، ولأن الموقوف عليه يجب أن يكون ساكنَا، فلما تنافيا بين حرف واجب التحرك وحرف واجب السكون كره العرب مقارنتهما والجمع بينهما في كلمة واحدة؛ ففصلوا بينهما بحرفٍ متوسط لا تجب فيه حركة ولا يجب فيه سكون، بل يجوز تحريكه ويجوز سكونه، وبهذا أحدث هذا الحرف الاعتدال في الكلمة، ومن ثَمّ كان الاسم الثلاثي أكثر الأبنية استعمالًا؛ لقلة أحرفه من ناحية، ولاعتداله بسبب حجز حشوه –أي : وسطه بين فائه ولامه- من ناحية أخرى.

جـ. أقصى ما يصل إليه الاسم المجرد:

أقصى ما يصل إليه الاسم الثلاثي المجرد أن يكون على خمسة أحرف، أي ينتقل من ثلاثي مجرد إلى رباعي مجرد إلى خماسي مجرد، ويقف الاسم المجرد عند هذا الحد، أقله ثلاثة في التجرد وأكثره خمسة، مثل كلمة “سفرجل” فهذه الأحرف تتكون من السين والفاء والراء والجيم واللام، كل أحرف هذه الكلمة أصلية، وما دام الاسم قد اقتصر على الأحرف الأصلية المكونة له فهو اسم مجرد وهو يتكون من خمسة أحرف؛ إذن نقول: إنه مجرد خماسي -يعني: يتكون من خمسة أحرف أصلية- والسفرجل شجر مثمر من فصيلة الورديات، وجمعه سفارج، قد يقال: وجدنا الجمع قد سقط منه أحد أحرفه الأصلية وهو اللام، وقد قلنا: إن الحرف الأصلي هو الذي لا يسقط في تصريفٍ ما من تصاريف الكلمة، فكيف حكمنا على اللام في كلمة سفرجل بالأصالة؟

نقول: إن الحذف في الجمع كان لعلة تصريفية أيضًا، كما حدث في الكلمات: دية، وعدة، وشية، وزنة، هنا أيضًا في الجمع قالوا: سفارج؛ لأنه هذا أقصى ما يصل إليه الجمع بالوزن، ووجود اللام في الجمع يحدث خللًا في بنية الجمع، فللتخلص من هذا الخلل اكتفي بالأحرف الأربعة الأصلية الأولى، وحذف الحرف الخامس؛ حتى لا يحدث إخلال ببنية الجمع، وهكذا كان حذف اللام وهو حرفٌ أصلي من الجمع كان لعلة تصريفية، وقد قدمنا أن المحذوف لعلة تصريفية كأن لم يكن، وأنه كالثابت المذكور في الكلمة تمامًا.

ومن أمثلة المجرد الخماسي أيضًا:كلمة فرزدق، وفرزدق علم على الشاعر المعروف كل أحرفه الخمسة أصلية، فهو اسم خماسي مجرد خلا من أحرف الزيادة، واقتصر على جميع أحرفه الأصلية، ولا يتجاوز الاسم المجرد تلك العدة -يعني: لا يتجاوز خمسة أحرف- وإلا تحول من مجرد إلى مزيد.

سؤال: لماذا لم يبنَ من الاسم المجرد السداسي؟:

الجواب: لئلا يتوهم أنه كلمتان؛ لأن أقل الأبنية في الأسماء ثلاثة، فإذا تصورنا أن هناك اسمًا يتكون من ستة أحرف الذي يتبادر إلى الذهن أنه ليس اسمًا واحدًا وإنما هو مؤلف من اسمين ثلاثيين، فلإزالة هذا التوهم اكتفينا فقط في الاسم المجرد بالبنية الخماسية، وبخاصة أن الاسم مما وُضِعَ على التخفيف، فهو أخف من الفعل، ومع ذلك كلما زاد عدد الأسماء المجردة كلما زاد عدد حروفها قل استعمالها؛ ولذلك قالوا: إن الاسم الخماسي المجرد أقل استعمالًا من الاسم الرباعي المجرد، وإن الاسم الرباعي المجرد أقل استعمالًا من الاسم الثلاثي المجرد لماذا؟ قالوا: لأنه كلما كثرت الأحرف كلما اشتد الثقل، والعرب يتطلبون التخفيف في الكلمات المفردة وفي التراكيب أيضًا.

error: النص محمي !!