Top
Image Alt

تعريف الاقتصاد وأسسه وخصائص نظامه ودور الاقتصاد الإسلامي

  /  تعريف الاقتصاد وأسسه وخصائص نظامه ودور الاقتصاد الإسلامي

تعريف الاقتصاد وأسسه وخصائص نظامه ودور الاقتصاد الإسلامي

أولًا: تعريف الاقتصاد وأساسه:

أ. تعريف الاقتصاد الإسلامي: عَرَّفَ الدكتور أحمد محمد صقر الاقتصاد الإسلامي بتعريف كبيرٍ واسع، وَهُوَ دَقِيقٌ أَيْضًا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، قَالَ فِيهِ: “هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي كَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ واستغلال الموارد الاقتصادية النادرة؛ لإنتاج أمثال ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات؛ لإشباع الحاجات الإنسانية من متطلباتها المادية التي تتسم بالوَفْرَةِ والتنوع، في ظل إطارٍ معينٍ من القيم الإسلامية والتقاليد والتَّطَلُّعَاتِ الْحَضَارِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ، وهو أيضًا العلم الذي يبحث في الطريقة التي يوزع بها هذا الناتج الاقتصادي بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْعَمَلِيَّةِ الإِنْتَاجِيَّةِ بِصُوَرةٍ مُبَاشِرَةٍ، وغير المشتركين بصورة مباشرةٍ أيضًا، في ظل الإطار الحضاري نفسه”. هذا التعريف في الحقيقة تعريف يشمل أطراف الاقتصاد الإسلامي.

ويعتمد النظام الإسلامي على أساسٍ كبير، هَذَا الْأَسَاسُ هُوَ الْعَقِيدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ؛ فهِيَ الْأَسَاسُ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ الإِسْلَامِيِّ، وهذه العقيدة تُبَيِّنُ عَلَاقَةَ الإنسان بالكون، وبخالق الكون، وبالغاية التي من أجلها خُلِقَ الإنسان، وتُفَصِّلُ -في الوقت ذاته- وسائل تحقيق هذه الغاية؛ فالإنسان في ضوء هذه العقيدة الحَقَّةِ من أفضل مخلوقات الله تعالى،  خَلَقَهُ سبحانه وتعالى لِعِبَادَتِهِ، والمقصود بالعبادة: العبادة بمعناها الواسع، وأنه لا يبلغ الإنسان هذه الغاية إلا بالخضوع المطلق لله رب العالمين.

ومظهر هذا الخضوع: أن يَصُوغَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَسُلُوكَهُ وَنَشَاطَهُ، ومنه النشاط الاقتصادي على النحو الذي فَصَّلُهُ وَشَرَّعُهُ اللهُ -تبارك وتعالى-، وعلى هذا، فإن النظام الاقتصادي في الإسلام يعمل مع غيره من أنظمة الإسلام الأخرى؛ لتسهيل وتيسير السُّبُلِ لِلْإِنْسَانِ؛ لِبُلُوغِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا -ألا وهي عبادة الله تعالى وحده؛ فإذا تَيَسَّرَتْ هذه العبادة للإنسان زَكَّتْ نَفْسَهُ بِالْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ، وَصَارَ أهلًا للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة؛ فَضْلًا عَنْ ظَفَرِهِ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا.

إِنَّ فِقْهَ هَذَا الْأَسَاسِ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ فِي الْإِسْلَامِ من قِبَلِ المسلم ضروريٌّ جدًّا له؛ لأنه بهذا الفقه سَيَعْرِفُ مَرْكَزَهُ الْحَقِيقِي في الدنيا وعلاقته بها وَغَايَتَهُ في الحياة، وبالتالي يتقبل بنفسٍ رَضِيَّةٍ جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرعُ الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي؛ لَأَنَّ هَذَا كُلُّهُ يَقُومُ عَلَى عَقِيدَةٍ قَامَتْ فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ، تَجْعَلُهُ يَخْضَعُ لِرَبِّ الْعِزَّةِ، ويندفع في الوقت ذاته لتنفيذ هذه التنظيمات والضوابط، والتقيد بما جاء من عند الله تعالى، وَبِهَذَا تَظْهَرُ ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة، ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خلق الإنسان من أجله.

ب. ومن معاني العقيدة الإسلامية ولوازمها التي لها عَلاقة بموضوع النظام الاقتصادي وأساسه هذه الأمور التالية:

1. الاعتقاد الجازم والإيمان بأن المُلك لله وحده: فلا شريك لله في ذَرَةٍ منه، وقد قال ربنا في كتابه: {وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 17]، وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُواْ الّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرّةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22]، ومن لوازم الملك التام: التصرف التام في المملوك؛ ولهذا فإن لله وحده حق التصرف المطلق في جميع المخلوقات.

2.  المال مال الله، والمال: هو ما يتموَّلُهُ الإنسان ويستفيد منه، ويمكن إحرازه، وكل ما تحت سلطة الإنسان هو مما أعطاه الله إياه، ومما مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى إياه، فَمَا أُعْطِيتَهُ أَنْتَ -أيها الإنسان- هُوَ من جملة ما في هذا الكون الذي هو كله بيد رب العزة والجلال، وهو كله ملك لله سبحانه وتعالى وَأَنَّ اللَّهَ تعالى هو مالكه على الحقيقة؛ ولذلك أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: {وَآتُوهُمْ مّن مّالِ اللّهِ الّذِيَ آتَاكُمْ} [النور: 33]، فما عند الإنسان من مال هو في الحقيقة من الله -تبارك وتعالى- وهذا من لوازم ومقتضيات العقيدة التي يجب أن يفهمها الإنسان.

3. تسخير الله تعالى مَخْلُوقَاتِهِ لِنَفْعِ الْإِنْسَانِ: فَاللَّهُ تَعَالَى -بمحض فضله- سَخَّرَ للإنسان ما خَلَقَهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وهَيَّأَ لها سُبُلَ هَذَا الانْتِفَاعِ بِمَا أَوْدَعُهُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَقْلٍ وَجَوَارِحَ، يَسْتَطِيعُ بِهَا الاهْتِدَاءَ إِلَى سُبُلِ الانْتِفَاعِ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ قال ربنا -تبارك وتعالى-: {وَسَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ} [الجاثية: 13] وقال جل ذكره: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]، وقال تعالى -ممتنًّا على الإنسان بما أودعه فيه مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له-: {قُلْ هُوَ الّذِيَ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مّا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23].

فالمُلك الحقيقي لله -تبارك وتعالى-، ومع هذا فقد أَذِنَ الله -بمحض فضله- للإنسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه، وأضافه الله إليه، وسماه مالكًا له؛ كما قال الله تعالى في كتابه: {وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مّنْ أَمْوَالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، وقال -جلَّ ذكره-: {وَاعْلَمُوَاْ أَنّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28]، فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للإنسان إضافة ملكٍ واختصاص، وفي الحديث الشريف: ((لَا يَحِلّ مال مسلم إلا بطيبٍ من نفسه))، فهذا الحديث الشريف يضيف المال للإنسان على وجه الملك له، ومع هذا فإن المُلْكَ الحقيقيَّ يبقى لله -تبارك وتعالى- لَأَنَّهُ يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيءٍ من الكون؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَأْثِرَ لِوَحْدِهِ بِمُلْكِ شَيْءٍ.

ومعنى ذلك أن إضافة الملك للإنسان هي من قبيل الإضافة التي يمكن أن نقول عنها: إضافة مجازية. أو أن نقول بأن الإنسان فيما يملكه هو وكيل فيه عن مالكه الحقيقي. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْضَعَ فِيمَا يَمْلُكُهُ إِلَى جَمِيعِ القيود والتنظيمات التي شَرَعَهَا المالك الحقيقي، وهو الله تبارك وتعالى، وأنه لا يجوز للإنسان أبدًا أن يخرج عن هذه القيود؛ فإن خرج عنها كان عاصيًا لأمر الله، واستحق العقاب المقرر في الشرعِ، وَقَدْ يُنْزَعُ مِنْهُ الملك نهائيًّا أو مؤقتًا -كليًّا أو جزئيًّا-، وقد أدرك فقهاؤنا -رَحِمَهُمُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْمَعَاني، وأشار بعضهم إليها، وذلك في تفسير الله -جل ذكره-: {وَأَنفِقُواْ مِمّا جَعَلَكُم مّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]؛ حيث قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: “وَفِي هَذَا دَلِيلٌ على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يُرضي الله”. ثم قال -رحمه الله تعالى-: “وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء؛ فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تُزَالَ عنكم إلى من بعدكم.

4. استعمال المال في مَرْضَاةِ اللَّهِ تعالى: فكل ما يؤتاه المسلم من مال يجب أن يستعمله في مرضاة الله؛ لتحقيق الغاية التي خُلِقَ من أجلها، وهي عبادة الله تعالى؛ لِيَظْفَرَ بالحياة الطيبة في الدار الآخرة، قال الله -تبارك وتعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا} [القصص: 77] وهذا لا يعني أن يَحْرِمَ الإنسان نفسه من الطيبات المباحة، أَوْ أَنْ يُرْهِقَ جسده بحرمانه مما يحتاج إليه؛ قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ} [الأعراف: 32].

5. الدُّنْيَا وسيلة لا غاية: فالدنيا – بكل ما فيها من متاعٍ وأموال – ليست هي الغاية للإنسان، وإنما هي وسيلة إلى الغاية التي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهِيَ إِعْدَادُ نَفْسِهِ للدَّارِ الْآخِرَةِ، وذلك لا يكون إلا بعبادة الله تعالى؛ فلا يجوز للإنسان أن ينسى هذه الغاية إذا ظَفَرَ بِوَسَائِلَ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، وَلَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا -أَوْ شَيْئًا منها- هِيَ غَايَتُهُ؛ فَمَتَاعُ الدُّنْيَا يَمِيلُ إليه المسلم كوسيلةٍ فقط تُسَهِّلُ له بلوغ الغاية التي خُلِقَ من أجلها، وينبغي أن يعلم أنه سيفارق هذه الوسائل قطعًا، ولا يبقى له إلا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته.

إِنَّ إدراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية؛ لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإنسان؛ لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الإنسان هي التي تضبطه من داخله؛ تضبط إرادته وقصده ونظرته وميله؛ فإذا انضبط الداخل سَهُلَ ضبط الخارج -أي: النشاط الخارجي للإنسان-، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعاني جميعًا في آياتٍ كثيرة: {إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7] وقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46].

وبالتالي نَعْرِفُ أَنَّ الْعَقِيدَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ أَسَاسُ النظام الإسلامي، بهذا الفهم الذي ذكرته الآن، وهو أن المالَ مالُ الله -تبارك وتعالى-، وأن العبد مستخلف في هذا المال، وأن الله هو الذي تفضل عليه وسخر له المال وسخر مخلوقاته؛ كي ينتفع بها الإنسان، وبالتالي على الإنسان أن يستخدم المال في مرضاة الله، وأن يجعل الدنيا وسيلة لا غاية، حتى يصل إلى الغاية المطلوبة، ألا وهي رضوان الله عز وجل، وعندئذٍ يتمتع بجنات الخلد التي أعدها الله -تبارك وتعالى- لعباده المتقين.

ثانيًا: خصائص النظام الاقتصادي:

ويَشْتَمِلُ عَلَى:

أ. خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي: المُطَّلِعُ على نظام الاقتصاد في الإسلام يَجده نظامًا فَريدًا بين النُّظُمِ الاقتصادية، وهناك مبادئ مهمة كثيرة، وخصائص فريدة بهذا النظام، وهي:

– النظام الاقتصادي في الإسلام نظام مستقل عن غيره من النظم، ولا يمكن بحالٍ أن يوصف بوصفٍ غير الإسلام، فقد أخطأ الذين حاولوا ربط هذا النظام بواحدٍ من النظم الاقتصادية السائدة -كالرأسمالية والاشتراكية-؛ لأن النظام الاقتصادي يختلف عن غيره في الأهداف والوسائل والتشريعات، واللقاء بينه وبين غيره من النظم في بعض الجزئيات لا يجعل منه نظامًا اشتراكيًّا أو رأس ماليًّا كما يزعم بعض الذين ينظرون إلى ظاهر الأمور نظرةً جزئية سطحية، ويجب أن يُعْلَمَ أن نظامنا الاقتصادي جزء من كل؛ فالاقتصاد في الإسلام يرتبط مع عقيدة الإسلام وخلق الإسلام وتشريعات الإسلام الأخرى، ولا يمكن أن يقوم النظام الإسلام الاقتصادي بعيدًا عن أنظمة الإسلام الأخرى؛ فلن يؤدي هذا النظام دورَه الصحيح في إصلاح الجانب المالي عند الأمة ما لم يعمل الإسلام عمله في إصلاح النفوس، وغرس القيم الفاضلة فيها، وإحاطة المجتمع بسوره الأخلاقي الذي يحكم مسيرة الفرد والمجتمع.

ب. النظام الاقتصادي في الإسلام نظام فطري: فعندما يتعامل الفرد وفق نظام الإسلام يجد هذا النظام قريبًا إلى فطرته، فلا تجد صدودًا عن التعامل به، فَالْإِنْسَانُ مَفْطُورٌ عَلَى حُبِّ التَّمَلُّكِ، وَالْإِسْلَامِ يُبِيحُ الْمِلْكِيَّةَ فِي أَوْسَعِ صوَرِهَا، وكل ما يفعله هو تقييدها بقيود؛ حتى لا تضر الفرد والمجتمع، وكذلك يبيح الإسلام له من العمل ما لا يضر بنفسه أو بغيره من الأفراد أو من المجتمعات، وإذا نظرنا في النظام الشيوعي لوجدناه نظامًا يُصَادِمُ الفطرة الإنسانية؛ حيث يمنع أصحابه من ملكية وسائل الإنتاج، فيتحول الشعب إلى عمالٍ عند الدولة، وفي سبيل تحقيق هذا المبدأ استُوْلِيَ على الأراضي والمصانع والمنشآت.

وَلَمَّا كَانَ الإنسان مَفْطُورًا عَلَى حُبِّ التَّمَلُّكِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ تحت هذا النظام ثَارُوا، فَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ أَنْهَارًا؛ لقد قتل الشيوعيُّونَ في روسيا أكثر من ثلاثين مليونًا من البشر، هذا عدا الذين سَجَنُوهُمْ أو نَفَوْهُمْ، ويصادم النظام الشيوعي الفطرة الإنسانية من جانبٍ آخر؛ فهو يطالب كل عاملٍ في الدولة أن يبذل كل ما يستطيع في سبيل تحقيق الغاية من العمل الذي يقوم به، ولكنه لا يعطيه ما يكافئ جهده، بل يعطيه من المال ما يسد حاجته، والإنسان مفطور على أن يبذل من الجهد بمقدار ما يتوقع من المكافأة؛ فإذا كانت المكافأة محدودة قل الجهد، وَدَفَعَ ذلك الْعُمَّالَ إِلَى التقاعس عن العمل، وبالتالي يقل الإنتاج، وإذا نظرنا في نظام الإقطاع لوجدناه يصادم الفطرة الإنسانية أيضًا؛ فلم يكن ليسمح -ولا يمكن أن يُسْمَحَ- للإنسان أن ينتقل من مجال عملٍ إلى مجالٍ آخر، فكل عملٍ مقصور على فئةٍ معينة، وهذا يخالف الفطرة الإنسانية، فالمرء قد لا يناسبه عمل معين، ويناسبه غيره.

جـ. الاعتدال والتوازن: وهو من أهم خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام؛ حيث إن مشكلة الأنظمة الاقتصادية التي تختلف عن الإسلام أنها ترى جانبًا واحدًا من الحقيقة، ويخفى عليها بقية الجوانب، أما الإسلام فقد تَفَرَّدَ في ذلك، فجاء نظامه الاقتصادي معتدلًا متوازنًا، ويتضح هذا للناظر في النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي وضع التشريعات الكثيرة لحماية حرية الملكية الفردية وحرية العمل، ولكنه أهمل إهمالًا كبيرًا رعاية حق المجتمع، فنال الأغنياء والأثرياء في تلك المجتمعات أكثر من حقهم، فَنَشَأَتْ عَنْ ذَلِكَ مَظَالِمُ كثيرة، ووقع الضرر بالآخرين.

وإذا نظرنا في النظام الشيوعي لوجدنا واضعيه يهدفون إلى تحقيق مصلحة المجتمع، ولكنهم في سبِيل تَحقيق ذلك ظلموا الفردَ، ومنعوه من حقوقهِ في المِلكيَّة والعملِ، وجاء الإسلامُ وحده؛ ليضع نظامًا صالحًا لإقامة حياة الأفراد وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه؛ لا يُظْلَمُ فيه الفردُ ولا المجتمع، وهذا ما لا نجده في النظم الأرضية البشرية.

د. تحقيق التراحم والتعاون: إن الإسلام يقيم نظامًا اقتصاديًّا، ينسجم في مساره مع هدف الإسلام في إقامة المجتمع الإسلامي المتراحم المتعاون؛ فالتشريعات الاقتصادية الإسلامية توجه الأغنياء إلى السعي في مصالح الفقراء، وتقديم العون لهم، وسد احتياجاتهم، وليس لهم في ذلك مِنَّةٌ، بل هو أمر إلهي رباني، يُعَاقَبُ مَن حَادَ عنه؛ فالمسلمون كلهم إخوة فيما بينهم، ويقول لنا الإسلام: إن المال الذي في أيدينا مال الله، وللفقراء حق في أموالنا، ويفرض في سبيل تحقيق هذا فرائض -كالزكاة والخمس من الغنيمة والخراج-، ويحثنا على الصدقات والإنفاق، وهذا يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا تسوده الألفة والمودة بين أبناء هذا المجتمع، ويتحقق فيه التواصل، والتراحم، والتعاون، والبر، والمودة، وما إلى ذلك.

وإذا نظرنا إلى المجتمع الشيوعي لوجدنا أن أحد أعمِدَتِهِ التي يقوم عليها هو الصراع بين طبقات المجتمع، هذا الصراع هو الذي يُؤَدِّي إلى العداوة والبغضاء وسفك الدماء ونهب الأموال، ومن ينظر في حال الدول الشيوعية يعلم صدق هذا الذي نقوله.

والمجتمعات الرأسمالية لا تخلو من هذا المرض؛ فالفارق هناك بين البشر كبير؛ فئة كبيرة هي التي تملك الثروة، وبقية الأفراد لا يملكون إلا القليل، والأغنياء هناك لا شأن لهم بالفقراء؛ فالمال مالهم، ولا شأن لأحدٍ بهم، وهذا يدعو إلى قطيعة هذه المجتمعات والنفرة فيما بينهما بعكس ما جاء به الإسلام والنظام الاقتصادي.

هـ. النظام الاقتصادي الإسلامي نظامٌ يقوم على أخلاق الإسلام وَقِيَمِهِ:

لقد قام النظام الإسلامي على إتاحة فرص العمل أمام جميع أفراد المجتمع الإسلامي، كما أباح التَّمَلُّكَ لَهُمْ عَلَى حَدٍّ سواء، ولكنه لم يترك ذلك فوضى من غير حدودٍ ولا ضوابط؛ لقد عنى الإسلام بغرس الأخلاق الفاضلة والقيم الحميدة التي تُقِيمُ من الإنسان حارسًا على نفسه، تمنعه من التصرفات الخاطئة؛ ولذلك تجد كثيرًا من المسلمين لا يسرقون، ولا يغشون، ولا يحتكرون، ولا يكذبون في التعامل، مع قدرتهم على هذا كله؛ لخوفهم من الله -تبارك وتعالى-، بل ترى النوم قد جفاهم، وملأ القلق نفوسهم إذا دخل شيء من المال في حيازتهم؛ لكونهم لم يعرفوا حُكْمَهُ الشرعي، ولا يهدأ لهم بالٌ حتى يَقِفوا على حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ، وتراهم يتخلصون منه، ويبذلونه في مصارفه الشرعية؛ إذا تبيَّن لهم أنه لا يحل لهم.

ولا يكتفي الإسلام بغرس التقوى والخلق القويم في النفس الإنسانية، ولكنه أيضًا يضع الضوابط الشرعية التي تحكم التصرفات العملية، ويأمر الدولة الإسلامية أن تقوم على مراعاة هذه الضوابط والأحكام؛ فهناك مصادر للمال لا يرضاها الإسلام، ولا يجيز لأبنائه التعامل من خلالها؛ كالسرقة، والغش، والزنا، وبيع المحرمات -كالخمر والخنزير-، وأكل مال اليتيم، والغلول من الغنيمة، ونحو ذلك.

وإذا نظرنا إلى المجتمع الرَّأْسِمَالِيِّ البعيد عن هذه الضوابط، سنجده يقيم الصروح الضخمة التي تُدَمِّرُ القيم والأخلاق، وتؤدي إلى الظلم والاستبداد، فالبنوك الربوية التي تَمْحَقُ الكسب تقوم في كل مدينة وقرية، وتستخدم جيوشًا من العمال والموظفين؛ كي تُحَقِّقَ الكسب الحرام لفريق من البشر، والعمارات الشاهقة ترتفع في كثيرٍ من المدن؛ لتتاجر بالأعراض وتتاجر بالأموال، والأموال هناك تُبْذَلُ بِسَخَاءٍ؛ لإقامة العروض الفاجرة باسم الفنِّ.

وفي ظل النظام الرأسمالي يزداد الإسراف في الإنفاق، فتحرق المحاصيل؛ حتى لا ترخص الأسعار، وتوزع مناطق النفوذ على الأغنياء، وكل هذه الأفعال إنما صدرت من هؤلاء القوم؛ لأنهم لا يعرفون الأخلاق، أما الإسلام فقد جاء بتعاليم كريمةٍ شريفة عظيمة، وخصائص فريدة أقام من خلالها صروح العدل والكرامة؛ ولذلك نقول إنه من الخصائصِ العظيمة في الاقتصاد الإسلامي: أنه اقتصاد يقوم على أخلاق الإسلام والقيم الإسلامية، وهذا ما لا يتوفر في أَيِّ نظامٍ من الأنظمة الأخرى؛ لأنه جاء من عند الله -تبارك وتعالى-؛ لذا يجب علينا نحن المسلمين أن ننتبه ونفهم هذه الخصائص، فنتعلمها ونعمل بها.

ثالثًا: المبادئ العامة في النظام الاقتصادي الإسلامي، وخصائصه:

يشمل النظام الاقتصادي الإسلامي على جملة كبيرة من الخصائص والمبادئ العامة، والتي تقوم على أساس العقيدة الإسلامية والفطرة الإنسانية والمصلحة العامة، وعن هذه المبادئ تتفرع جزئيَّاتٌ كثيرةٌ وتنظيمات مختلفة، ومن هذه المبادئ العامة؛ “حرية العمل” و”حق الملكية” و”حق الإرث”:

المبدأ الأول: “حرية العمل”:

فالإسلام يحث على العمل، ويكره العجز والكسل، وأشرف الأعمال وأعظمها قدرًا عند الله ما يُقرِّبُ عِبَادَهُ إليه عز وجل، مِن العبادات الخالصة؛ كالصلاة، والصيام، وجميع الأعمال المباحة إذا اقترنت بها النية الصاحية.

وَفِي بَابِ الْكَسْبِ وَالنَّشَاطِ الاقْتِصَادِيِّ يحث الإسلام على العمل، ويبارك العامل، ويثني على جهده وكسبه الحلال، وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك في قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللّهِ} [الجمعة: 10]، وقال تعالى: {هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النّشُورُ} [الملك: 15]، وفي الحديث الشريف: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَط خَيْرٌ من أن يأكل من عَمِلِ يَدِهِ))، والحَثُّ على العمل وبذلِ النشاط الاجتماعي والاقتصادي جاء عامًّا مطلقًا، وعلى هذا فإنه يشمل جميع أنواع النشاط الاقتصادي، ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب، وذلك مثل: التجارة، والزراعة، والصناعة، والشركة، والمضاربة، والإجارة، وسائر ما يُباشره الإنسان من أوجه العمل للكسب الحلال.

ولا تنقص قيمة الإنسان في نظر الإسلام بمباشرة أي عملٍ حلال -وإن عَدَّهُ الناسُ عملًا بسيطًا أو حقيرًا؛ لأن قيمة الإنسان في الإسلام بدينه وتقواه، لا بماله ومهنته؛ ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة كما وجدنا بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم يؤجرون أنفسهم لغيرهم؛ للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء أجرٍ معلوم.

كما حَثَّ الإسلام على إعانة الفقير، وجعل المُعِينَ خيرًا من المُعَانِ من جهة نَوَالِ الأجر والثَّوابِ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى))، وهذا يدعو إلى العمل وإلى الكسب المباح، وإلى أن يسعى الإنسان، وأن يبذل قصارى جهده في أن يُؤَمِّنَ له ولمَنْ يعول ما يحتاجون إليه، وهذا من المبادئ العامة التي أتى بها الإسلام.

المبدأ الثاني: حق الملكية الفردية:

لقد أقرَّ الإسلامُ للأفرادِ بحق الملكية الفردية، وبهذا الإقرار أمكن للفرد أن يكون مالكًا؛ يقول الحقُّ -تبارك وتعالى-: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا خَلَقْنَا لَهُم مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71]، فأثبت الله تعالى هنا للناس الملك؛ لما خلقه الله سبحانه وتعالى، وقد قال تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، فأثبتت هذه الآية الملك للناس، وأضافت المال إليهم إضافة ملكٍ واختصاص،وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّىَ يَبْلُغَ أَشُدّهُ} [الأنعام: 152]، وقال: {وَسَيُجَنّبُهَا الأتْقَى (17) الّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكّىَ} [الليل: 17-18].

فهذه الآيات الكريمات وأمثالها تضيف المال للإنسان؛ مما يدل دلالة قاطعةً واضحة على أن الإسلام يقر مبدأ الملكية الفردية، وفي السُّنَّةِ الشيء الكثير من الأحاديث الشريفة التي تُقَرِّرُ هذا المبدأ، ومن ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم: ((لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ))، وقد جاءت نظم الإسلام قائمة على هذا الأساس ألا وهو الإقرار بمبدأ حق الملكية الفردية، وَمِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ وَالزَّكَاةُ، وَالْمُهُورُ فِي النِّكَاحِ، والنفقات، وغير ذلك؛ إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث، ولا يمكن تحقيق فرض الزكاة.

والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرق بين مالٍ ومال، فلا تقيد المال بصفة معينة؛ فسواء كان المال المملوك منقولًا أو عقارًا؛ مأكولًا أو غير مأكول؛ حيوانًا أو نباتًا؛ وسائل إنتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال لا يهم؛ فالمال المضاف إلى الفرد يضاف إضافة ملكٍ واختصاص، لكن هناك من الأشياء ما حرم الإسلام ملكيته، مثل حُرمة تملك الخمر والخنزير، أو ما كان سبب ملكه حرامًا، وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكًا؛ كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك.

وقد رَتَّبَ الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزامًا عامًّا يجب احترامه، يقول الحق تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، وقال: {وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىَ أَمْوَالِكُمْ إِنّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2]، ومن السُّنَّة قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ((لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ))، كما قرر الإسلام عقابًا لمن ينقض هذا الالتزام، ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الأمانة والنهي ونحو ذلك؛ سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدودٍ أم تعذير.

وإقرار الإسلام بحق الملكية الفردية لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد، فالإسلام مع إقراره بحق الملكية وحمايته له، نجده يُنَظِّمُ هذا الحق ويقيده بجملة قيود منذ نشأته إلى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفينِ بالنسبة لحق الملكية الفردية؛ الأول: الاعتراف به والحماية له، الثاني: التقييد والتنظيم لهذا الحق، وهذا التقييد يظهر في أمورٍ كثيرة جاءت بها الشريعة الإسلامية؛ فهناك وَضَعَ الإسلام أسبابًا شرعيةً للملكية – كالعمل أو الميراث أو ما إلى ذلك- أما أن يستولي الإنسان على المال الحرام، أو أن ينفق المال المباح الذي تَمَلَّكه في معصية الله فالإسلام يمنع كل ذلك.

المبدأ الثالث: حق الإرث:

وهو من المبادئ المقررة في الشرعِ الإسلامي؛ فإذا مات شخص، وترك مالًا، ورثه أقرباؤه، وقد أعطى الإسلام هذا الحق للأقرب فالأقرب، ونال المستحقون للميراث سهامًا معينة من تركة الميت، وذلك إذا تَوَفَّرَتْ شروط الميراث وأسبابه، وزالت موانعه حسب الشرعِ الإسلامي، وكما هو مقرر فيه.

يعد حقُّ الإرث نظامًا يحقق ضمانًا اجتماعيًّا لأفراد الأسرة الواحدة، وَيُفَتِّتُ الثَّرَوَاتِ، ويمنع تكديسها؛ حيث يقوم هذا النظام على أساسٍ من العدل؛ فالإنسان في حياته يعيل أولاده ومَن هو مكلف بِإِعَالَتِهِمْ -كأمه وأبيه وزوجته-، فمن العدل إذًا أن تكون أمواله بعد موته لأولئك الذين كان هو السبب في وجودهم -كأولاده- أو كانوا هم السبب في وجوده كأبويه؛ ليستعينوا جميعًا بهذه الأموال بالإنفاق منها على أنفسهم، كما كان هو في حياته ينفق منها عليهم.

ويقوم حق الإرث أيضًا على أساس احترام إرادة المالك، وذلك أن الإنسان يرغب رغبةً أكيدة أن تكون أمواله بعد موته لأقربائه لا لغيرهم، فيجب احترام إرادته في هذا، وأن تُدْفَعَ أمواله إلى ورثته من بعده، وَقَدْ فَصَّلَ الشَّرْعُ الْإِسْلَامِيّ الحكيم هذا، وَبَيَّنَ حِصَصَ هَؤُلَاءِ الْأَقْرِبَاء من الميراث على نحوٍ دقيق عادل.

ويدفع حقُّ الإرث الفردَ إلى بذل المزيد من النشاط والجهد؛ لأن الإنسان في حياته لا يعمل لنفسه فقط، وإنما لمن يَهُمُّهُ شأنُهم من أفراد أسرته أيضًا، فالإنسان يكد ويتعب ويجتهد في حياته ويعمل؛ ليسد حاجات أهله ومن يعول، وكما أنه يعمل لتوفير حاجاتهم الحاضرة، فكذلك يبذل أيضًا جهدًا آخر؛ لتوفير ما يسد حاجاتهم في المستقبل؛ فإن بقي في قيد الحياة تولى الإنفاق بنفسه عليهم، وإن مات هو تولوا هم بأنفسهم الإنفاق من أمواله التي تركها لهم.

وعلى هذا فإذا مُنِعَ التَّوَارُثُ؛ فإن الإنسان تضعف همته في العمل، ويقل نشاطه الاقتصادي؛ لأنه يعلم أن ثمرة جهده لن ترجع إلى أفراد أسرته الذين يهتم بأمرهم، ولا شك أن المجتمع سيخسر كثيرًا من فتور الناس عن العمل، ومن ضعف دوافعهم على بذل كل ما يستطيعون من جهدٍ ونشاطٍ اقتصادي.

ومبدأ الميراث يحقق في الحقيقة ضمانًا اجتماعيًّا داخل الأسرة؛ لما يوفره من أموالٍ تعود إلى الأحياء منهم إذا مات أحدهم، وترك مالًا؛ فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا يصيرون عالة على المجتمع، وفي هذا تخفيف عن كاهل الدولة في سد حاجات المحتاجين.

وكذلك الميراث أيضًا: يُفَتِّتُ الثَّرَوَاتِ، وَيَمْنَعُ مِنْ تَكْدِيسِهَ في أيدٍ قليلة؛ لأن تَرِكَةَ الإنسان بعد موته تُقَسَّمُ عَلَى عَدَدٍ غَيْرِ قَلِيلٍ من أقاربه، ولما كان الإنسان غير مخلدٍ في الدنيا، فإن الثروة التي يجمعها الإنسان في حياته لا بد أن تتفتت بعد زمنٍ قصير، وتفتيت الثروات الكبيرة مما يُرَغِّبُ فِيهِ الإسلام، ويسلك لتحقيقه سبلًا كثيرة هادئة مريحة، لا عنف فيها ولا اهتزاز، ومن هذه السبل تقرير مبدأ الميراث؛ فتنظيم الإرث في الإسلام جاء إذًا على غايةٍ من العدل والدقة، مما لا نجد له نظيرًا مطلقًا في أي شرعٍ آخر.

وقد حرصت أن أُفَصِّلُ هذا، وأبينه؛ كي أرد به على من يتعرضون ويقفون أمام أنظمة الإسلام وشرائعه التي جاء بها كتاب الله، وبينها رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم وبكل ذلك يتضح لنا ويظهر أن نظام الإسلام الاقتصادي أيضًا هو نظام فريد يلبي حاجة الأفراد والمجتمعات، وهو النظام الوحيد القادر على أن يقيم نظامًا اجتماعيًّا يَتَّسِم أَفرادُهُ فيه بِالرَّاحَةِ والهدوء والمودة والصلة والتراحم.

رابعًا: دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي:

أ. دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي: يُعد الاقتصاد الإسلامي هو المنهج الاقتصادي الوحيد الذي يتوافر له التجاوب لدى الشعوب الإسلامية، فالعالم الإسلامي فِي تَوَسُّعٍ مطَّردٍ، ولعل الإسلام اليوم أكثر الأديان نموًّا، وَتَرْتَبِطُ جُمُوعُه الإسلامية جميعها بتعاليمه؛ عقائديًّا، وسياسيًّا واقتصاديًّا، فالإسلام هو خير سبيل لتحريك هذه الجموع والحصول على استجابتها السريعة، فالشريعة الإسلامية هي أَسَاسَ النظام الاقتصاد الإِسلامي؛ لذلك يتمسك المسلمون بأحكام هذا النظام مؤمنين بقدسيتها ووجوب تنفيذ أحكامه بحكم عقيدتهم وإيمانهم أن الإسلام دين نزل من السماء على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يقتصر على مجرد العبادة والهداية الروحية، ولكنه أُسْلُوبٌ لِلْحَياة، فيجدر بنا إذن أن نقيم اقتصادنا على أساس تعاليم الإسلام؛ لنضمن له الفاعلية وقوة التنفيذ، وهو غاية ما يتطلع إليه أَيُّ تنظيم اقتصادي ينشد النجاح والاستقرار.

ومن هنا تبرز أهميةُ الاقتصاد الإسلامي ودوره بالنسبة للعالم الإسلامي، وبوصفه للمنهج الاقتصادي الذي تَرْتَبِطُ به عقائديًّا جماهير هذا العالم، وتتوافر له الفاعلية وقوة التنفيذ.

وثمة نقطة أخرى تُحَتِّمُ على المسئولين في العالم الإسلامي إعمال الاقتصاد الإسلامي والتزامه، وهي القضاء على هذا التمزق الذي يعاني منه أفراد الأمة الإسلامية موزعين بين ضميرهم الديني وقوانينهم الوضعية، فهذه القوانين الوضعية تواجه نفوسًا أبيَّةً لدى المسلمين، وتؤرِّق ضمائِرَهم، وبالتالي تجعلهم قلقين متفرقين متمزقين، ولا يُلَبِّي، وَلا يَقُومُ بدورٍ حقيقيٍ لدى المسلمين إلا ما جاء به النظام الإسلامي.

ومن هنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي، ويبرز دوره بالنسبة للعالم الإسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي الذي يحقق لجماهير هذا العالم الوحدة والتناسق بين حياتهم المادية وحياتهم الروحية. ب. للاقتصاد الإسلامي دور كبير بالنسبة للعالم أجمع: فقد أشرنا إلى أن العالم الإسلامي يتجاذبه اتجاهان؛ الاتجاه الرأسمالي والاتجاه الاشتراكي، ولكلٍ منهما مساوئ، كما أشرنا إلى أن الإسلام اتخذ اتجاهًا خاصًّا، وسياسة اقتصادية متميزة، وهي سياسة تجمع بين المصلحتين؛ الخاصة والعامة، فتجمع بين المصلحة المادية والحياة الروحية؛ وإذا كانت السياسة الاقتصادية الإسلامية تُوَفِّقُ بين كافة المصالح المتعارضة بما يحقق الصالح العام، وَتُقَدِّمُ الحل العملي للمشكلة الاقتصادية، وبالتالي لمشكلة الحرب والسلام؛ فإنه لمن الخير للبشرية كلها أن تأخذ بالإسلام، وأن تعرف دوره في ذلك، وأنه هو الوحيد الذي يلبي لها احتياجاتها، وهو الوحيد الذي يسهم في الاقتصاد وفي حل مشاكل العالم الاقتصاديَّة، ومن هنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي ودوره بالنسبة للعالم أجمع.

error: النص محمي !!