Top
Image Alt

تعريف التحكيم، ومشروعيته، وأدلة هذه المشروعية

  /  تعريف التحكيم، ومشروعيته، وأدلة هذه المشروعية

تعريف التحكيم، ومشروعيته، وأدلة هذه المشروعية

تعريف التحكيم:

التحكيم لغة: يقال في اللغة: حكَّمه في الأمر تحكيمًا، أي: أمره أن يحكم، وحكَّمت الرجل: فوَّضت إليه الحكم، وتحكَّم: جار في حكمه.

التحكيم اصطلاحًا: اختيار الخصوم شخصًا, أو عدة أشخاص غير قضاة؛ للحكم بينهم فيما تنازعوا فيه. وعلى أية حال؛ فإنَّ نظام التحكيم عُرِفَ عند العرب في الجاهلية، وقد كان المحكّم هو صاحب الرأي، فإذا وقعت خصومة احتَكَم إليه طرفاها، وأكثر ما كانت تقع الخصومة بين العرب في المفاخرة والمنافرة، والمنافرة: أن يقول: أنا أكثر منك نفرًا، وكثيرًا ما كانت هذه الأمور من المفاخرة بالآباء والأجداد، والمنافرة والتعالي بالأهل كثيرًا ما كانت تؤدي إلى اشتعال الحروب بين القبائل، فينتهي ذلك أحيانًا إلى التحكيم؛ لإنهاء هذا النزاع.

وفي وقتنا الحاضر قد لا يلجأ الخصمان إلى القاضي للفصل في الخصومة بينهما، وإنما يلجآن إلى شخص لا يتولَّى منصب القضاء فيحكّمانه بينهما؛ إمَّا لبعدهما عن مكان القضاء -المحكمة- أو اختصارًا لإجراءات التقاضي، أو لأيِّ غرض آخر، وهذا هو الحكم أو المحكّم.

هل التحكيم مشروع؟

يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة جواز التحكيم، وبه قال فريق من الشافعية، وقال آخرون بعدم جواز التحكيم، وعلَّلوا ذلك بأنَّ التحكيم فيه افتئات على سلطة الحاكم ونوَّابه؛ أي: فيه جرأة وفيه اقتحام لأمرٍ مهم، هو من أهم وظائف الحاكم، أو من يُنيبه عنه، لكن هذا التعليل غير مسلَّم به؛ لأن المحكّم ليس له سلطة الحبس، ولا استيفاء عقوبة لإنسان ثبت عنده ما يستوجبها عند رئيس الدولة ولا نوَّابه، وعلى هذا فلا يتحقق هذا الافتئات عليهم، أي: التعليل بأن في سلطة التحكيم افتئاتًا على الحاكم أو على نائبه، هذا غير مسلَّم؛ لأنه لا يتدخل في الشئون الخاصة بالحاكم ولا بالقاضي، إنما هو يحكم في قضايا؛ إمَّا لأن القاضي فوَّضه فيها، وإمَّا لأن الخصمين اختاراه ليحكم بينهما فيها دون اللجوء إلى القضاء، وهي قضايا سهلة بسيطة لا تحتاج إلى استيفاء عقوبة، ولا تحتاج إلى بينات، ولا تحتاج إلى سلطة الحبس، ولا تحتاج إلى سلطات أخرى؛ إنما في الأمور السهلة اليسيرة.

ويرى بعض الشافعية جواز التحكيم, بشرط عدم وجود قاضٍ بالبلد؛ لأنه في هذه الحالة توجد الضرورة المجيزة لذلك، أما إذا كان بالبلد قاضٍ فلا يجوز التحكيم؛ لعدم وجود الضرورة.

إذًا: عندنا في مشروعية التحكيم رأيان؛ رأي الجمهور وهو جواز التحكيم، ورأي بعض الفقهاء من الشافعية أن هذا لا يجوز إلا عند الضرورة، والراجح هو قول الجمهور: إنّ التحكيم يجوز, خصوصًا وأن ليس فيه افتيات في الواقع على سلطة الحاكم أو نائبه.

أما دليل هذه المشروعية, فقد استدلَّ القائلون بها بأدلة متعددة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أمَّا الكتاب فمنه قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} بين الزوج والزوجة {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35], وقد أمرنا الله بإرسال الحَكَمين إذا خفنا الشقاق بين الزوجين؛ أملًا في الإصلاح بينهما.

واستدلوا كذلك من السنة بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ حكم سعد بن معاذ الأنصاري في بني قريظة، ومعروفة قضية بني قريظة وأنهم خانوا الله ورسوله، وتحالفوا مع الأعداء في وقت عصيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم حكَّم فيهم سعد بن معاذ الأنصاري. استدلوا كذلك بأنَّ أبا شريح قال: يا رسول الله، إن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني فحكمتُ بينهم، فرضي عنِّي الفريقان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما أحسن هذا))، فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التصرف، مما يدل على مشروعيته.

وقد كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبيّ بن كعب رضي الله عنه منازعة في نخل، فحكَّما بينهما زيد بن ثابت -أي: ارتضياه حكمًا- وهذا وغيره مما يدل دلالة قاطعة على أن التحكيم كان معمولًا به في عهد الصحابة رضي الله عنهم، بل إنَّ سلطانه قد امتدَّ ليشمل الأمور المهمَّة في الدولة، ولعلَّ اقتراح التحكيم المشهور في التاريخ الإسلامي بين سيدنا معاوية وسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم والقبول بأصل التحكيم على أنه أصل يُعتدّ به يدل على ذلك، ويدل على أنَّ الصحابة كانوا يعتبرون التحكيم أمرًا مشروعًا.

وأمَّا الإجماع, فقد أجمع العلماء على جواز التحكيم، واشتهر ذلك دون نكير، والعقل يقضي بجواز التحكيم، ما دام كل من طرفي النزاع قد رضي به، وهو أهل لذلك، فكان التحكيم جائزًا، وهو مشهور الآن حتى على المستوى الدولي، وينتهي أحيانًا برضا الطرفين.

error: النص محمي !!