Top
Image Alt

تعريف الترجمة في اللغة والعرف

  /  تعريف الترجمة في اللغة والعرف

تعريف الترجمة في اللغة والعرف

1. تمهيد:

إن نجاح الدعوة الإسلامية يتوقف إلى حد كبير على التقارب بين الداعية وأمته؛ فالداعية الذي ينبت من صميم البيئة يكون على دراية كاملة بمسالك الغواية ودروب الجهالة التي يغشاها قومه، يعرف نفوسهم والأبواب التي يطرقها منها حتى تتفتح لتعاليم دعوته، وتهتدي بهداها.

والتخاطب بينهما بلسان واحد رمزٌ للتجانس الاجتماعي في جميع صوره، وفي هذا يقول رب العالمين سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] وقد نزل القرآن الكريم على الرسول العربي صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين فكانت هذه الظاهرة ضرورة اجتماعية لنجاح رسالة الإسلام.

ومنذ ذلك الحين أصبحت اللغة العربية جزءًا من كيان الإسلام؛ لأن القرآن الكريم الذي نزل بلسان العرب رفع من شأنها، وأعلى من مكانها، وأصبحت بذلك أساسًا للتخاطب في إبلاغ دعوة الإسلام، وكانت بعثة رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى الإنسانية كلها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب ذلك قرأ على قومه وأعلن عليهم ما جاء في كتاب ربه قائلًا: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158] وقال سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}.

فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنها دعوة عالمية؛ وقد نشأت نواة الدولة الإسلامية في جزيرة العرب، ولا شك أن اللغة تحيا بحياة أمتها، وتموت بموتها؛ فكانت نشأة الدولة الإسلامية على هذا النحو حياة للغة العربية؛ فالقرآن هو وحي الإسلام والإسلام هو دين الله المفروض، ولن يتأتى معرفة أصوله وأسسه إلا إذا فُهم القرآن بلغته، فأخذت موجة الفتح الإسلامي تمتد إلى الألسنة الأخرى الأعجمية؛ فتعربها بالإسلام وصار لزامًا على كل من يدخل في حوزة هذا الدين الجديد أن يستجيب له في لغة كتابه باطنًا وظاهرًا، حتى يستطيع القيام بواجباته، ولم يكن هناك حاجة وقتئذ إلى ترجمة القرآن، ولا شك في ذلك؛ لأنه إذا ترجم اللسان ليتفق مع لغة القرآن الكريم؛ فلا حاجة إذن إلى ترجمة القرآن الكريم، ما دام القرآن قد ترجم لسانه وعربه إيمانًا وتسليمًا.

والقصد من ذلك دعوة من دخل في الإسلام إلى أن يتعلم القرآن الكريم؛ لأنه سيُصلي به لله -تبارك وتعالى- ويفهم من خلال معرفته للغة التي نزل بها القرآن الكريم ماذا أراد رب العالمين سبحانه وتعالى منه، وماذا نهاه رب العالمين سبحانه وتعالى.

2. أهمية هذا البحث:

لا بد لي أن أوجه الأذهان في فاتحة هذا المبحث إلى أهميته وخطره من نواحٍ ثلاث:

أولاها: دقته وغموضه إلى حدٍّ جعل علماءنا يختلفون فيه قديمًا وحديثًا، وجعل العالم الإسلامي منذ أعوام ميدانًا لتطاحن الأفكار والآراء فيه منعًا وتجويزًا.

ثانيها: أن كثيرًا من الناس قاموا في زعمهم بنقل القرآن إلى لغات كثيرة، وترجمات متعددة، بلغت بإحصاء بعض الباحثين مائة وعشرين ترجمة في خمسٍ وثلاثين لغة، ما بين شرقية وغربية، وتكرر طبع هذه الترجمات حتى إن ترجمة واحدة -هي ترجمة جورج سيل الإنجليزي- طبعت أربعًا وثلاثين مرة، وأوفر هذه الترجمات وأكثرها طبعًا هي الترجمات الإنكليزية فالفرنسية فالألمانية فالإيطالية، كما تُرجم إلى لغات أخرى متعددة منها: الفارسية، والتركية، والصينية، واللاتينية، والأفغانية، والجاوية، والأردية. ومن هؤلاء الذين ترجموه مَن يحمل للإسلام عداوة ظاهرة، ومنهم مَن يحمل حبًّا له، ولكنه جاهل به، وعدو عاقل خير من صديق جاهل.

ثالثها: وقوع أغلاطٌ فاحشة في هذه التي سموها ترجمات، وكان وجودها معولًا هدامًا لبناء مجد الإسلام، ومحاولة سيئة لزلزلة الوحدة الدينية واللغوية والاجتماعية لأمتنا الإسلامية، صانها رب العباد سبحانه وتعالى.

وأمام هذه الوقائع القائمة، والحقائق الماثلة، والمحاولات الخطيرة، ما كان ينبغي لنا أن نقف مكتوفي الأيدي، مكممي الأفواه، كأن الأمر لا يعنينا في قليل ولا كثير، على حين أن الذي وضع منهم فكرة هذه الترجمات، وتولى كبر هذه المؤامرة رجل من رجال دينهم، ومطران من مطارنتهم يدعى يعقوب بن الصليبي، إذ خيل إلى قومه أنه ترجم آيات جمة من القرآن باللسان السرياني في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم نشرت خلاصتها في هذا القرن المنصرم سنة 1925 ميلادية، نقلًا عن نسخة مخطوطة بالمتحف البريطاني بلندن مشفوعة بترجمة إنجليزية لها، وتابع هذا المطران أحبار ورهبان كانوا أسبق من غيرهم في هذا الميدان. وأنت خبير بما يريدون، وربي سبحانه وتعالى هو أعلم بما يبيتون.

وإن شئت فارجع في ذلك إلى محاضرات “ألفكنت دي ترازي”، ثم انظر ما كتبه العلامة أبو عبد الله الزنجاني في كتابه (تاريخ القرآن) إذ يقول: “ربما كانت أول ترجمة إلى اللغة اللاتينية لغة العلم في أوروبا، وذلك سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين ميلادية، بقلم “كنت” الذي استعان في عمله ببطرس الطليطلي، وعالم ثان عربي؛ فيكون القرآن قد دخل أوروبا عن طريق الأندلس، وكان الغرض من ترجمته عرضه على “دي كلوني”، بقصد الرد عليه. ونجد فيما بعد أن القرآن تُرجم ونُشر باللاتينية سنة 1509 ميلادية، ولكن لم يُسمح للقراء أن يقتنوه ويتداولوه؛ لأن طبعته لم تكن مصحوبة بالردود، وفي عام 1594 ميلادية أصدر “هين كالمان” ترجمته وجاءت على الأثر سنة 1598 ميلادية، طبعت مرادشي مصحوبة بالردود”. انتهى ما ذكره العلامة أبو عبد الله الزنجاني في كتابه (تاريخ القرآن) -رحمه الله تبارك وتعالى.

ولعلك معي ترى أنه يجب علينا بإزاء ذلك أن ندلي برأي سديد في هذا الأمر الجلل؛ لنعلم ما يراد بنا وبقرآننا، ولننصر إلى أي طريق نحن مسوقون، عسى أن يدفعنا هذا التحري والتثبت إلى اتخاذ إجراء حازم ننتصف فيه للحق من الباطل، ونؤدي به رسالتنا في نشر هداية الإسلام والقرآن على بصيرة ونور، ثم ألا ترى معي أنه يجب علينا بإزاء ذلك أيضًا أن نتجرد في هذا البحث عن العصبية والغايات الشخصية؛ فنمسه مسًّا رقيقًا هادئًا، وندرسه دراسة واسعة منظمة، ونلتزم فيه أدب البحث، وإنصاف الباحث، ونجعل الله وحده غايتنا فيما نحاول ونعالج والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ولنبدأ الكلام ببيان معنى الترجمة لغةً وعرفًا؛ ثم بتقسيمها إلى حرفية وتفسيرية، ثم ببيان الفرق بين الترجمة والتفسير؛ لأن تحديد معاني الألفاظ، وتحقيق المراد منها، مجهود مهم ومفيد، لا سيما ما كان من الأبحاث الخلافية، كهذا البحث الذي سأتحدث عنه -إن شاء الله تبارك وتعالى- في ثلاث محاضرات متتالية، ولقد هدى ربُ العباد سبحانه وتعالى إلى تحديد معاني الأمور الخلافية، أو تحرير محل النزاع حتى نقرِّب بين وجهات النظر المختلفة، وطالما كان خلاف المختلفين لفظيًّا لا حقيقيًّا؛ فإن النفي والإثبات بينهم لا شك أنه لن يأتي على أمر واحد؛ لأن بعض من اختلف في هذا الأمر كان خلافه لفظيًّا، ولكن هناك لا شك خلاف حقيقي في بعض المسائل لا بد أن أشير إليه في مكانه -إن شاء الله تبارك وتعالى.

وهذا الخلاف خاصة فيما يتعلق بالترجمة الحرفية للقرآن الكريم، وأعني بذلك أن ننقل القرآن الكريم بنصه من لغته لغة العرب إلى لغة أخرى غير عربية، وسأبين أن هذا لا يجوز بحال من الأحوال، وهذا سيكون في نهاية هذه البحوث العلمية التي سأتناولها في هذه المحاضرات بفضل رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه.

3. تعريف الترجمة لغةً وعرفًا:

الترجمة لغة:

الترجمة في اللغة تطلق على معان متعددة بعضها لغوي وبعضها عرفي عام، وهي في اللغة وضعت هذه الكلمة لتدل على أحد معانٍ أربعة:

أولها: تبليغ الكلام لمن لم يبلغه، ومنه قول الشاعر:

إنَّ الثمانينَ وبُلَّغْتَها

*قدْ أحوجَتْ سمعي إلى ترجمان

ثانيها: تفسير الكلام بلغته التي جاء بها، ومنه قيل في ابن عباس رضي الله عنه: “إنه ترجمان القرآن”. ولعل الزمخشري -رحمه الله- في كتابه (أساس البلاغة) يقصد هذا المعنى إذ يقول: “كل ما ترجم عن حال شيء فهو تفسرته”.

ثالثها: تفسير الكلام بلغة غير لغته، جاء في (لسان العرب) وفي (القاموس): أن الترجمان هو المفسر للكلام. وقال شارح (القاموس) ما نصه: “وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر، قاله الجوهري”.

أما الإطلاق أو المعنى الرابع الذي نعني به كلمة ترجمة في اللغة؛ فهو: نقل الكلام من لغة إلى أخرى. قال في (لسان العرب): “التَّرجُمان: بالضم والفتح هو الذي يترجم الكلام؛ أي: ينقله من لغة إلى أخرى، والجمع تراجم”. وشارح (القاموس) بعد أن أورد المعنى السابق في ترجمة وترجم عنه، قال: وقيل: “نقله من لغة إلى أخرى”.

ولكون هذه المعاني الأربعة فيها بيان، جاز على سبيل التوسع إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان، مما عدا هذه الأربعة؛ فقيل: ترجم لهذا الباب بكذا أي: عنون له، وترجم لفلان أي: بين تاريخه، وترجم حياته أي: بين ما كان فيها، وترجمة هذا الباب كذا أي: بيان المقصود منه وهلم جرّا.

الترجمة عُرفًا:

نريد بالعرف هنا عرف التخاطب العام، لا عرف طائفة خاصة ولا أمة معينة، قد جاء هذا العرف الذي تواضع عليه الناس جميعًا؛ فخص الترجمة بالمعنى الرابع اللغوي في إطلاقات اللغة السابقة، وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى، ومعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى التعبير عن معناه بكلام آخر من لغة أخرى، مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده، كأنك نقلت الكلام نفسه من لغته الأولى إلى اللغة الثانية، ويمكننا أن نعرف الترجمة في هذا العرف العام بعبارة مبسوطة فنقول: “هي التعبير عن معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى، مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده”.

فكلمة “التعبير”: جنسٌ وما بعده من القيود فصلٌ. وقولنا: “عن معنى كلام”: يخرج به التعبير عن المعنى القائم بالنفس، حين يخرج في صورة اللفظ أول مرة، وقولنا: “بكلام آخر” يخرج به التعبير عن المعنى بالكلام الأول نفسه، ولو تكرر ألف مرة. وقولنا: “من لغة أخرى” يخرج به التفسير بلغة الأصل، ويخرج به أيضًا التعبير بمرادف ما كان مرادفه، أو بكلام بدل آخر مساوٍ له، على وجه لا تفسير فيه، واللغة واحدة في الجميع. وقولنا: “مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده” يخرج به تفسير الكلام بلغة غير لغته؛ فإن التفسير لا يُشترط فيه الوفاء بكل معاني الأصل المفسر ومقاصده، بل يكفي فيه البيان ولو من وجهٍ.

error: النص محمي !!