Top
Image Alt

تعريف التعطيل وذكر مراتبه

  /  تعريف التعطيل وذكر مراتبه

تعريف التعطيل وذكر مراتبه

أ. تعريف التعطيل وبيان حقيقته:

قال في (الصحاح): “والعَطَل مصدر عطلت المرأة وتعطلت إذا خلا جيدها من القلائد، فهي عُطُل بالضم وعاطل ومِعْطَال، وقد يستخدم العطل في الخلو من الشيء وإن كان أصله في الحلي، يقال: عطل الرجل من المال والأدب فهو عُطْل وعُطُل، وقوس عطل أيضًا: لا وتر عليها، والأعطال من الإبل: التي لا أرسان عليها، وتعطل الرجل إذا بقي لا عمل له، والاسم العطلة، والأعطال: الرجال الذين لا سلاح معهم، والتعطيل هو التفريغ، وبئر معطلة لأن أهلها تركوها وشأنها، ولم يفعلوا لها شيئًا وليس بها ماء”.

وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): “ويقال لمن يجعل العالَم بزعمه فارغًا عن صانع أتقنه وزينه: معطل”.

ويظهر من خلال هذه المعاني والاستعمالات أن التعطيل يدور حول معاني الخلو والتفريغ، وهو ذات المعنى المستعمل في الاصطلاح وعليه المراد بالتعطيل في صفات الباري: نفي الصفات عنه سبحانه، والمراد بتعطيل نصوص الصفات: تفريغها وإخلاؤها من دلالتها الحقيقية على ما تضمنته من معان، وهذا هو التعطيل المحض الذي ذهب إليه الفلاسفة وقالوا به.

والفلاسفة هؤلاء في الحقيقة طائفة خالفوا كثيرًا من المعتقدات الصحيحة، ومنهم الفلاسفة الدهرية، والفلاسفة الدهرية طائفة شاذة من الفلاسفة تابعوا أرسطو، وخالفوا الأساطين المتقدمين من الفلاسفة، وعقيدتهم في الله تعطيل محض؛ لأنهم ذهبوا إلى أن الله عز وجل هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وليس له عندهم صفة ثبوتية تقوم به، ولا يفعل شيئًا باختياره ألبتة، ولا يعلم شيئًا من الموجودات أصلًا، لا يعلم عدد الأفلاك ولا شيئًا من المغيبات، ولا له كلام يقوم به، وغير ذلك من الانحراف والكفر والزندقة والضلال.

وهذا هو التعطيل المحض الذي قال به الفلاسفة الدهرية، كما ذهب إليه وإلى القول به القرامطة، وقد ذكروا ذلك صراحة، والقرامطة دعوة باطنية ظهرت في أيام المأمون على يد رجل يقال له حمدان قرمط، وهذه الدعوة الباطنية ليست من فرق الإسلام المنتسبة إليه، ولكنها من فرق المجوس، وضلالهم وضررهم على المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة؛ لأن هؤلاء ربما انتسبوا إلى الإسلام وغرروا بعض المسلمين.

وقد قال بالتعطيل أيضًا الجهمية والمعتزلة، مع نوع تكلف في دفع النصوص، حيث يجعلون الصفات الثبوتية لله عز وجل من قبيل السلوب والإضافات، وسأبيِّن هذا -إن شاء الله تبارك وتعالى- في مراتب التعطيل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى-: “وأصل النفاة المعطلة من الجهمية والمعتزلة أنهم يصفون الله بما لم يقم به بل بما قام بغيره، أو بما لم يوجد ويقولون: هذه إضافات لا صفات، فالأصل عند أصحاب هذا الاتجاه -أعني: أصحاب التعطيل المحض- هو النفي بخلاف أصحاب التعطيل الجزئي، حيث الأصل عندهم هو الإثبات لكن يقع منهم نفي في نوع معين”.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: “وهذا الأصل الباطل الذي أصله نفاة الصفات الجهمية المحضة -من المعتزلة وغيرهم- هو الذي فارقهم به جميع المثبتة للصفات من السلف والأئمة وأهل الفقه والحديث والتصوف والتفسير، وأصناف نُظَّار المثبتة كالكلابية ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم”.

وبذلك يتبين لنا أن التعطيل نوعان:

الأول: تعطيل كلي محض، وهو ما عليه نفاة الصفات من الفلاسفة الدهرية والقرامطة والجهمية والمعتزلة.

الثاني: تعطيل جزئي، وهو ما تعلق بنوع معين من الصفات، وإن كان الأصل لديهم هو الإثبات جملة، كالذي وقع من الكلابية والأشعرية والماتوردية.

وفي ذلك يقول أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “والجهمية والمعتزلة مشتركون في نفي الصفات، وابن كُلّاب ومن تبعه كالأشعري وأبي العباس القَلَنْسِي ومن تبعهم أثبتوا الصفات، لكن لم يثبتوا الصفات الاختيارية”.

إذًا التعطيل كما ذكرت وقع على نوعين: تعطيل كلي لجميع الصفات بالكلية، كالذي وقع من الطوائف التي عرفت بها آنفًا، وتعطيل جزئي وقع من بعض الفرق الإسلامية، التي أثبتت نصوص الصفات في الجملة، إلا أنهم أولوا بعض الصفات كالصفات الخبرية أو صفات الأفعال ونحو ذلك.

أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى بعنوان: متى ظهر التعطيل؟

التعطيل نزعة غريبة واتجاه دخيل على المسلمين، فهو أبعد المذاهب عن الشرع والعقل والفطرة، ولذلك قوبل بالتشنيع الشديد والإنكار البالغ من أهل الإسلام، وقد كان الناس على المحجة البيضاء والطريقة المستقيمة طوال عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى أواخر عصر التابعين، ولم يكن الناس إذ ذاك أحدثوا شيئًا من نفي الصفات، إلى أن ظهر الجعد بن درهم وهو أول النفاة في الملة الإسلامية، ثم ظهر جهم بعد ذلك من ناحية المشرق، ورفع ما قاله الجعد وقال بأقوال الجعد بن درهم، ونشط في نشر مقولته حتى ظهرت وانتشرت منه، فنسبت إليه فقيل الجهمية.

ويحكي الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى- قصة انتحال جهم لمذهب النفاة فيقول: “وكان الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم معشرًا كثيرًا، فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله، فلقي أناسًا من الكفار عرفهم الجهم بنفسه فقالوا له: سنتكلم معك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم فقالوا له: فهل رأيت عين إلهك؟ قال: لا، هكذا أجابهم.

قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا قال: أشممت له رائحة؟ قال: لا قالوا: فوجدت له مجسًا؟ قال: لا قالوا: فوجدت له حسًّا؟ قال: لا، قالوا له: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم، فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى، يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه، فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما شاء، وهو روح غائب عن الأبصار.

فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال لهؤلاء الكفار الذين لقيهم، وكان يقال لهم السُّمْنِية قال لهم أو قال لواحد من هؤلاء: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم، فقال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا قال: فوجدت له حسًّا أو مجسًا؟ قال: لا، قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان”.

هكذا ذكر الإمام أحمد في كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه عن غير تأويله) ذكر ماذا كان من جهم وكيف صار الجهم وتحير، وقال بهذه المقالة الفاسدة.

ثم إن أصل مقالة هؤلاء -أعني: مقالة التعطيل في الحقيقة- مأخوذة عن اليهود والمشركين وضلال الصابئين. وقد قيل: إن الجعد بن درهم الذي أخذ الجهم منه، هذا الجعد أخذ مقالته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر، الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل عنه من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، فكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم هم الفلاسفة، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كانوا كفارًا أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، ثم لما عُربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضُّلّال، ابتداءً من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.

ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وبشر هذا كان من فقهاء المعتزلة وقد رمي بالزندقة، وهو رأس الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، وكان أبوه يهوديًّا، ومن هنا يمكن القول بأن التعطيل بذرة يهودية، سقاها الصابئة المشركون فنمت في أرض المشرق، ثم لقحتها رياح الفلسفة اليونانية المعربة، حتى غدت شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

ب. مراتب التعطيل:

ينضوي تحت راية التعطيل فرق شتى منها ما هو موغل في الكفر والإلحاد، ومنها ما هو منسوب إلى أهل القبلة مع هذه البدعة المغلظة، لكن عرضت لهم شبهة أوجبت عدم القطع بإخراجه من الملة، فهي بدعة شديدة وقال بها بعض المنتسبين إلى أهل القبلة، ولكنهم مع بدعتهم هم من أهل القبلة؛ بسبب الشبهات التي جاءت إليهم ولم يتمكنوا من حلها أو الخروج منها، ويمكن تقسيم مراتب التعطيل إجمالًا إلى ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: غلاة الغلاة الذين قالوا: إن الله لا يوصف بالنفي ولا بالإثبات، ويسلبون عن الله -تبارك وتعالى النقيضين فيقولون: هو لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل؛ لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه سبحانه وتعالى بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين.

المرتبة الثانية: الغلاة وهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق هكذا زعموا، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم وليس له اسم كالشيء والحي والعليم ونحو ذلك؛ لأنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفًا بالمعنى أو بمعنى هذا الاسم كالحياة والعلم.

فإن صدق المشتق فإن صدق المشتق مستلزم لصدق المشتق منه، وذلك يقتضي قيام الصفات به وذلك محال على زعمهم، ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء كما زعموا فهي مما يسمى به غيره، والله منزَّه عن مشابهة الغير، فنفوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبه وليس بموحد.

المرتبة الثالثة: المقتصدون، وهؤلاء أثبتوا لله عز وجل الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم قدير بلا قدرة سميع بصير بلا سمع وبصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات، وأدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، وصار عندهم من قال بأن لله علمًا أو قدرة، أو أنه يرى في الآخرة أو أن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق، يقولون عنه أيضًا بأنه مشبه وليس بموحد.

وبناء على هذا صارت مراتب التعطيل حسب شدتها ثلاثًا، المرتبة الأولى: نفي النقيضين وهو مذهب غلاة الفلاسفة، والقرامطة الباطنية. المرتبة الثانية: نفي الأسماء والصفات واعتباره الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وهو مذهب الجهمية المحضة والفلاسفة الدهرية. المرتبة الثالثة والأخيرة: إثبات أسماء معطلة من الصفات وهو مذهب المعتزلة والمقتصدين من الفلاسفة.

وأنا عند ذكري لكلمة المقتصدين هنا لا أعني أنهم على صواب، وإنما أقول بأنهم أقل انحرافًا في التعطيل، يعني أقل انحرافًا من الفلاسفة الدهرية والقرامطة الباطنية، أما التعطيل بجميع ألوانه وأنواعه فاسد وباطل.

error: النص محمي !!