Top
Image Alt

تعريف التفسير وأهميته ونشأته وأنواعه

  /  تعريف التفسير وأهميته ونشأته وأنواعه

تعريف التفسير وأهميته ونشأته وأنواعه

التفسير لغةً:

الإيضاح والتّبيين، مِن: “الفَسْر”، وهو: الإبانة، وكشف المُغطّى.

وقيل: هو مقلوب: “السّفْر”، يقال: سفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفت نقابها؛ ولهذا سُمِّي السفر “سفرًا”؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرِّجال.

التفسير اصطلاحًا:

عرفه الزّركشي، بأنه: علْم يُفهم به كتابُ الله المنزل على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكمه.

أ. أهمِّيّة علْم التفسير:

أجمع العلماء، على أنَّ التفسير مِن فروض الكفايات، وأنه أجلُّ العلوم الشّرعيّة.

قال الكافييجي: إنَّ علم التّفسير محتاج إليه؛ لأن الناس يحتاجون في الاطّلاع على الشرائع والأحكام، إلى معرفة معاني القرآن، التي لا يطّلع عليها -على ما ينبغي- إلا بهذا العلْم الشّريف.

ب. نشأة التفسير، ومدارسه:

انطلاقًا من قول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ}  [النحل: 44] كانت نشأة التفسير، على يد مُعلِّم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وقد انقسم التفسير المرويّ عنه صلى الله عليه وسلم إلى قسميْن:

الأوَّل: تفسيرٌ لبعض المفردات، أو الألفاظ المجملة: وهذا قليل؛ لكون القرآن نزل بلسان عربيٍّ مُبين، في قوم سليقتهم العربيَّة.

الثاني: التفسير الإجمالي، والموضوعي، لجميع مقاصد القرآن: وهذا في الحقيقة قد بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم أيَّما بيان.

فالمتأمِّل لكتاب الله، يجِد أنه تكلّم عن العقيدة في الله، والملائكة، والأنبياء، والكُتب المنزلة، واليوم الآخر، والقدَر، وهذه المباحث قد أخذت جانبًا عظيمًا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم القوليَّة والفعليَّة، مفسِّرة لمضمونها، وشارحة لمقصودها، كما تحدَّثت آيات أخرى عن العبادات؛ من صلاة، وزكاة، وصوم، وحجٍّ، ونذر وغير ذلك، وهذه جلّ الأحاديث النبويّة تفسّرها، وتوضِّح مجمَلها.

وتحدّثت آيات القرآن، عن أحكام شرعيّة في المعاملات وغيرها؛ من نكاح وطلاق، وبيع وشراء، وطعام وشراب، وقَصاص وحدود، وميراث، ونحو ذلك، وهذه أيضًا أخذت جانبًا كبيرًا من السُّنّة النبوية التي لم تدعْها إلَّا واضحة جليَّة.

ولم يبْقَ إلَّا آيات تتعلَّق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه، وعلاقاته بالمُشركين والكتابيِّين، وهذه لا مفسِّر لها إلَّا ما أُثر عنه صلى الله عليه وسلم من تلك الأحوال، وآيات تتعلّق بقصص الأنبياء السابقين؛ وهذه تلاوتها تغني عن تفسيرها، وبعض ما احتيج فيه إلى تفسير بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان فضلًا ترَكه صلى الله عليه وسلم ورخّص في الحديث عن بني إسرائيل.

وبناء على ما تقدّم:

فجلّ القرآن الكريم، قد فسّره النبي صلى الله عليه وسلم ومَن خالف ذلك، فقد أُتي مِن قِبل نظرته للنوع الأوَّل مِن التفسير المرويِّ عنه صلى الله عليه وسلم فقط، ولم يتنبّه للنوع الثاني، والله أعلم.

وقد اعتمد الصحابة في تفاسيرهم على أربعة مصادر: القرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم والاجتهاد بما لديهم مِن لغة عربية، وفهم ثاقب، وأهل الكتاب؛ ولكلٍّ مجالُه.

وعن طريق الصحابة رضي الله عنهم انتشر التفسير، وظهرت مدرسة التفسير بالمأثور؛ متمثِّلَة أظهر ما تكون في حَبر الأمّة، وترجمان القرآن ابن عباس، ثم غيْره من مُفسِّري الصّحابة، كابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وبقيّة الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.

وتطوّرت هذه المدرسة، في عصر التابعين، فتولّد منها مدارس حسب انتشار الصحابة في البلدان؛ فأشهر مدارس التفسير بالمأثور:

مدرسة التفسير بمكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء، وعكرمة، وطاوس، وسعيد بن جبير.

ثم مدرسة التفسير بالمدينة، وقد أخذ أصحابها عن أبيّ بن كعب، واشتهر منهم: أبو العالية، ومحمد بن كعب القرظي.

ومدرسة التفسير بالعراق، وقد أخذ أصحابها عن ابن مسعود، واشتهر منهم: علقمة بن قيس، ومسروق، ومرّة الهمداني، والشعبي، والحسن البصري، وقتادة.

ثم ظهرت مدرسة التفسير بالرأي، والمراد به: تفسير القرآن بالاجتهاد، بعد اكتمال الأدوات للمفسِّر التي يحتاج إليها في ذلك.

ج. أنواع التفسير:

  • تفسير بالمأثور.
  • تفسير بالرأي المحمود.
  • تفسير بالرأي المذموم.

وقد اشتهر تقسيمه إلى نوعيْن:

وهما: الأوّل والثاني، وزاد بعض أهل العلْم -بدلًا مِن الثالث-: التفسير الإشاري؛ وهو في الحقيقة يندرج تحت التفسير بالرأي المذموم؛ وهو توجُّه من توجُّهات التفسير عند الصُّوفية، وبعضهم أفرد الحديث عن التفسير الفقهيّ، والصَّواب أنه ممَّا يندرج تحت التفسير بالرأي المحمود.

أهمِّ كتب التفسير:

وتنقسم كتب التفسير، إلى ثلاثة أقسام:

  • قسم اقتصر على التفسير بالمأثور فقط.
  • قسم جمَع بين التفسير بالمأثور، وبين التفسير بالمعقول.
  • قسم اقتصر على التفسير بالرأي، إلا أنّ بعضًا منه يتعرَّض للمأثور، تعرضًا غير أساسي، وهو ناقل في الحقيقة عن غيْره.

فأهمّ كتب القسم الأوَّل: تفسير نافع بن أبي نعيم القاري، والتفسير المنسوب لمجاهد بن جبر، وتفسير عبد الرزاق الصنعاني، وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، وتفسير النسائي، وغير ذلك.

وهي مطبوعة، ما عدا تفسير ابن أبي حاتم؛ فالمطبوع المحقّق منه جزء فقط؛ حيث فُقِدَ الباقي.

وممَّا يدخل في هذا القسم: الكتاب الجامع الشامل، للإمام السيوطي، المسمى: (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)؛ وهو وإن لم يُسنِد الروايات، إلا أنه خرّجها مِن كتب التفسير المُسندة وغيرها، ولم يخلط مع الروايات غيرَها، وبيّن في مقدمة كتابه: أنه اختصره من كتاب آخر، ذكر فيه من أسانيد الروايات، ومن الطريف أنه روى في كتابه هذا بعض الروايات بإسناده هو.

وأهمّ كتب القسم الثاني: تفسير (جامع البيان)، لابن جرير الطبري، وتفسير (أحكام القرآن)، للجصاص، وتفسير (معالم التنزيل)، للبغوي، وهذه الكتب تسند رواياتها إلى أصحابها، وعلى الأخصّ ابن جرير الطبري، وأما الجصاص، والبغوي، فعلّقا كثيرًا مِن الروايات دون إسناد، بجانب ما أسنداه.

ويُلحق بهذا القسم: الكتب التي لم تسند رواياتها، وتكثر النقل مِن المأثور، ويتربّع قمَّتَها: (تفسير القرآن العظيم)، للحافظ ابن كثير؛ وهو في الحقيقة: يكاد يكون أعدل كتب التفسير على الإطلاق منهجًا، مع اختصار غير مخلّ، وبغير تطويل مُملّ.

التفسير بالرأي:

مزالق التفسير بالرأي:

فأظهر ما تكون في باب العقائد، ثم في الأحكام الفقهية المستنبَطة من الآيات، ثم في الوقائع التاريخية، والآيات المتعلّقة بها وغير ذلك.

وممّا وقع فيه بعض المفسِّرين في كلامهم، وخرجوا فيه عن المنهج المعتدل:

قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].

استدل به المعتزلة على نفْي خلْق الله للاعتداء؛ ولا حجة لهم فيه؛ لأن هناك فرقًا بين الإرادة الكونية القدَرية، والإرادة الشّرعية الدِّينية؛ والذي دفعهم لذلك: اعتقادهم الشيء أولًا، ثم تنزيل كلام الله عليه.

قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} [البقرة: 194].

قال الرازي: وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ولا في مكان، إذ لو كان جسمًا لكان في مكان معيّن، فكان إمّا أن يكون مع أحد منهم، ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كلّ واحد من المؤمنين جزء مِن أجزائه، وبعض مِن أبعاضه – تعالى الله عن ذلك.

وأمّا طامّات التفسير بالرأي المذموم، فهي كثيرة؛ وأهون ما جاء مِن ذلك: طامّات أهل التفسير الإشاري، الذي قبِله بعض أهل العلْم.

والصواب: ردّه كردّ غيره من التفسير المذموم.

وممّا قيل في تمريره: أنّ الفرْق بين تفسير الصوفية، المسمّى بالتفسير الإشاري، وبين تفسير الباطنية الملاحدة:

أنّ الصوفية، لا يمنعون إرادة الظّاهر؛ بل يحضّون عليه، ويقولون: لا بدّ منه أولًا، إذْ مَن ادّعى فهْم أسرار القرآن ولم يُحْكم الظاهر، كمَن ادّعى بلوغ سطْح البيت قبل أن يجاوز الباب.

وأمّا الباطنيّة، فإنهم يقولون: إنّ الظاهر غيْرُ مراد أصلًا، وإنّما المُراد الباطن؛ وقصْدهم: نفْي الشريعة، وبعضهم استدلّ لذلك بحديث لا يَثبت؛ وهو ما رواه الحسن مرسلًا، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لكلِّ آية: ظَهْر وبَطْن، ولِكلِّ حرْف حَدٌّ، ولكِلِّ حدٍّ مَطْلَع”.

قلت: أمّا الظّهر والبطن، فقد قال السيوطي: في معناه أوجه:

أحدها: أنك إذا بحثت عن باطنها وقِسْته على ظاهرها، وقفْت على معناها.

الثاني: أنه ما مِن آية، إلا عَلِمَ بها قوم، ولها قوم سيعلمون بها، كما قال ابن مسعود.

الثالث: أنَّ ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها.

الرابع: قال أبو عبيدة، وهو أشبهها بالصواب: إن القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية، وما عاقبهم به، ظاهرها: الإخبار بهلاك الأوّلين، وحديث حدّث به عن قوم، وباطنها: وعْظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحلّ بهم مثل ما حلَّ بهم.

شروط قبول التفسير الإشاري:

  • ألا يتنافى ما يظهر مِن معنى النّظم الكريم.
  • ألا يدّعى أنه المراد وحْده دون الظاهر.
  • ألا يكون تأويلًا بعيدًا سخيفًا، كتفسير بعضهم، لقوله تعالى: {وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، بجعل كلمة: {لَمَعَ} ماضيًا، وكلمة: {الْمُحْسِنِينَ} مفعوله.
  • ألا يكون له معارض شرعيّ، أو عقليّ.
  • أن يكون له شاهد شرعيّ يؤيِّده.

ونحن في غنًى عن هذه الشروط؛ لأنّ أعرف الناس بكتاب الله، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وتلاميذهم مِن التابعين، ومن تبعهم، وعلماء الأمّة الجهابذة، لا يُعرف عنهم هذا النوع مِن تفسير كتاب الله.

نظرة خاطفة على بعض الأمثلة الدالة على فسادِه:

ومن ذلك التفسير الإشاري، لابن عربي، لقول الله تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] بقرة: هي النفس الحيوانية، وذبْحها: قمع هواها؛ الذي هو حياتها ومنبعها من الأفعال الخاصة بها، بشفرة سكّين الرّياضة.

وقال في تفسير: {وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ عَاصِفَةً} [الأنبياء: 81]، إلى قوله: {وَذِكْرَىَ لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:84]، {وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ}، أي: سخّرنا لسليمان العقْل العملي، والمتمكّن على عرش النّفس في الصدر: ريح الهوى.

{عَاصِفَةً}: في هبوبها، و{تَجْرِي} [الأنبياء:81]، بأمْره مطيعة له، و{إِلَى الأرْضِ} [الأنبياء:81]، أرض البدن المتدرّب بالطاعة والأدب، و{الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء:81]، بتمييز الأخلاق، والملَكات الفاضلة، والأعمال الصالحة، و{وَكُنّا بِكُلّ شَيْءٍ} [الأنبياء:81]، من أسباب الكمال {عَالِمِينَ} [الأنبياء:81].

{وَمِنَ الشّيَاطِينِ} [الأنبياء:82]: شياطين الوهم والتخييل، مَن يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء:82]، في بحر الهيولي الجثمانية، ويستخرجون درر المعاني الجزئية، {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء:82]، مِن التركيب والتفصيل والمصنوعات، وتهييج الدّواعي المكسوبات، وأمثالها، {وَكُنّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء:82]، عن الزيغ.

يقول السيوطي: وأمّا كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير.

افتتح الحافظ ابن كثير كتابه بمقدّمة هامة في أصول التفسير، ثم عطف على ذلك بمبحث طويل، يتحدث فيه عن فضائل القرآن، ونزوله، وكتابته، وغير ذلك، وجعله قبل تفسيره، تشويقًا لقارئ التفسير وطالب القرآن، وكان في بداية تصنيفه للكتاب قد جعله في آخره، ثم بدا له أن يجعله في البداية لهذا الغرض، كما صرّح بذلك في أواخر النُّسخ المخطوطة للكتاب.

ثم بدأ -رحمه الله- بتفسير الفاتحة، وسوف نفتتح حديثنا في تفسير الفاتحة؛ بذكر فضائلها، دون تفسيرها، وبعض الأحكام المتعلقة بها.

error: النص محمي !!