Top
Image Alt

تعريف التمثيل وفرق الممثلة

  /  تعريف التمثيل وفرق الممثلة

تعريف التمثيل وفرق الممثلة

أ. تعريف التمثيل:

قبل أن أتكلم عن التمثيل وأن أبيِّن متى ظهر، والأسباب الدافعة إلى ظهوره وفرقه المتعددة، لا بد أن نعرف أولًا ما معنى كلمة التمثيل؟

التمثيل كما جاء في (الصحاح): يقال مِثْل: كلمة تسوية فيقال: هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه، وهي بمعنى واحد، ومثل الشيء أيضًا صفته ويقال: مثلت له كذا تمثيلًا إذا صورت له مثاله بالكتابة وغيرها، والمراد بالتمثيل في الصفات: المبالغة في إثباتها إلى حد تسويتها بصفات المخلوقين، ويعبِّر عنه أحيانًا بالتشبيه والتجسيم، وهذا هو الذي يجب عليَّ أن أشير إليه هنا، وهو المراد بكلمة التمثيل في باب الصفات، ونحن نتحدث عن صفات الله -تبارك وتعالى.

فالمراد بالتمثيل في الصفات: المبالغة في الإثبات، إلى أن يصل المثبت إلى أن يمثل صفات الخالق سبحانه وتعالى جل في علاه- بصفات المخلوقين. وقد عرف هذا بالتشبيه أو التجسيم، ولكن لفظ التشبيه موجود على كل حال في كلام بعض العلماء، والبعض من هؤلاء أرادوا بكلمة التشبيه تمثيل الله تبارك وتعالى بخلقه، كذلك أيضًا جاء ذكر لفظ التجسيم، وإن كان لفظ التجسيم لا يوجد له في كلام السلف نفي أو إثبات، فلم أجد فيما وقفت عليه أن قال أحد السلف بنفي التجسيم عن رب العالمين سبحانه وتعالى أو إثباته، وبالتالي فهو لفظ يحتاج إلى أن نبتعد عنه.

والأَولى أن نلتزم بالتعبير القرآني وهو التمثيل؛ لأن رب العالمين سبحانه وتعالى قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11] فنفى أن يكون له مثل سبحانه وتعالى جل في علاه.

ولعلي أبادر هنا فأقول بأن البعض قد ينسب التشبيه إلى أهل السنة، وهذا باطل؛ فلفظ التشبيه له معنيان: معنى صحيح ومعنى فاسد، المعنى الصحيح هو نفي مماثلة الخالق للمخلوق، فعندما أقول مثلًا: أنا أنفي التشبيه عن الله تعالى أو أن التشبيه باطل، فالمعنى المراد أنني لا أشبه صفات الخالق بصفات المخلوق، وهذا باطل وظلم وحرام وجرأة على رب العالمين جل في علاه، الذي اتصف بصفات الجلال والكمال.

المعنى الثاني للتشبيه: المعنى الغير صحيح: أن بعض الناس أطلقوا على من أثبتوا الصفات لله على وجه الحقيقة، كما يليق بجلاله وكماله دون تكييف أو تمثيل، فإذا أطلقت كلمة التشبيه هنا على هذا الأمر، أعني إثبات الصفات دون تمثيل أو تكييف فنقول بأن المعنى هنا ليس صحيحًا.

ب. متى ظهر التمثيل؟ وما أسبابه؟

التمثيل نزعة يهودية الأصل؛ لأن اليهود كثيرًا ما كانوا يعدلون الخالق بالمخلوق، ويمثلونه سبحانه وتعالى بخلقه، وقد وصل الأمر بهم إلى أن وصفوا الله عز وجل بالعجز والفقر والبخل، ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيه رب العالمين سبحانه وتعالى عنها، وهي من صفات خلقه، ولكنهم مع ذلك وصفوا بها رب العباد سبحانه وتعالى جل في علاه.

وأول ظهور للتمثيل في أمة النبي صلى الله عليه وسلم كان على يد الرافضة الغلاة، وفي هذا يقول البغدادي -رحمه الله تبارك وتعالى-: “وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة”. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى-: “أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي، وهذا الرجل كان يشبه ربه بخلقه، وكان صاحب نظر وجدل، وقد قيل عنه بأنه كان من الغلاة وكان يقول بالجبر الشديد، يعني أن العبد مجبور على أفعاله”.

وسبب ظهور مقالة التمثيل يرجع إلى أمرين:

الأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب وخاصة اليهود في مقالاتهم، حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل الباري سبحانه وتعالى بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم، وقد قال رب العالمين سبحانه وتعالى ذاكرًا بعض ضلالاتهم في ذلك فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون} [التوبة: 30].

فاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق، وكذلك جرى في هذه الأمة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا يؤكد ذلك جاء فيه: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن)).

الأمر الثاني: الذي كان وراء ظهور التمثيل، فهو يرجع إلى مواجهة التطرف بتطرف مضاد، وذلك أنه لما ظهر مذهب التعطيل ونفي الصفات عن رب العباد سبحانه وتعالى، قوبل هذا الرفض للصفات بالتمثيل، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله تبارك وتعالى- بقوله: “وظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل الرب عز وجل، وقال بخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جَسّم”.

جـ. فرق الممثلة ومقالاتهم:

التمثيل نوعان: تمثيل المخلوق بالخالق، ومعناه: إثبات شيء للمخلوق مما يختص به الخالق جل في علاه من الأفعال والحقوق والصفات، الثاني: تمثيل الخالق بالمخلوق، ومعناه أن يثبت لله تبارك وتعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص كما للمخلوق من ذلك، وقد وقع كلا النوعين في هذه الأمة على درجات متفاوتة بين الكفر والبدعة، وسأسوق هنا تصنيف الإمام عبد القاهر البغدادي -رحمه الله تبارك وتعالى- لفرق الممثلة مختصرًا كلامه في ذلك فأقول:

“المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة، فمنهم السبئية الذين سموا عليًّا رضي الله عنه إلهًا، وشبهوه بذات الله -تبارك وتعالى، ومنهم البيانية أتباع بيان بن سمعان، الذي زعم أن معبوده إنسان من نور، على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفنى كله إلا وجهه. ومنهم المغيرية أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء، وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء. ومنهم المنصورية أتباع أبي منصور العجلي، الذي شبه نفسه لربه وزعم أنه صعد إلى السماء. ومنهم الخطابية الذين قالوا بإلهية الأئمة وبإلهية أبي الخطاب الأسدي، وهذا رجل من البشر ومع ذلك تذهب هذه الطائفة التي اتبعته إلى ألوهيته، وقد كان هذا الرجل -وأعني به أبا الخطاب الأسدي وهو محمد بن أبي زينب الأسدي- كان يزعم أولًا أن الأئمة أنبياء ثم زعم أنهم آلهة، ثم ادعى لنفسه الألوهية بعد ذلك. وهؤلاء أيضًا -أعني: الخطابية- قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.

ومنهم الحلولية الذين قالوا بحلول الله -تبارك وتعالى- في أشخاص الأئمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك، وهذا كثير وواقع في الغلاة واقع في الرافضة، وواقع في غلاة المتصوفة من أتباع ابن عربي والحلاج وغير هؤلاء”.

وهذه الأصناف التي ذكرتها الآن في الحقيقة خارجون عن دين الإسلام، وإن انتسبوا في الظاهر إليه، وهذه الفرق تعد من المشبهة، وعدهم المتكلمون في فرق الأمة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، ولكن الأمر كذلك، والصواب أن هناك فرقًا من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة؛ لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية.

ومن هؤلاء الهشامية المنتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي، الذي شبَّه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل عريض عميق وذو لون وطعم ورائحة. وهذا في الحقيقة ضلال وانحراف وخروج أيضًا عن ملة الإسلام، وإن عد بعض علماء المتكلمين هذه الفرق في إطار الأمة المحمدية.

ومن هؤلاء اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القُمِّي، وهذا الرجل كان عراقيًّا من أصحاب موسى بن جعفر، ولكنه ضل وانحرف عندما زعم أن الله تعالى يحمله حملة عرشه، وإن كان هو أقوى منهم.

ومن هؤلاء المشبهة المنسوبة إلى داود الجواربي، وقد أخذ هذا الرجل عن هشام بن سالم الجواليقي، يعني أن داود هذا الجواربي أخذ مقالة التشبيه من هشام بن سالم الجواليقي، وهذا الرجل كان أيضًا من الرافضة ورمي أيضًا بالتجسيم والتشبيه. هذا الرجل وقع منه وصف لرب العالمين بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية. ومنهم الإبراهيمية المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي.

وهناك غير هؤلاء ولكني هنا أكتفي بما ذكرت من هذه الفرق الضالة، التي شبهت رب العالمين سبحانه وتعالى بخلقه، فأما المشبهة الذين شبهوا رب العالمين سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين، فالذين ذكرتهم آنفًا مثلوا المخلوق بالخالق، وأما هؤلاء فمثلوا الخالق بالمخلوق.

ومن هؤلاء الذين شبهوا إرادة الله تعالى بإرادة خلقه، وهذا قول المعتزلية البصرية، ومنهم الذين شبهوا كلام الله عز وجل أيضًا بكلام خلقه، ومنهم الزرارية أتباع زرارة بن أعين الرافضي، وقد ذهب هذا الرجل وجماعته إلى حدوث جميع صفات الله عز وجل، وأنها من جنس صفاتنا.

ويلاحظ بعد ذلك من هذا العرض لفرق الممثلة الملاحظات التالية:

أولًا: أن التمثيل نشأ في أحضان الرافضة وترعرع فيها.

ثانيًا: تفاوت هذه الفرق على النحو التالي:

  • الغلاة وهم الذين مثَّلوا ذات الخالق بذات مخلوق معين، أو زعموا أن الله حال فيه سبحانه، وهؤلاء خارجون عن الملة، وغالبًا ما يجمعون إلى هذا الكفر كفرًا آخر من الزندقة الباطنية، وقد ذكرت كلمات عن هؤلاء في بداية حديثي في هذا الدرس.
  • المكيفة وهم الذين يكيِّفون صورة معبودهم بأوصاف وكيفيات معهودة في الذهن والخارج، لكن غير مقيدة بمماثل معين كالهشاميين.
  • ممثلة الأفعال الذين يمثلون الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الأفعال كالمعتزلة.

ثالثًا: ولا بد من الإشارة إلى هذا ولا بد من بيانه، وهو أن أهل السنة والجماعة برآء من تهمة التمثيل، التي حاول بعض نفاة الصفات من المتكلمين نبذهم بها، فليس في هذه الفرق المذمومة طائفة من أهل السنة أبدًا، إلا أن المتكلمين بناءً على أصولهم الفاسدة عدوا إثبات الصفات الخبرية تمثيلًا، فوصموا المثبتين لها بوصمة التمثيل، كما صنع الشهرستاني في مبحث المشبهة، حيث أدخل في مقالات المشبهة ما هو من صريح مذهب السلف. وهذا في الحقيقة غير صحيح، وقد أشرت إلى أن التشبيه له معنى باطل، وهو رمي أهل السنة بالتشبيه، عندما يصفون ربهم بالصفات الثابتة له على ما يليق بجلال الله -تبارك وتعالى- وكماله.

error: النص محمي !!